بيان الكتب: تدلنا مذكرات «جرجي زيدان» الخاصة، على طراز من الرجال، ندر ان تقع العين من مثله على كثير، فكثير من الناس، وبخاصة من بلغوا شيئاً في الحياة، يتنكرون لماضيهم، بل يستحون ان يذكر هذا الماضي، ويحاولون طمسه. لكن «جرجي زيدان» كان غير ذلك، لقد كان ابوه صاحب مطعم متواضع في بيروت، وقد جمع الى الفقر الامية في العلم، واضطر «جرجي» ان يترك المدرسة ليساعد أباه. غير ان هذا المطعم كان نعمة على الغلام «جرجي» فيما بعد، فقد التقى في هذا المطعم باليازجي، وعبدالله البستاني وغيرهما، واستمع الى احاديثهم ومناقشاتهم، وفيه التقى بطلبة الطب في الكلية الاميركية، وقد اثاروا حماسته لطلب العلم، ولا شك انهم هم الذين دلوه على طريق الدخول في مدرسة الطب، فدرس العلوم الاعدادية التي تؤهله للالتحاق بقسم الطب في الكلية سنة 1881. ولقد كان لهذا المطعم اثر آخر في اهتمامات «جرجي زيدان» التي تجلت بعد هذا في اطلاعاته الواسعة على حفنة من اللغات الاجنبية. وبذلك فقد كان الحافز الى التعلم عند «جرجي زيدان» شخصياً، وقد اتجه الى دراسة الصيدلة بدلاً من الطب، فنال شهادة الصيدلة، ولكنه حين ذهب الى مصر اشتغل بالعلم وبالصحافة، ورافق الحملة النيلية الى «السودان» مترجماً وحين عاد الى «بيروت» كانت شهرته قد سبقته اليها، ولكنه عاد الى مصر ثانية ليتولى ادارة مجلة «المقتطف» ولكنه آثر بعد ذلك ان يستقيل، حيث تفرغ للكتابة والتأليف، ولم يكن «تاريخ مصر الحديث» اول كتاب الفه «جرجي زيدان» سبقته مجموعة من الكتب، لعل اولها كان «الفلسفة اللغوية» الذي ظهر سنة 1885، اما اولى رواياته التاريخية فهي رواية «المملوك الشارد» التي أتمها سنة 1890، والتي تصور عصر «محمد علي باشا» ادق تصوير، اما كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية» فهو آخر كتاب علمي ادبي صنعه، فما كاد ان ينتهي من الجزء الرابع في صيف سنة 1914، حتى ادركته منيته في شهر سبتمبر من العام نفسه، اما اول جزء من هذا الكتاب فقد صدر في صيف سنة 1911. يعد كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» رائداً في التأليف في تاريخ الادب العربي، على نهج لم يسبق اليه، ومن هنا كان الاهتمام بهذا الكتاب. وتتجلى الروح العربية الخالصة في مؤلفات «جرجي زيدان» بعامة، وفي «تاريخ آداب اللغة العربية» بخاصة، فهو يدافع عن العرب في كل موقف، ويضعهم من حيث الثقافة والعقلية في مستوى لا يقل عن مستوى الامم ذات الحضارة القديمة كاليونان والرومان. يقف المؤلف في كتابه عند كل علم من علوم العرب وقفة طويلة متأنية، يتابع فيها نشأته وتطوره، ويراقب نموه ونضجه وانحلاله او ازدهاره، فعل ذلك في الشعر الجاهلي، وفي العلوم الطبيعية والرياضية في العصر الجاهلي، وفي الخطابة في الجاهلية وصدر الاسلام، وفعل مثل ذلك واكثر منه في العصر الاموي والعباسي والمغولي والعثماني والعصر الحديث. ففي النحو مثلاً: نراه يتحدث عن نشأته واول من علله، واول من ضبط قواعده والف فيه، ومذهب البصريين والكوفيين، وكل هذا في معرض الحديث عن النحو في العصر العباسي الاول. فاذا بلغ العصر العباسي الثاني عالج موضوعات النحو والنحاة معالجة ملائمة، حتى اذا ما وصل الى العصر العباسي الثالث، تناول موضوع النحو والنحاة على ضوء ما تطور من دراسته، مع بيان ما حدث من تخلف او توقف او ابتكار، وهكذا يمضي في بقية العصور حتى العصر الحديث وهكذا يتناول الرجل كل علم، وكل موضوع في كل عصر من عصور الامة العربية، فيلقي عليه من الاضواء، ما يكشف عن حقيقته ونموه او تخلفه ولا يرضى «جرجي زيدان» بذلك، بل يقف عند رجال هذا الموضوع، او اعلام هذا الفن، فيترجم لكل واحد منهم ترجمة قد تقتصر على بعض السطور، وقد تطول الى بضع صفحات. ولا يكتفي بالمصادر العربية، بل يضيف اليها المصادر الاجنبية، وهو متابع لأحدث الكتب في وقته. وتعد تعريفات «جرجي زيدان» بالكتب التي خلفها الفكر العربي الاسلامي على مر العصور، حتى عصرنا الحديث الذي ظهر فيه كتابه، ادق واوجز تقويم لهذه الثروة الطائلة من انتاج الثقافة العربية والعقلية الاسلامية، وهذا التعريف يعد مرآة صادقة وصافية لتطور الحياة الفكرية عند العرب كما يعد مقياسا دقيقاً لهذا التراث الضخم. إعداد ـ محمد سطام الفهد