باستثناء جائزتي لجنة التحكيم اللتين منحتا للمخرج الفنلندي المتميّز آكي كاورسماكي عن فيلمه رجل بلا ماضٍ وإلى المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، عن فيلمه يد إلهية، تدفعنا قرارات لجنة التحكيم الدولية التي ترأسها المخرج الأمريكي ديفيد لينتش إلى التساؤل عما إذا كانت اللجنة شاهدت جميع الأفلام التي تضمنها برنامج المسابقة الرسمية للمهرجان والتي ضمت 22 فيلماً من 15 بلداً من بينها فلسطين للمرة الأولى في تاريخ المهرجانات الكبرى. وواضح أن تساؤلنا هذا هو من قبيل التحريض والاستفزاز، إذ من المنطقي والمؤكد أن اللجنة شاهدت جميع الأفلام وبإمكاننا أن نشهد على ذلك لأننا رأينا أعضاءها في عروض أفلام المسابقة في صالة لوميير الكبرى في جميع صباحات المهرجان، إلاّ أن تساؤلنا هذا نابع عن الطريقة التي قسّمت فيها اللجنة كعكة الجوائز، وبالذات الجوائز الكبرى، وهو تقسيم لا يمكن إلاّ أن يقرأ قراءتين أولاهما سياسية والأخرى اعتبارية. كيف ذلك؟ فبعد 12 يوماً من الانغماس الشامل في بحر السينما سجلّ مهرجان كان لنفسه سابقة جديدة بعرض فيلم يد إلهية للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان ـ الناصرة 1960 والذي حقق حضوراً رائعاً ونال استحسان الجمهور والنقاد وتسيّد ما بعد عرضه على جميع التوقعات التي كان الصحفيون الحاضرون إلى المهرجان يدلون بها في استقصاءات الرأي المختلفة التي كانت تنشر في الصحافة السينمائية المتواجدة في المهرجان. ووصل الأمر إلى حد التساؤل عما إذا كان مهرجان كان سيسجل في تاريخه سابقة أخرى إضافة إلى عرض فيلم إيليا سليمان في المسابقة الرسمية أي منح السعفة الذهبية إلى مخرج من دولة لم يعلن قيامها بعد، أي دولة فلسطين التي تحاول أمم وقوى وتتجاذب فيما بينها من أجل ميلادها أو حتى إجهاضها ولم تكن نتيجة من هذا النوع لتثير أي غبار أو فضيحة على الإطلاق خاصة وأن إيليا سليمان أكد بفيلمه الروائي الثاني ـ الأول كان بعنوان سجل اختفاء وحقق حضوراً جيداً في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في عام 1996 كونه مخرجاً ذا شخصية متميّزة وبصيرة سينمائية وقدرة عالية على السخرية والحرية في آن. لكن هل كانت لجنة التحكيم الدولية تمتلك الشجاعة على اتخاذ خطوة من هذا القبيل خاصة وأن المسابقة كانت تضم من بين أفلامها عملاً للمخرج الإسرائيلي عاموس جيتاي بعنوان كدمة أو صوب الشرق لكن دون أن يكون الفيلم بمستوى أفلام هذا المخرج التقدمي السابقة أو بمستوى التنافس مع الأفلام الأخرى ولم يكن بالإمكان في أي حال من الأحوال منح جائزة سياسية لكلا الفيلمين الفلسطيني والإسرائيلي لسبب بسيط وهو أن الفيلم الفلسطيني الذي أنجزه إيليا سليمان كان يتنافس على الجائزة كعمل إبداعي متكامل الشروط والحظوظ. وجاء فيلم عازف البيانو للمخرج الفرنسي الجنسية البولندي الأصل كطوق النجاة للجنة التحكيم الدولية فمنحت جائزة السعفة الذهبية إليه. وهذا ما يطرح التساؤل الأساسي الذي طرحناه في البداية وهي «أية أفلام شاهدت اللجنة لتسقط من اعتبارها أعمالاً رائعة كاللذين أنجزهما البريطانيان الكبيران كين لوتش أيام المراهقة العذبة و مايك لي كل شئ أو لا شيء والإيطالي ماركو بيللوكيو إبتسامة أمي . يروي فيلم عازف البيانو قصة واقعية كتبت عن حياة عازف البيانو البولندي اليهودي فلاديسلاف شبيلمان إبان زحف القوات النازية على العاصمة البولندية وارسو واحتلالها وتعريض أهلها إلى الملاحقة والقتل إضافة إلى حصار غيتو وارسو وملاحقة وترحيل سكانها من اليهود. الفيلم منجز بتقنيات عالية جداً وبميزانية ضخمة واستغرق العمل فيه شهوراً طويلة، إلاّ أنه لا يرقى إلى مستوى العمل الكبير ذلك أنه أشبه ما يكون بوسائل إيضاح لما عاناه اليهود إبان النازية. وربما كانت الفضيلة الأساسية لهذا الفيلم هو أن عرضه وفوزه بالجائزة جاء بمثابة صفعة إلى المؤتمر اليهودي في الولايات المتحدة الذي كان طالب السينمائيين اليهود الأميركان وغيرهم وكانوا كثيرين في هذه الدورة من المهرجان بالانسحاب منه بدعوى سيادة التيارات اليمينية في فرنسا وهو ما رد عليه المخرجون الفرنسيون اضافة الى وودي ألين باعتبار ما ذهب إليه المؤتمر اليهودي في الولايات المتحدة إن هو إلاّ محض هراء. لكن هذه الرسالة السياسية التي أكدها فيلم عازف البيانو لا تمنحه، برأيي، أحقية الفوز بسعفة كان الذهبية. ما هو جديد بالفعل في هذا الفيلم هو يد المصالحة التي يمدها رومان بولانسكي اليهودي إلى ألمانيا وإلى جزء من الذين انساقوا وراء النازية إبان صعودها وتفجيرها الحرب العالمية الثانية وذلك من خلال مشهدين في الفيلم أولهما عندما يكتشف ضابط نازي شاب الموسيقار في مخبئه ويطلب منه أن يعزف له مقطوعة موسيقية، ومن قبيل المصادفة، أو الضرورة السينمائية المضحكة قليلاً وجود آلة بيانو صالحة للاستعمال وسط الركام والدمار، فيقوم الموسيقي بعزف مقطوعته، ممّا يثير إعجاب الضابط النازي فيعفو عنه ولا يقتله أو يسلّمه إلى جنوده، لا بل يسعى إلى تزويده بالطعام والكساء عندما يتحول المكان إلى مقر للقيادة الألمانية. وبطبيعة الحال يحاول الضابط الحصول على المقابل عندما يقع في الأسر، لكن الموسيقي الذي يبحث عنه بعد انتهاء الحرب لا يعثر عليه ليرد له الجميل وقد ارتسم على سحنته أسف وأسى كبيرين. فهل يعني أن مرحلة المصالحة بين اليهود وبقايا النازية قد بدأت؟ سؤال قد يتم الرد عليه في المستقبل. جائزتا التمثيل النسائية والرجالية جاءتا هما أيضاً بدورهما مثيرتين للجدل والنقاش ففيما كان ممثلان بريطانيان وآخر إيطالي وفنلندي وأميركيان يبدون أقرب إلى الجائزة والتنافس بينهم كان شديداً فقد منحت الجائزة إلى الفرنسي أوليفييه غورميه عن دوره الصعب في فيلم الإبن من إخراج الثنائي البلجيكي جان بيير ولوك داردينييه اللذين سبق وأن فازا في العام 1999بسعفة كان الذهبية عن فيلمهما روزيتّا . وكان الإيطالي سيرجو كاستيلليتو عن دوره في فيلم إبتسامة أمي لماركو بيللوكيو وماركو بيلوتا عن دوره في فيلم رجل بلا ماض للفنلندي آكي كاورسماكي والبريطانيان الشاب مارتين كومبستون عن دوره ليام في فيلم أيام المراهقة العذبة للبريطاني كين لوتش و تيموثي سبال عن دوره فيل في فيلم كل شئ أو لا شئ للبريطاني المخضرم مايك لي أكثر استحقاقاً بالجائزة أو الممثل الأمريكي آدم ساندلر عن دوره في فيلم الحب الثمل من إخراج بول توماس آندرسن. دون تناسي الأداء الكبير والرائع الذي جاء من قبل النجم العالمي الكبير جاك نيكلسن عن دوره في فيلم عن شميت من إخراج ألكسندر باين. ولئن جاءت الجائزة لغورمييه دون إثارة أية مفاجأة فإن جائزة التمثيل النسائية التي منحت إلى كيتي أوتينين جاءت خارج أية توقعات لأنها منحت إلى ممثلة أدت دوراً في غاية الاعتيادية. وعلى الرغم من قلة الأدوار النسائية الكبيرة في دورة مهرجان كان الأخيرة، فإن أداء الممثلة البريطانية ليسلي مانفيل عن دورها بينّي في فيلم كل شئ أو لا شئ لمايك لي. جائزة لجنة التحكيم الكبرى التي منحت إلى آكي كاورسماكي عن فيلمه رجل بلا ماض جاءت مستحقة فيما كانت جائزة الإخراج التي منحت مناصفة إلى الأمريكي بول توماس آندرسن وإلى الكوري إم كوون - تايك بعيداً عن أي جدل فقد قدّم المخرجان عملين متميّزين وجميلين، كذلك لم تكن جائزة العمل الوثائقي التي منحت إلى مايكل مور عن فيلمه بولينغ فور كولومبين . لئن شكل عرض الشريط الروائي الثاني لإيليا سليمان مفاجأة سعيدة للسينما العربية، فإن حضور الأعمال العربية في هذه الدورة من المهرجان حقق انعطافاً إيجابياً من خلال الأعمال السينمائية العربية الستة التي عرضت في برامج المهرجان والأعمال الأخرى التي عرضت على هامشه وفي سوق الفيلم مثل فيلم الستار الأحمر للمخرجة التونسية الشابة رجاء عمّاري وهو من بطولة النجمة الفلسطينية هيام عبّاس وإنتاج درّة بوشوشة وفيلم بطاقة إلى القدس من إخراج المخرج الفلسطيني المعروف رشيد مشهراوي. وأكدت هذه الأعمال جميعها على أمور عديدة من أهمها أن المبدعين العرب قادرون على إنجاز الأعمال السينمائية الجيدة فيما لو توفّرت لهم الامكانيات الانتاجية والتسويقية المناسبة، ولم يمر أي من الأفلام العربية التي عرضت في المهرجان مرور الكرام وقد أثارت جميعها نقاشات وجدلاً واستحساناً ونقداً واعتراضات أيضاً، على العكس من كثير من الأعمال الأوروبية التي لم يشكل عرضها لجمهور المهرجان وللسينما أيضاً أية إضافة تذكر، ما يبعث على الحبور أن بإمكاننا، ولو لمرة واحدة نأمل أن تتكرر أن نقول: «لقد كنا هنا وتركنا أثراً ... وأثرنا نقاشات» وتصبح هذه الحالة بحد ذاتها دعوة، بل مطالبة ملحة، ووطنية وقومية، إذا صح التعبير، في أن ينتبه المسئولون عن السينما والثقافة العربيتين إلى ضرورة شحذ الطاقات وحشدها من أجل إنتاجات متواصلة وحضور مستمر في المحافل السينمائية العالمية، ويكفي أن يدرك المسئولون الحكوميون العرب عن الثقافة العربية في أن دقيقة سينما تعرض على الجمهور أكثر تأثيراً وحضوراً و... إعلاماً من عشرات الخطابات التي تصفعنا بها كل يوم على شاشات التلفزيونات العربية. عرفان رشيد