يقوم نعوم تشومسكي في هذا الحوار الذي أجري معه، مؤخراً، بتحليل التدخل الأميركي في كولومبيا وسياسة الولايات المتحدة الخاصة بمنح الشهادات للجهات المختلفة بـ «خطة كولومبيا» والقوات شبه العسكرية. و لقد خص اللغوي والفيلسوف العالمي الذي منحته احدى الجامعات مؤخراً دكتوراه فخرية، مجلة «فوس» الكولومبية، بهذه المقابلة. * تمر كولومبيا في صراع مسلح منذ اكثر من نصف مليون قرن، لماذا في رأيك لم يتم وضع حد لهذا الصراع وبلوغ السلام؟ ـ لا ينبغي ان اصف لكم ما حدث في الخمسينيات، ففي تلك المرحلة كان هناك تدخل خارجي من أجل تهميش الزراعة، حيث دمروا صناعة الطحين على سبيل المثال. وكانت كولومبيا في الستينيات مدرجة في جميع الحملات المعادية للثورة التي كانت تطبق في جميع انحاء أميركا اللاتينية. واتخذت ادارة كيندي في عام 1962 قراراً مهماً حين غيرت مهمة جيوش أميركا اللاتينية من الدفاع الخارجي الى الأمن الداخلي، الأمر الذي لا يعني سوى اعلان الحرب ضد السكان أنفسهم.. ولقد شكلت كولومبيا جزءاً من تلك الاستراتيجية، وفي عام 1962 كان لقواتها الخاصة مهمة جديدة غيرت قواعد ومسلكيات الجيش الكولومبي بكاملها. والملفت للنظر في كل ذلك، تمثل في أن العسكريين كان عليهم ان يتحولوا الى قوات شبه عسكرية مارست الارهاب ضد حلفاء للشيوعيين، وهذا تضمن سلسلة واسعة من الاشخاص. ومنذ تلك المرحلة وكولومبيا ضليعة في السياسات المعادية للثورة وانتزاع الثروة. لكن المشكلات الكولومبية الرئيسية لها طابع داخلي. فعلى الرغم من مهاجمة الحركات الشعبية في عدة بلدان أميركية لاتينية، إلا أن هذه الحركات لم تختف مثلما حدث في كولومبيا. وعلى الرغم من أن البرازيل أثقلت بدكتاتورية عسكرية، أسست ونمت في سنوات الستينيات، لكن لديها حركة شعبية كبيرة وقوية جداً، وكان لها وقع كبير في المجتمع. أما في كولومبيا فلقد تم تدمير جميع الخيارات من أجل تغيير النظام الذي يقوده ملاك الأراضي وحكم الأقلية، حيث من الطبيعي أن يلعب التدخل الخارجي دوراً كبيراً، لكن المشكلة الأساسية تبقى داخلية. * تحولت الحكومة الأميركية إلى وكالة تمنح شهادات. ولقد أعطيت احدى هذه الشهادات للقوات المسلحة الكولومبية، على الرغم من وجود سلسلة إدانات حول انتهاكات لحقوق الانسان، وذلك كي تتمكن هذه القوات من محاربة التمرد. كيف تحلل هذا الوضع؟ ـ يوجد في مادة حقوق الانسان والمصادقة عليها بعض التغييرات، بيد ان تأثيراتها ما زالت ضئيلة لكنها مهمة كقوة كامنة. وحتى الساعة، ليس هناك أي شيء خارجي يوقف سطوة القوة بالنسبة للولايات المتحدة، لكن هذا موجود على الصعيد الداخلي. فالمجتمع الأميركي قد تغير في السنوات الأربعين الأخيرة. وهناك الآن معارضة أشد بكثير للجوء الى استخدام القوة والعدوان حيث فرض الكونجرس الأميركي تحت ضغط شعبي، شروطاً كثيرة للشهادات، بخاصة في موضوع حقوق الانسان. وعلى البيت الأبيض أن يرجع الى المنظمات الرئيسية لحقوق الانسان التي تقدم له تقريراً مفصلاً حول هذه الحقوق، وحول المقترحات الخاصة في ذلك عندما يتم تناول المساعدات العسكرية. ولقد قاموا بذلك قبل وقت قصير وقدموا تقريراً مفصلاً. وفي حالة كولومبيا كان النقد لاذعاً، بحيث لم يتمكن كلينتون من تقديم المساعدة وكان عليه اصدار أمر رئاسي لتجاوز حواجز حقوق الانسان التي فرضها عليه الكونجرس. وفي جميع الحالات، كانت المساعدة التي أقرها كلينتون غير قانونية. مما يعني ان الدور سيأتي على بوش ليقوم بأي حيلة ليتمكن من جعل هذه المساعدة أمراً واقعياً، ذلك انه لا يملك صلاحية فعل ذلك كما كان في السابق. * ألا يمارس بوش فعلياً تلك الحيلة بإرساله للمساعدات؟ ـ نعم، هذا مؤكد. لكن مسألة ان الدور سيأتي عليه للجوء الى تلك الحيل تعني انه سيهاجم مباشرة من قبل الحركات الشعبية، وإذن سيكون عليه ابتكار ذرائع أخرى وهذه ستكون أشد صعوبة عليه. وسوف أعطيك مثالاً ملموساً وحديثاً جداً، هو تيمور الشرقية فضلاً من أن غالبية القطاعات ارتكبت في حضور كارتر الذي كان بإمكانه في تلك اللحظة ان يتحدث عن حقوق الانسان. لكن لم تكن هناك الحركة الكافية على المستوى الداخلي للحيلولة دون تلك التطورات. وبالنسبة لشهر سبتمبر 1999 عندما ارتكبت أعدادا هائلة من الفظاعات، واصلت الولايات المتحدة وبريطانيا دعمها لتلك الفظاعات. لكن الولايات المتحدة كانت مضطرة لإرجاء مساعدتها للعسكريين في اندونيسيا بفضل وسائل الاعلام. و خلال أقل من 48 ساعة انسحب عسكريو اندونيسيا من تيمور الشرقية. * إذن تبرهن الشهادة التي قدمتها الولايات المتحدة للعسكريين الكولومبيين على أن الضغط الشعبي الداخلي في أميركا الشمالية ليس قوياً بشكل كاف. ـ ليس كذلك حتى الآن. مع انه أشد مما كان عليه في عهد كلينتون. لأن كلينتون كانت لديه صلاحية تجاوز قرار الكونجرس. لكن بوش لا يملك هذه الصلاحية. فالتفاعلات مع حركات المعارضة تسير باتجاه الأمام عن طريق التعليم والتنظيم الداخلي للولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يضع حدوداً لتلك السياسات، وأحياناً تنهيها كما حدث في تيمور. * إذا كان هناك شيء قد أثر في الواقع الكولومبي، فهو «خطة كولومبيا». بالنسبة لكيم ما هي «خطة كولومبيا» وإلام تصبو؟ ـ إنها خطوة للتأكيد على أن كولومبيا تشكل جزءاً من النظام «النيوليبرالي» إذ أنها تقصي أي حالة معارضة أو تحول دون ان تنتمي كولومبيا الى النظام النيوليبرالي. أي انها شيء مشابه للحرب في أميركا الوسطى في الثمانينيات. انظروا الى كتابات «مدرسة الأميركيتين» الشهيرة، فلقد دربت عسكريين كولومبيين أكثر من أي بلد آخر. وفي هذه الحالة، فإن العذر هو المخدرات، لكن الهدف هو تحجيم أية مبادرة تتضمن تطوراً اجتماعياً واقتصادياً. وفي حالات أخرى مثل كوبا وجواتيمالا يحدث الأمر نفسه. * أصبحنا نعيش في عالم أحادي القطب وهناك من يؤكد انه اعتباراً من الحادي عشر من سبتمبر أضحى العالم مختلفاً. ما هي وجهة النظر التي تستحقها هذه البانوراما؟ ـ في كل مرة نفتح فيها الصحيفة، فإن الصورة التي تنعكس هي أن الحادي عشر من سبتمبر قد غير العالم الى الأبد. وأنا لا أتفق مع ذلك. فمع انه أظهر اختلافات ما، بيد ان هذه الاختلافات تبقى تكتيكية بشكل أساسي. وما قدمه ما هو إلا فرصة لحكومات الكثير من البلدان من أجل توسيع نشاطاتها القمعية بحجة الحرب ضد الارهاب. وهذا ما يحدث فعلياً على امتداد العالم بكامله. والشيء ذاته يحدث داخل الولايات المتحدة. ونحن نتذكر ان الحرب ضد الارهاب التي أعلنها بوش هي ثاني حرب ضد الارهاب. فلقد تم الاعلان عن الأولى قبل عشرين عاماً خلت، وهذا يعني ان الحرب ضد الارهاب ليست جديدة. وانها تقوم على المؤسسات ذاتها والناس انفسهم والأهداف نفسها التي قامت عليها الحرب الأولى ضد الارهاب حيث من الممكن انتظار العواقب ذاتها والتي بدأنا نشاهدها فعلاً في غير مكان من العالم. * في كتابك «السلطة والأيديولوجية»، تقوم بتحليل عمليات تدخل الولايات المتحدة في بلدان أميركا اللاتينية وتصف الديمقراطية في أميركا الشمالية بأنها دفاع عن مصالح الولايات المتحدة. بالاتفاق مع هذه المسلمات، هل من الممكن ان يحدث تدخلاً مباشراً من قبل الولايات المتحدة في كولومبيا؟ ـ لا، هذا ليس ممكناً حيث يتمثل السبب في الحواجز الداخلية في الولايات المتحدة ذاتها. وهذا كان ممكناً قبل أربعين عاماً خلت. لكنه الآن يجب ان يحدث بطريقة مغايرة. وهو أمر معترف به فعلياً من قبل حكومة الولايات المتحدة. وعندما دخلت ادارة بوش الأولى الى سدة الحكم في عام 1989. أجرت تحليلاً استخباراتياً على الصعيد الدولي، وكل إدارة جديدة تقوم بذلك. ولقد تسرب جزء يسير من ذلك التحليل إلى وسائل الاعلام التي نشرت بشكل ملتبس كلمتين فقط، لكن على الرغم من محدودية حجم المعلومات الذي رشح، إلا انه كان مهماً جداً، لأن الناس الذين سربوها عرفوا انها كانت مهمة. فلقد قيل انه في حالة المواجهة مع العدو الذي أضحى أكثر ضعفاً، ينبغي على الولايات المتحدة كسب المواجهة بطريقة سريعة وحاسمة لأنه في أي حالة أخرى من الممكن ان تخسر دعم الرأي العام. وهذا يعني طبعاً وبشكل ضمني ان المواجهات إذن سوف تكون مع أعداء أكثر ضعفاً. الأمر الذي يفهم منه أن الولايات المتحدة لا تملك الإمكانية ذاتها من الحرية كي تتصرف كما في السابق. ومن هنا يأتي اللجوء الى استخدام تكتيكات كتلك التي يلجأون إليها في كولومبيا. * لقد أشرت الى ظاهرة القوات شبه العسكرية في الصراعات كعميل مفترض من قبل الولايات المتحدة. كيف تفسر وجود هذه الظاهرة في كولومبيا وفي الصراعات الأميركية اللاتينية؟ ـ ظاهرة القوات شبه العسكرية ليست حكراً على أميركا اللاتينية، فهي ظاهرة عالمية. إذ أن بعض أسوأ الفظاعات التي حدثت في اندونيسيا ارتكبتها ميليشيات كانت بشكل أساسي شبه عسكرية ويقودها عسكريون أكدوا ان لا علم لهم بها. وفي حرب بلدان البلقان أيضاً، حدث الأمر ذاته حيث ارتكبت الكثير من الفظاعات على يد القوات شبه العسكرية. وحينها قالت حكومة صربيا انها ليس لديها فكرة حول ذلك، تلك هي الحقيقة وذلك هو كل تاريخ الامبريالية. فلقد قامت بريطانيا العظمى بتسيير الهند بجنود هنود «الجورخا» على سبيل المثال الذين كانوا ينتمون الى قبائل الجبال والذين دربوا من أجل الدفاع عن مصالح بريطانيا العظمى في الهند. وهذا تكتيك طبيعي جداً لأنه يسمح للمجتمعات بتطبيق الارهاب ويهاجم السكان الذين تريد الحكومة قمعهم أو التخلص منهم وذلك بدون ان تتورط الحكومة عسكرياً بشكل ظاهر. ولننظر الى كولومبيا في السنوات العشر الأخيرة ونشاهد توزع الفظاعات الارهابية، وسوف نجد ان تلك التي تعزى الى العسكريين وشبه العسكريين ثابتة جدا، فهي تشكل تقريباً 80% من العدد الاجمالي، لكنها كانت كلها تقريباً قبل عشر سنوات ذات منشأ عسكري صرف، فالعسكريون اليوم يهبطون وشبه العسكريين يصعدون. لكن الحصيلة النهائية تبقى هي ذاتها عموما. وأنا على يقين ان العلاقات والروابط بين العكسريين وشبه العسكريين وثيقة جداً. لكن بالنسبة للحكومة الكولومبية يبدو التأثير في الدعاية أفضل بكثير. بطريقة يستطيعون من خلالها سؤال الولايات المتحدة عن المساعدة ويقولون لها: انظري نحن لا نرتكب الفظاعات، انظري هؤلاء الارهابيون هم من يقومون بذلك! ولقد جاء لسان حال رد فعل الشعب الاميركي والكونغرس معاً ليقول: انظروا، انه الشيء نفسه، لكن الادانة أسهل مما عندما يقوم العسكريون بقتل الناس بصورة مباشرة، فهذا يتم اثباته من خلال التاريخ. باسل أبوحمدة عن «فوس ـ كولومبيا»