هناك هرمونات في اللحوم التي نتناولها، ومبيدات حشرية في الفواكه ونيترات في الانهار، وموّرثات معدلة في منتجاتنا من الذرة. ماذا سيكون بعد ذلك؟ في الواقع ان الغذاء الذي نتناوله في صحوننا لم يكن أبداً مبعث قلق كبير كما هي الحال عليه الآن. وفي الوقت نفسه، هناك علامات على وجود مشكلات اكثر عمقا في كل ما يحيط بنا. فقطع الأراضي الزراعية الاختبارية ـ التي كانت تصنف في يوم من الأيام بأنها من اكثر القطع اثارة للملل في الأرض الريفية ـ تعتبر الآن ساحات لمعارك ضارية بين الشركات الزراعية العملاقة والمعارضين للمحاصيل المعدلة وراثياً. وفي غضون ذلك، ينسحب المزارعون البريطانيون بالعشرات من ممارسة النشاط الزراعي، خاصة بعد تفشي مرض الحمى القلاعية في العام الماضي. ومن جهة اخرى، فإن عدد سكان العالم يواصل ارتفاعه. وعلى الرغم من ظهور الزراعة التي تستخدم التقنيات المتقدمة، الا ان 800 مليون شخص لا يحصلون على ما يكفيهم من الغذاء. صحيح ان هذا يعود في اغلب الاحيان الى عدم توفر الاموال اللازمة لشراء الغذاء، فالعالم ينتج في الواقع ما يكفي الجميع، على الاقل في الوقت الراهن. لكن عدد سكان العالم سيبلغ بحلول عام 2050 ما يربو على التسعة مليارات نسمة، أي بزيادة ثلاثة مليارات عن عددهم اليوم. وايجاد الغذاء لجميع اولئك الناس سيستنفد عبقرية المزارعين والباحثين على حد سواء. ومع ذلك، فإن الاحواض المائية النفيسة التي توفر مياه الري لبعض من اخصب الاراضي الزراعية في العالم تتعرض بالفعل الى الجفاف أو الى الامتلاء بماء البحر، كما ان الارض الصالحة للزراعة في الصين تتعرض للتعرية مفسحة المجال لتكون عواصف رملية قوية صبغت لحظات غروب الشمس باللون الأحمر في مناطق نائية تصل الى أميركا الشمالية. من الواضح انه قد آن الأوان لكي نعيد التفكير بالغذاء الذي نتناوله وبمصدره. فإطعام تسعة مليارات نسمة سيحتاج الى ما هو اكثر من الممارسات الزراعية القديمة نفسها، خاصة اذا كنا نريد ان نقوم بذلك بدون ان نضطر الى قطع الغابات المطيرة وزراعة كل شبر تبقى من اراضي المروج. ويقول كينيث كاسمان، وهو عالم متخصص بالزراعة في جامعة نبراسكا في لنكوان: «يجب ان تصبح الزراعة الحل للمشكلات البيئية في غضون 50 عاما واذا لم تكن لدينا انظمة تجعل البيئة افضل فاننا سنكون حينها في مأزقاً. وقد تم ترديد وجهة النظر هذه في يناير من قبل تقرير كوري وهو لجنة حكومية قامت باستطلاع مستقبل الزراعة والغذاء في بريطانيا. من السهل القول انه يتعين على الزراعة ان تحسن من ادائها ولكن السؤال هنا هو: كيف ستبدو عليه هذه الزراعة الصديقة للبيئة في المستقبل؟ ان المستهلكين القلقين لايصلون الى جواب مفيد عن هذا السؤال، ويواجهون مايبدو وكأنه انقسام ايديولوجي يتسع نطاقه باستمرار فمن جهة يقف المتفائلون بالتقنية الذين يضعون ايمانهم بالمحاصيل المعدلة وراثيا والكيماويات الزراعية المحسنة والآلات المعززة بالكمبيوتر ومن جهة اخرى يقف انصار الزراعة العضوية الذين يرفضون الكيماويات الصناعية ويتبنون اساليب العودة الى الطبيعة مثل عمليات التسميد الطبيعية ويستشهد الطرفان بالعلم المنطقي لدعم حججها التي تصل الى المستوى الاخلاقي ويوظفان ما يكفي من العاطفة في هذا الجدل الذي يجعل الكثيرين يعتقدون انهم يواجهون اختيارا صعبا بين خيارين متعارضين.. ولكن قد لا تكون هذه هي الحال بالضرورة فاذا ما ازلت الغمامات الايديولوجية، وسألت نفسك كيف يمكن للعالم ان ينتج الغذاء الذي يحتاجه بأقل الخسائر البيئية؟ فانك ستجد بان خيارا ثالثا قد انفتح امامك والشيء الاساسي في هذه العملية هو الاستمرارية والبقاء فأي شيء نقوم به ينبغي ان لايدمر الرصيد الذي نحتاجه من التربة والماء لمواصلة الانتاج وعلى غرار الزراعة العضوية الحالية، يتعين على الزراعة الذكية في المستقبل ان تولي اهتماما اكبر بصحة تربتها والنظام البيئي الذي هي جزء منه ولكن يتعين على الزراعة الذكية ايضا ان تستغل السماد الكيماوي والمبيدات الحشرية بصورة ذكية وملائمة للبيئة المحلية والمكون الاساسي في هذا النمط الجديد من الزراعة لايتمثل في المواد الكيماوية وانما في المعلومات حول ما يحدث في كل حقل وكيفية الاستجابة له غير انه وعلى نحو يثير المفارقة فان هذا العنصر الاساسي قد يكون هو الاكثر تعرضا للاهمال اليوم. من الواضح ان الزراعة العضوية تتمتع بجميع المشاعر الحارة والضبابية الى جانبها وهذا النوع من الزراعة يتجنب الكيماويات الصناعية، الامر الذي يجعله غير مؤذ للارض وللمياه كما ان تركيزه على تعزيز الانظمة البيئية يبدو جيدا للجميع. وقد تفسر هذه الافتراضات السهلة تزايد مبيعات الاغذية العضوية في جميع انحاء اوروبا بمعدل 50% في السنة على الاقل. ويبدو التحول الى الزراعة العضوية خيارا رومانسيا ولكنه خيار سخيف ايضا فالزراعة العضوية لها نصيبها من الخسائر البيئية والتي يمكن ان تكون اسوأ من خسائر الزراعة التقليدية خاصة اذا كانت ستتحول الى الزراعة المتبعة في العالم. ضرار عمير