«المرة الاولى التي سمعنا فيها مصطلح (40) كيلومترا حدثت في الليلة الفاصلة بين الخميس والجمعة بعد اندلاع حرب لبنان بخمسة ايام. وزير الدفاع الاسرائيلي أرييل شارون وصل الينا في مقر قيادة المنطقة الشمالية لعقد لقاء من تلك اللقاءات الليلية المعتادة. شارون كان يأتي في كل ليلة تقريبا. في ذلك اللقاء قال اننا قد اجتزنا خط الاربعين كيلومترا، وعلينا الآن ان نعود للخلف. هذه كانت المرة الاولى التي أسمع فيها قضية الاربعين كيلومترا. رئيس هيئة الاركان رفائيل ايتان كان هو الآخر هناك ايضا». * رئيس هيئة الاركان رفائيل ايتان لم يكن هو الآخر يعلم بقضية الاربعين كيلومترا؟ ـ اعتقد انه هو ايضا لم يعلم بأمرها. * ولم تدرك في حينه انهم يستغلون الجيش الاسرائيلي لأغراض ليس له علاقة بها؟ ـ أنا لم أولد بالامس. * ربما كنتم قد تجاوزتم الحدود فعلا؟ وربما تصرفتم خلافا لتعليمات رئيس هيئة الاركان والوزير؟ ـ لم نتجاوز حدودنا وقد قمنا بما كلفنا به وقد نفذنا المهمة بالكامل. قمنا بذلك بالطريق الأصعب من الناحية العسكرية، ولو كانت لنا حرية كاملة في تنفيذ ما كان يتوجب فعله عسكريا لبدت العملية العسكرية في صورة مغايرة. * فما الذي حدث هناك في الغرفة في ليلة الخميس؟ هل حملوك المسئولية فجأة وكأنهم يقولون لك انك قد اندفعت لمسافة مفرطة؟ ألا يثير ذلك غيظك؟ ألم تشعر بالمفاجأة؟ ـ أنا لا أنفعل أكثر من اللازم ولن أتطرق لخيبات الأمل الخاصة بي. كان واضحا لي ان شارون قد عاد من الحكومة وانهم قد قالوا له هناك: كيف وصلت الى المكان الذي وصلت اليه؟، يبدو انه لم يكن يملك تفويضا بالتقدم للامام، أنا أدركت انه مرغم وانه لا يستطيع التقدم أكثر ولم يكن لدي محادثات قريبة معه حتى ادرك ما يجول بخاطره. ما آسف له في هذه الحرب هو أنني لم أكن أملك علاقة أفضل معه حيث كان بامكاني في مثل هذه الحالة ان أقول له ما الذي أفكر به. شارون كان رجلاً منفتحاً وكانت هناك امكانية لاقناعه، وقد غير مواقفه 180 درجة أحيانا. ولكنني حرصت طوال حياتي كلها على ان أبتعد عن المستوى السياسي وعن وسائل الاعلام. * تلقيتم تعليمات باعادة القوات الى بحيرة القرعون من اجل الالتزام بمعيار الاربعين كيلومترا، فلماذا لم تعودوا؟ ـ لان ذلك كان خطأ حسب رأيي، قلت في حينه: خسارة الانسحاب من هذه المناطق لاننا سنضطر للعودة اليها. في الليلة الفاصلة بين الخميس والجمعة كانت المنطقة خالية من السوريين ولم ننفذ هناك ما يسمونه «استغلال النجاح»، كان بامكاننا ان نحتل المنطقة ونسيطر عليها، ولم نعرف اذا كانوا سيتوصلون الى وقف اطلاق نار. الشعور كان أننا نضيع فرصة غير عادية لاننا سنضطر لاحقا لاختراق فرقة عسكرية سورية. * قل لي، هل قدتم الحرب بهذه الطريقة؟ ـ لقد كان بالامكان ادارتها بصورة مغايرة. أنا أوافقك الرأي. أطلقوا على العملية «الصنوبر المتدحرج» حسب رؤية قيادة المنطقة الشمالية وخطط الحرب التي طرحت قبل اندلاع الحرب كان من المفترض ان تستكمل قوات الجيش السيطرة على الاهداف العسكرية المركزية خلال اربعة ـ سبعة ايام، ولكن الامر استغرق من الناحية العملية 18 يوما ومع اصابات عالية جدا، شيء ما لم يكن على ما يرام في خوض تلك الحرب. لجان التحقيق شكلت بعد الحرب، ولكن لم يتطرق أحد الى الامر الجوهري وهو كيف استخدمت الحكومة الجيش وكيف أدارة المعركة العسكرية. * متى تبدأ الحرب من وجهة نظرك؟ ـ منذ اليوم الذي وصلت فيه الى قيادة المنطقة الشمالية في الاول من سبتمبر 1981، عقدت اجتماعا للضباط وأعلمتهم بأننا سنخوض الحرب. لم أعرف التفاصيل الا انني عرفت انها واقعة لا محالة، فلا يمكن لأي دولة ان تتعايش مع الظروف التي فرضتها منظمة التحرير الفلسطينية في الحدود الشمالية، ولم يكن بامكان أية دولة ان تكون رهينة لدولة منظمة التحرير الفلسطينية ذات الخمسة عشر ألف مقاتل. الخطط التي أعدت في قيادة المنطقة الشمالية كانت انعاشا لخطط وضعت سابقا في هيئة الاركان وفي القيادة الشمالية في السبعينيات باسم «ارازيم» (أي الأرز). الاستعداد جرى لأربعة اوضاع أساسية. أحدها أسمي «اورانيم الصغير» (أي الصنوبر الصغير) وهي عملية شبيهة بعملية الليطاني. والثاني «اورانيم الأوسط» وهو ما فعلناه تقريبا. حيث الوصول الى طريق دمشق - بيروت واحتلال منطقة البقاع. الثالث هو احتلال لبنان كله وهذا يعني الاصطدام مع الجيش السوري هناك. الامكانية الرابعة كانت ان تمتد الحرب للجبهة الشرقية كلها بما فيها هضبة الجولان وسوريا. أخذنا نستعد للاوضاع الاربعة وأطلقنا على ذلك اسم «اورانيم المتدحرج» أي «الصنوبر المتدحرج»، أي ان نبدأ في أحد الاوضاع وان نتطور من خلاله الى مراحل اخرى جديدة وهذا ما حدث فعلا. الخطة عرفت على المستوى السياسي، ما أعلمه من السجلات ان مناحيم بيغن عرض في العشرين من كانون الاول 1981 على الحكومة القيام بعملية واسعة ضد (المخربين) بما في ذلك الوصول الى جونية في الشمال. هذا بالنسبة لي يسمى «اورانيم الأكبر». الوزراء عارضوا ولم يتم اتخاذ القرار. وما أريد تفنيده هو الادعاء بأن الامر لم يعرض على الحكومة أو أنه لم يكن واضحا. ذات مرة كنت في الحكومة وطرحت هناك أسهم: حتى بيروت وحتى طريق بيروت - دمشق وما وراءهما. * ما الذي قررته الحكومة في نهاية المطاف؟ ـ الحكومة اجتمعت عشية يوم السبت في الخامس من يونيو 1982، وبدأت الحرب في السادس من حزيران في الحادية عشرة صباحا، أنا لم اشارك في تلك الجلسة، الحكومة اتخذت قرارا واضحا جدا: ابعاد ارهاب المدفعية عن التجمعات السكانية الشمالية. الامر الثاني: عدم مكافحة السوريين، وأمر ثالث: ان دولة اسرائيل تسعى للسلام. من هنا بالتحديد يبدأ تناقض تحديد الهدف كما ظهر في قرار الحكومة، واحد من عدد كبير من التناقضات التي تمخضت عنها حرب لبنان، حتى اذا انطلقنا من الافتراض القائل ان أحدا ما في الحكومة كان يقصد الاربعين كيلومترا فعلا فقد كان الجيش السوري في حينه منتشرا على مسافة تسعة كيلومترات عن المطلة. في داخل هذا الموقع السوري كان هناك 1500 (مخرب)، كيف فكرت الحكومة بابعاد هؤلاء (المخربين) من دون التصادم مع الجيش السوري. * هل كانت هناك خدعة ما، هل خدع أحد نفسه أم أنه أصدر قرارا للتغطية على نفسه؟ ـ الحكومة لم توجه لي أية تعليمات، التعليمات جاءتني من هيئة الاركان العامة، تقديرنا كان ان المجابهة مع السوريين ستحدث، الا انها ستكون محدودة، ذلك لان الافتراض كان انه لا يمكن التصادم مع المخربين من دون التصادم مع السوريين. * لماذا صادق رئيس هيئة الاركان على الاجازات عشية الحرب؟ ـ لا أعرف، اسأله هو، أعتقد انه كان يريد خداع العدو، وقد كانت هناك قرارات مشابهة يصعب ايجاد تفسير جيد لها اليوم، في مساء يوم الثلاثاء على سبيل المثال طلبنا تصريحا بالتقدم من جسر بصري شمالا فرفض رفائيل ايتان. تفسيري هو ان علاقته الجيدة مع بيغن جعلته يتوصل لاتفاق معه بعدم مهاجمة السوريين وبذلك يكون قد التف على شارون. هذه كانت احدى المرات القلائل التي تحدثت فيها مع شارون وطلبت منه التقدم الى الامام لان سرية سورية واحدة هي التي كانت تشرف على هذا المحور. في يوم الثلاثاء مساء وصل التفويض، الا ان السوريين كانوا قد تمكنوا من ادخال كتائب كوماندوز الى المكان وأدخلوا قوة اخرى الى ظهر البيدر. * أنت تتطرق الى تفاصيل صغيرة جدا، وهذه تفاصيل مسجلة.. ـ لا، هذه تفاصيل مهمة جدا حتى نصل للادراك بأننا لو كنا قد اندفعنا نحو طريق بيروت - دمشق منذ البداية لوصلناه من دون قتال مع السوريين، وعلى الرغم من الغاء العملية التمهيدية الاولى بانزال قوات من الجو. * أي حرب هذه؟ ـ هذه كانت حربا بشروط خاصة، وليكن واضحا: الاهداف كانت واضحة للقوات على الارض وأنا لم أقل لأحد رأيي في الطريقة التي تدار بها هذه الحرب، من المفترض ان تحدد الحكومة الأهداف للجيش وتترك له مهمة التنفيذ، أما تدخلها في التفاصيل فقد حولها الى طاقم قيادة كتيبة كما رأيت في احدى المرات التي شاركت فيها. ابان حصار بيروت مثلا منعونا من القيام بأي عملية وعندما كنا نسأل عن السبب كانوا يقولون: قرار المستوى السياسي. الشيء نفسه حدث مع قطاع الشوف. توصيتنا كانت ان نقوم باحتلال جبل الشوف. الحكومة قالت المسيحيون سيفعلون ذلك، وما حدث طبعا انهم لم يحتلوا الشوف ولم يحتلوا أي شيء، وهكذا نشأ وضع صعب حيث يطلق السوريون والدروز النار على المسيحيين في مناطقنا، وهذه معركة كان من الممكن الحيلولة دون حدوثها من دون ضحايا من خلال احتلال المنطقة كلها. وليكن واضحا: السوريون في نهاية المطاف تلقوا ضربة ذات أبعاد مهمة جدا للمستقبل، جوا وبرا، وقد خرجت من رؤوسهم كل فكرة التوازن الاستراتيجي معنا. * صحح ما أقوله اذا كنت على خطأ: في لجنة كهان حول صبرا وشاتيلا نشأ انطباع بأنك لم تعرف ولم تسمع ولم تكن ولم تر؟ ـ هذا ليس صحيحا. لقد كانت لنا علاقات مع الكتائب، ولكننا لم نقم معهم بعملية عسكرية مشتركة أبدا. أنا عارضت ذلك، فقد كان لي رأي بهم. هم كانوا مسؤولين عن مناطقهم ونحن عن مناطقنا. عندما بدأت الحرب جاء بشير الجميل لبيغن وشارون ورفائيل ايتان. وأنا لم آت لأطرح التحية حتى. أنا قررت للضباط في قيادة المنطقة: نحن نقوم بالمنوط بنا وهم يقومون بما يخصهم. بشير الجميل شعر باهانة كبيرة مني. اسرائيل ساعدته في ان ينتخب رئيسا للدولة. أنا بالمناسبة قلت بعد انتخابه ان علينا ان نتولى أمنه الشخصي، فقالوا لي ان هذا ليس من شأني. التقيت معه قبل مقتله بيومين وقلت له: اذا واصلت التصرف على هذا النحو فسيقتلك السوريون. فضحك، وقتل بعد ذلك فعلا. المسئول عن أمنه الشخصي كان ايلي حبيقة، حبيقة الذي اشتبهت به كل الوقت كان مسئولا ايضا عن الدخول الى صبرا وشاتيلا، وأنا لا أستغرب انه قتل في هذه السنة. حبيقة دعي للادلاء بشهادته أمام المحكمة البلجيكية في قضية صبرا وشاتيلا، والسوريون هم أصحاب المصلحة الكبرى في اغلاق فمه. حبيقة كان عميلا لهم وهو الذي حرص على مقتل بشير الجميل وهو الذي أشرف على المذبحة. من المثير ان أحدا لا يطرح أية ادعاءات ضد الاشخاص الذين نفذوا المذبحة مثل ايلي حبيقة. والأكثر من ذلك ان أحدا لا يطرح شيئا ضد الأطراف الدولية بما فيها الصديقة لنا التي عرفت بما يحدث. * هل تتحدث عن ممثلين اميركيين رسميين في بيروت عرفوا عن المذبحة من قبل ان نعرف نحن؟ ـ الممثلون الاميركيون ايضا، بعد مقتل بشير طلبت الاستعداد لاحتلال غرب بيروت. رفول لم يوافق، لماذا؟ اسأله، بقينا في بيروت مع قوة مقلصة. بعد نصف ساعة من رفضه اتصل معي وطلب مني ان ابدأ الهجوم فورا. في غرب بيروت كان هناك 200 ألف شخص بينهم 200 (مخرب) كان عرفات قد تركهم خلافا لاتفاق الخروج من بيروت، وألف عنصر ميليشيا يساري والمئات من كل التنظيمات ووسائل قتالية كثيرة جدا. بدأنا القتال مع 400 شخص، احتللنا بيروت خلال 30 ساعة، ولكن وصلتنا أوامر بعدم احتلال الفاكهاني وصبرا وشاتيلا، القرار جاء على ما يبدو من أجل منع سقوط اصابات عندنا. الكتائب دخلوا الى المخيمات مع 150 شخصا وفي مواجهتهم كان هناك حسب التقديرات 2000 (مخرب). ما أقلقني لم يكن ان يرتكبوا مذبحة وانما أقلقني أننا سنضطر لتقديم المساعدة لانقاذهم بسبب عدم تناسب حجم القوات. أنا اعتقد ان هناك حاجة لتشكيل لجنة تحقيق للاجابة على سؤال لماذا لم يقاتلهم (المخربون). لجنة كهان أوضحت ان أي اسرائيلي جنديا أو مواطنا لم يعرف بأن هناك مذبحة عندما حدث ذلك. * هل تحفظت من دخول الكتائب الى مخيمات اللاجئين؟ ـ أنا لم أفهم لماذا يتوجب حدوث ذلك، ولكن كان هناك قرار حكومي بأن يدخلوا، عمليا دخلوا الى قسم صغير من صبرا وشاتيلا، أنا أردت ان يخرجوا منذ يوم الجمعة ليلا، في نهاية المطاف سمحوا لهم بالبقاء حتى يوم السبت صباحا. * أنت كما تبدو لي كنت في هذه الحرب كفارس بلا حصان، فلم تكن أنت الذي قررت بشأن موعد بدء الحرب والمسارات وموعد مقاتلة السوريين؟ ـ سمحوا لنا بأن نقاتل في ظروف معينة وقد بذلنا أقصى ما نستطيعه. * هل تحدثت مع رفول أو شارون حول ما حدث في لبنان في أي مرة من المرات؟ ـ لا، هم سيكتبون كتبهم وأنا سأكتب كتابي، أنا أنوي تأليف كتاب بعنوان «حرب سلامة الجليل - شهادة» . * هل تحترم شارون كثيراً؟ ـ لا، في الجيش أثر علي ثلاثة اشخاص: جنرال البرت مندلر وجنرال كوتي آدم وارييل شارون الذي أثبت لي ماذا يعني التمسك بالهدف. ولكن مشكلته انه يقوم بالحلب وتعبئة الدلو الا انه يركله برجله في نهاية المطاف. * ما هو رأيك بطريقة انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان؟ ـ في حرب لبنان دمرنا دولة منظمة التحرير وطردناها حتى بيروت لتعود الى حجمها الطبيعي، كان بامكاننا قتل عرفات ولكننا لم نفعل، من أنقذه هو الطرف نفسه الذي ينقذه اليوم، وهم الامريكيون. منذئذ علمنا أننا نتعامل مع شخص لا يمكن التوصل الى اتفاق معه، علمنا من خلال مراقبتنا للمكالمات والمحادثات انه لا ينوي المحافظة على وقف اطلاق النار بالمرة. فهو ايضا عول على الضغط الداخلي الاسرائيلي، عندئذ سمعناهم يقولون: علينا ان نحرك اليسار الاسرائيلي فهذا وحده الذي ينقذنا. الانسحاب من لبنان كان صحيحا، ولكن كان من المفترض ان يتم بطريقة اخرى. * من الذي ارتكب هذا الخطأ؟ هل هو باراك؟ ـ أجل. عن «يديعوت أحرونوت»