يبدو الصراع العربي الاسرائيلي في ظاهره متأزما لدرجة قلت مثيلتها في الماضي، لكن بين ثنايا الطريق المسدود الظاهري تلوح بوارق لتفاؤل محدود يمكن ان يبنى عليه لتوفير أساس للتسوية. ـ أولا: ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون هو الزعيم الليكودي الوحيد الذي قبل بقيام دولة فلسطينية كجزء من التسوية: وهو في ذلك يحظى بدعم اغلبية ناخبي الليكود، في حين لم يبق لرئيس الوزراء الاسبق بنيامين نتانياهو المعارض لفكرة الدولة الفلسطينية سوى دعم ناشطي الحزب فقط في مواجهة الرئيس جورج بوش. ـ ثانيا: لأول مرة يكون السعوديون، منخرطين في العملية من خلال اقتراحات ولي العهد الامير عبدالله لصيغة اتفاق يتضمن تطبيعاً كاملاً. وهذا يجعل حل مشكلة القدس اسهل، مهما كانت عليه الحال عندما كان السعوديون مجرد منتقدين عائبين. ـ ثالثا: ان الفلسطينيين المنخرطين في الادارة التي أسسها ياسر عرفات يدركون انه لابد من اجراء تغييرات جوهرية. فالرعاة الاساسيون للسلطة ـ سواء الاتحاد الاوروبي او وكالات الامم المتحدة ـ لا يستطيعون المساعدة في اعادة بناء البنية التحتية الفلسطينية من دون ان يروا دلائل حقيقية على توقف الفساد واستحداث الاجراءات الديمقراطية. ينبغي للرئيس بوش ان يكون قادرا على الحفاظ على اول ملمحين من ملامح التفاؤل الثلاثة المذكورة، في حين يجب على الأمم المتحدة ان تساعد في الملمح الثالث، حيث يسهل على الفلسطينيين التراجع عن العملية الاصلاحية. ويجب على الآلية «الرباعية» المقامة حديثا والمؤلفة من وزير الخارجية الأميركي كولين باول، ووزير الخارجية الروسي، وممثل الاتحاد الأوروبي الاعلى لسياسة الامن والشئون الخارجية المشتركة والامين العام للأمم المتحدة ـ يجب على هذا الرباعي ان يعجل في تفحص خيار تأسيس ادارة مستقلة واجراء انخابات حرة وعادلة قبل قيام الدولة الفلسطينية. وربما يكون افضل حل ادارة مؤقتة من قبل الآلية الرباعية او الاتحاد الاوروبي. ـ الخطوة التالية الأكثر حسما تكمن داخل البيت الابيض، حيث سيتم هناك صياغة نهج جهود التفاوض الاميركية. هناك تاريخ طويل من الاساليب المختلفة التي يمكن الاقتباس منها ابتداء من وقفة الرئيس ايزنهاور المبدئية حول السويس، مرورا بدبلوماسية كيسنجر المكوكية على الجانبين السوري والاسرائيلي، وصولا الى مفاوضات كامب ديفيد برعاية كارتر ومن ثم كلينتون. خيار اليوم تبسطه وتوضحه حقيقة ان اي اثر متبق في النوايا الحسنة المنبثقة عن اتفاقيات اوسلو، ضاع اخيرا في جنين، مبطلا معه تأثير اي تفاوض مباشر وجهاً لوجه بين الطرفين. فذلك الاسلوب لن يعود قبل بضع سنوات، وبقية العالم غير مستعد للانتظار كل هذه الفترة، لأنه يرى ان حل الصراع في الشرق الاوسط يشكل عنصرا مهما لحل الصراع ضد التشدد. ينبغي للولايات المتحدة ان تقرر ان تعرض على الطرفين خطة متكاملة نهائية تتضمن تخطيط وتوصيف اراضي كل من الدولتين، وسيستلزم تعزيز هذه الخطة وجود قوات اميركية على الارض للتغلب على المخاوف الامنية الحقيقية وبعد 11 سبتمبر يبدو المناخ السياسي في الولايات المتحدة لمثل هذا الانتشار السياسي أنسب من أي وقت مضى. فقد ساعد شارون بطريقته في آقناع العديد من الاميركيين ليس فقط بان الانتحاريين الفلسطينيين يشكلون مظهرا من مظاهر الارهاب الدولي، بل ايضا ان التدخل الأميركي عسكريا وسياسيا، عامل مهم. وكما هي الحال في كثير من الاحيان وسط الصراعات، فان مفتاح السلم يكمن في الاتفاق على خارطة. وخارطة المرحلة النهائية،وليس الخارطة المؤقتة، وبما تعني استعادة الفلسطينيين كل ما خسروه من هكتارات في حرب 1967، لكنها لا تعني عودتهم الى الارض نفسها، ان مقايضة الارض بين الطرفين اصبحت الآن اسهل بكثير، نظراً الى حقيقة ان العرب الذين يعيشون في اسرائيل يشكون اكثر من اي وقت مضى في استمرار مواطنتهم الاسرائيلية. والعديد من الاسرائيليين ايضا يتساءلون عن مدى شعورهم بالامن بوجود هذه الاعداد من العرب على تلك المساحات في الارض داخل اسرائيل كجزء من حل يفضي الى وجود دولتين. وهذا التضارب المتبادل يحمل الحل ليس فقط في مشكلة الاراضي بل ويسمح ايضا لبعض اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الي اراضي لا تزال اسرائيلية منذ 1947. كما انه يسمح للاسرائيليين الاحتفاظ ببعض تلك المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والتي انشئت لأسباب يغلب عليها الطابع الامني. ليس واضحا كثيرا انه من الممكن اقامة دولة فلسطينية متماسكة مناطقيا تمتلك اسباب البقاء بوجود مستوطنات اسرائيلية متناثرة كالندبات في وجهها. وشارون لن يقتنع بالانسحاب من تلك المستوطنات، الا اذا شاهد قوات اميركية على الارض قادرة على ضمان الامن الاسرائيلي، ليس فقط من الغزوات الحدودية، بل من أي اعتداءات او انتهاكات. ومن الافضل ان يكون الى جانب القوات الاميركية قوات دولية تنفق عليها الامم المتحدة مع اسرائيل وربما تكون افضل صيغة نشر قوات من الناتو تضم جنودا اتراكا على غرار ما حدث في البلقان. ويمكن للخريطة المقترحة اميركا ان تبنى على اساس ما جاء في مفاوضات طابا يناير 2001 والتي نقلت الدولة الفلسطينية من 93 بالمئة الى 97 بالمئة من مساحات الاراضي التي كانت بحوذة الفلسطينيين عام 1976 سمحت ببقاء 250 الف مستوطن اسرائيلي ويجب ان تظهر الخارطة النطاقات المائية الحالية واستعدادات معامل تحلية المياه فتأمين امدادات المياه للدولتين ضروري جدا مثل الانتشارات العسكرية في باديء الأمر ستكون حركة التجارة والناس بين الدولتين مقيدة جدا وسيتراجع التركيز القديم على الروابط الاقتصادية بين الدولتين الى حين بزوغ الثقة المتبادلة. وهذا يعني أن السعودية والاردن ومصر يجب ان تلعب دورا في بناء اقتصاد الدولة الفلسطينية، واذا استطاع الاميركيون اقناع العرب سيقبل الفلسطينيون بالخارطة المقترحة اميركا. سيقول البعض ان شارون لن يتخلى ابدا عن الخارطة الخاصة به والتي لا تعطي سوى 50 بالمئة من الاراضي المحتلة عام 1967 للفلسطينيين لكنه يعلم ان الوضع الحالي لايمكن ان يدوم على ماهو عليه ولنأخذ مثالين على ذلك تتولى كتيبة مشاه كاملة حماية 300 مستوطن في الخليل. تكبدت اسرائيل 15 قتيلا و34 جريحا في جشيها في الدفاع عن مستوطنة نتساريم في غزة. ان الاسرائيليين لن يستجيبوا للعقوبات الاسرائيلية لكنهم في حال رفضهم لخطة اميركية عادلة ونهائية سيدفعون الاميركيين الى الابتعاد عنهم. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»: