بيان الكتب: يقدم الدبلوماسي السعودي العريق غازي القصيبي في هذا الكتاب بحثاً مهماً حول العلاقة العضوية بين الإعلام والنظام السياسي في الغرب، من خلال استعراضه للحملة الإعلامية الكبيرة التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية بعد أحداث سبتمبر، ويكشف بعمق عن الترتيب المسبق لهذه الحملة من قبل جهات حكومية عالية في الإدارة الأمريكية، لم يرقها موقف المملكة الرافض لضرب أفغانستان أو استخدام القواعد الأمريكية الموجودة في السعودية لذلك. يبدأ الكتاب على شكل قصة توضح حال الدبلوماسي العربي في الغرب، والذي من المفترض أن يكون المسئول عن إيصال رأي وموقف بلاده إلى الإعلام الغربي، فيرى فيه السفير السعودي في الغالب الأعم من الحالات ألا يملك المعلومة التي تجتذب الصحفي، ولا يملك الحق في الإفضاء بها لأحد حين يملكها وإلى أن يملك هذا الحق يكون قد مضى أسبوعان أو ثلاثة على تداول وسائل الإعلام الأخرى هذه المعلومة بالطريقة التي تخدم مصالح من أفصح بها. وفي هذا المجال يركز القصيبي على أهمية ما يسمى بالروابط غير الرسمية التي ينشئها السياسي بالإعلامي، وهو ما استثمره اللوبي الصهيوني بشكل كبير، وهنا يطرح التساؤل عن كيفية اختيار الدول العربية سفراءها في الغرب كأن ترسل إلى باريس سفيرا لا يعرف كلمة فرنسية، أو خريج السوربون إلى عاصمة معادية للفرانكفونية. يرى القصيبي أن الإعلام الغربي مفصل أساسي من مفاصل النظام السياسي الغربي، وهذا يقود إلى العديد من النتائج التي لا يمكن إدراكها بدون إدراك هذه المسلمة. يبدأ السفير السعودي بعد ذلك بالبحث في المكونات الفكرية والنفسية والتاريخية لهذا الإعلام بهدف التعرف على كيفية تصرفه. ويركز على أن نظرة الإعلاميين الغربيين إلى المجتمعات التي لا تسود فيها الليبرالية الديمقراطية تتراوح بين العداء العابر والكراهية العميقة، وهذه الليبرالية الديمقراطية التي انعكست في حرية الصحافة ربما لا يعاني منها أي نظام سياسي عربي بقدر ما يعانيها الساسة الغربيون الذين يقفون إزاءها مكتوفي الأيدي، فالعلاقة بين الساسة والصحفيين في الغرب تقوم على حاجة متبادلة وتعتورها مشاعر متناقضة من الحب والكره، وهذه الحاجة هي التي تجعل من إدارة الإعلام في كل وزارة واحدة من أقوى الإدارات وأهمها. وبالنسبة لصورة الآخر في الصحافة البريطانية يرى القصيبي أن البريطانيين ينظرون للإسلام باعتباره عدواً لا شريكا، وصورة المسلمين في الذهن البريطاني هي صورة المخادعين المراوغين لا الأصدقاء الحقيقيين. وعندما جاءت أحداث سبتمبر، كان الإعلام الغربي، كما يقول التعبير الغربي مستعداً وراغباً وقادراً. وجاءت الحملة الإعلامية الغربية على البعبع المرعب: الأصولية الإسلامية وربيبتها المملكة العربية السعودية. أما في الجانب الآخر فإن الإعلام العربي حسب القصيبي لا يزال يعمل ضمن قواعد عشوائية تضعها السلطة الحاكمة عندما تشاء وتغيرها كما تريد، وما أكثر الخطوط الحمراء التي تحرم هذه السلطات الاقتراب منها تحت مسميات: رئيس الدولة وعائلته وحاشيته وعشيرته والحزب الحاكم والإيديولوجية السائدة وأجهزة الأمن بمختلف أنواعها.. الخ وإذ يعود القصيبي قليلاً إلى الوراء في فترة الثلاثينيات والأربعينيات وبداية الخمسينيات، وهي الفترة التي شهدت ازدهار الرجعية وتفشي الاستعمار، يرى أن هذه المرحلة شهدت بروز صحافة عربية حقيقية تتمتع بقدر كبير من الحرية، إلى أن هبت رياح الانقلابات ولم يعد بالإمكان أن يعلو صوت على صوت الثورة، وتحولت الصحف تدريجياً إلى نشرات حكومية، وفي الصحافة كما في السياسة أصبحت المناصب من حق أهل الولاء لا أهل الكفاءة. ولكن لحظة الحقيقة كانت مع مطلع التسعينيات بسقوط الاتحاد السوفييتي وشعاراته، فتعرى الإعلام العربي بشكل فاضح واضح لم يسبق له مثيل. وبالانتقال إلى مراجعة أسباب الحملة الإعلامية الغربية الأخيرة ضد المملكة العربية السعودية يعود القصيبي إلى السياسة التي اتبعها جورج دبليو بوش منذ توليه مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي دفعت بالمسئولين السعوديين وعلى رأسهم الأمير عبد الله ولي العهد إلى اتخاذ موقف صريح ضد هذه السياسة، عبر عنها برفضه زيارة الولايات المتحدة، وبتوجيه رسالة احتجاج قاسية إلى الرئيس الأمريكي محذراً فيها بأن المملكة من الآن وصاعداً سوف تتخذ القرارات التي تراها في مصلحتها دون أن تأخذ مصالح أمريكا بالاعتبار. وكان رد الرئيس الأمريكي بعد أيام يمثل تغييراً كبيراً في موقف البيت الأبيض، إذ ولأول مرة تصدر عن رئيس أمريكي تصريحات تتحدث عن دولة فلسطينية مستقلة بصراحة ودون تحفظات. وهو ما أثار جنون إسرائيل، ودعاها لتجنيد كل طاقاتها، لا لوأد المبادرة الأمريكية الوليدة فحسب، بل لضرب العلاقة السعودية الأمريكية في الصميم، وهو ما أتيح لها عندما جاءت أحداث نيويورك وواشنطن. يرى القصيبي أن أحداً لا يحتاج إلى ذكاء ليتبين أن اللوبي الصهيوني هو محرك أساسي في الحملة، لكن متابعة الحملة بدقة توحي بأن هناك عناصر فاعلة في الإدارة الأمريكية تشجع الحملة وتؤججها وتغذيها بالوقود. وحسب تحليله يرى القصيبي أن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية هي التي تقف وراء الحملة لأكثر من سبب، وهذه الحملة وجدت صدى لها في الكونجرس، وتعامل الرئيس الأمريكي معها ولسان حاله يقول: لم آمر بها ولم تسؤني. جوهر الموضوع من وجهة النظر الأمريكية هو أن المملكة قامت بعدد من التصرفات غير المقبولة، إذ رفضت أن تسمح باستخدام قواعدها لضرب أفغانستان. ورفضت أن تؤيد هذا الهجوم، لا في السر ولا في العلن، وطالبت أن ينتهي في أسرع وقت ممكن، وبأقل عدد من الضحايا، واستمرت على لسان قادتها تربط بين الإرهاب وأسبابه، وفي مقدمة الأسباب الظلم الواقع على الفلسطينيينس. وبعد ذلك يستعرض القصيبي الأصولية الأمريكية عبر الإشارة على ما يعرف بالمسيحيين المولودين من جديد والذين يؤمنون بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس ويشكلون ما نسبته 41 من مجموع مسيحيي أمريكيا. فهؤلاء يشعرون بتعاطف كبير مع إسرائيل مرجعه اعتقادهم بأن الله في العهد القديم وعد اليهود بأرض فلسطين، والرئيس الأمريكي الحالي واحد من المؤمنين بهذه الدعوة. وبالانتقال إلى الإعلام العربي في الفصل الأخير يرى القصيبي أن النظرة إلى الإعلام العربي بمعزل عن المنظومة السياسية التي يعمل داخلها تقود إلى نتائج أبعد ما تكون عن الصحة، والبحث عن إعلام حر داخل نظام سياسي لا يعرف الحرية كالبحث عن إبرة في كومة قش. وينهي السفير السعودي كتابه بالدعوة إلى الحوار لأن غيابه يقود إلى مزايدة خطرة لا تنتهي إلا بالصدام. فراس كيلاني