ولد الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس في مدينة «إراكليون» بجزيرة كريت سنة 1883، وكريت أشهر جزر اليونان حيث مركز الحضارة المينوية القديمة. وكازانتزاكيس واحد من أكثر الكتاب اليونانيين أهمية، شاعر وفيلسوف وروائي، وكاتب مسرحي حاول أن يستكنه طبيعة الإنسان الغربي، مازجا ما بين التشاؤم والبدائية والواقعية، كما ترجم بعض الآثار الكلاسيكية الغربية إلى اللغة اليونانية. أشهر أعماله رواية «زوربا اليوناني» التي نشرها سنة 1946 وتحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة الفنان انطوني كوين. تخرج كازانتزاكيس من مدرسة القانون في أثينا عاصمة اليونان ثم تابع دراساته في باريس ما بين 1907 ـ 1909، وخلال حرب البلقان تطوع في الجيش اليوناني، وبعدها زار عدة أقطار اوربية وآسيوية وأفريقية كاسبانيا وبريطانيا والصين والهند ومصر. يعتبر كازانتزاكيس فيلسوفا أكثر منه كاتبا، وتأثر بعمق بالمسيحية والماركسية والبوذية، وحاول جاهدا الجمع بين هذه الرؤى العالمية، كما كان متأثرا بشكل خاص بالفيلسوف الألماني نيتشة، وفي سنة 1927 أصدر الكتاب الرئيسي الشامل لفلسفته «آسكي تيكي». كما أصدر سنة 1938 وبعد مراجعات طويلة استمرت 13 سنة ملحمته الشعرية «الأوديسة - تكملة حديثة» وهي تكملة لملحمة هوميروس، ذلك العمل الشعري الضخم الذي ضم 33333 بيتا من الشعر، وتعتبر الأوديسة والإلياذة من أشهر ملاحم الحضارة الإغريقية القديمة التي سادت ثم بادت على أرض اليونان. أصدر عدة مؤلفات كانت مثارا للجدل منها كتابه «الإغراء الأخير للمسيح» الذي أصدره سنة 1951 وجلب عليه ردود فعل غاضبة من كلتا الكنيستين الرومانية الكاثوليكية التي منعت الكتاب، والكنيسة اليونانية الارثوذوكسية التي حرّمته. كما أصدر كتبا أخرى لاقت رواجا منها «الحرية والموت» ، «العاطفة الإغريقية» ، وسيرة الكاتب «كريكو». منح في فيينا سنة 1956 جائزة السلام الدولية، وتوفى كازانتزاكيس في المانيا سنة 1957 ودفن في صرح حصن فينيسي يحيط بمدينة اراكليون. قابلته لأول مرة في «بيريه» ، حيث ذهبت لأستقل مركبا إلى «كريت» ، وكان الوقت فجرا، وريح عاتية تقذف برشاش الأمواج على المقهى الصغيرالذي أغُلقت أبوابه الزجاجية وامتلأ جوه برائحة الخمر والتبغ وأنفاس الآدميين. هكذا تبدأ أحداث الرواية. حين سمع أحد البحارة يردد ساخطا: قبح الله هذه الحياة ! إنها سجن مؤبد. كان أحد الرجال ينظر من خلال النافذة إلى الميناء الذي بدأ يستيقظ قبل أن يتذكر صديقه العزيز الذي ودعه في هذا الميناء في ليلة مظلمة مطيرة كهذه الليلة، ثم ردد: ما أمّر فراق الأصدقاء. وحينها طغت صورة صاحبه وهو ينعته «عث الكتب» ، وسأل نفسه كيف ارتضيت لنفسي أنا الذي أحب الحياة كل هذا الحب أن أقضي أيامي بين الكتب والأوراق والمحابر. ثم تساءل إن كان ذلك داء فعليه أن يبحث عن الدواء. وبينما هو في شروده إذ دخل رجل ضخم وغريب إلى الحانة وتوجه إليه وسأله: هل أنت راحل إلى كريت ؟ ثم طلب منه أن يأخذه معه، وقال: أقوم بجميع الأعمال التي تستخدم فيها اليدين أو القدمين أو العقل. وتبين أنه عامل مناجم ممتاز، له خبرة بالمعادن ويعرف كيف يشق السراديب ويتبين عروق المعادن في الصخور. وكان إسم ذلك الرجل الضخم اليكسيس زوربا، الذي يعشق العزف على آلة السانتوري. كان زوربا هو الرجل المناسب الذي يبحث عنه «عث الكتب» الذي إستأجر منجما منعزلا في كريت، ذلك أنه وجد فيه رجلا صريحا، كبير القلب، لم تنتزعه الحضارة تماما من أمه الأرض، وعندما تقرب منه أكثر أحبه وتعلق به، فزوربا ورغم بلوغه سن الخامسة والستين كان نشطا حاضر الذهن، وزير نساء ! وعندما وصلا إلى القرية النائية القريبة من المنجم بحثا عن مكان يضمهما، وبعد أن رفضا دعوات الأهالي الكرماء وجدا مبتغاهما لدى مدام هورتنس، الفرنسية التي إفتتحت من مسكنها فندقا. وسرعان ما حدّق بها زوربا كأنها بارجة عتيقة يعرفها، حاربت في البحار البعيدة وعرفت معاني النصر والهزيمة وخرجت من معاركها مهشمة الجوانب ممزقة القلاع، ولاذت بهذا الشاطيء البعيد لتلعق جراحها وتعالج بالمساحيق والدهون ما أفسد الدهر من جمالها ونضارتها. وسرعان ما وجدت كلمات زوربا صداها في آذان مدام هورتنس مثل التي يخاطبها بها قائلا: إنك تذكرينني بسارة برنار في شبابها. أما مدام هورتنس فكان خيالها بعد هذه الكلمات يأخذها بعيدا، إلى المسارح والكباريهات التي عملت بها في باريس وبيروت والقسطنطينية قبل أن تحكي قصة حياتها. وكما أثبت زوربا براعة في اجتذاب النساء إليه، أثبت جدارة في إدارة العمل والتحكم بالرجال، ومعرفة بطرق استخراج الفحم من المناجم، وبحاسة الرجل المتمرس في عمله استطاع زوربا أن ينذر الرجال في الوقت المناسب قبل إنهيار المنجم يوما، وهو الأمر الذي جعل الكثيرين يشعرون أنهم مدينون بحياتهم إلى زوربا. ولكن زوربا كلما مر بظروف مثل هذه لا يعيرها إهتماما كثيرا، ويلجأ إلى آلة السانتوري ويقوم بالعزف على أوتاره مترنما بإغنيات مقدونيا ثم يثب في الهواء. وعندما إستغرب صاحب المنجم تلك التصرفات رغم أنه في أعماقه ود لو يعيشها كما يفعل زوربا أجابه زوربا قائلا: إن لي في أعماقي شيطانا يوسوس لي فأطيعه، ويقول لي أرفض فأرفض، وأصبح أحسن حالا، وعندما مات ولدي الصغير ديمتري، رقصت أمام الجثة، فهجموا علي ليمنعوني وصاحوا «لقد جُن زوربا». ولكن لولا أنني رقصت لجننت حزنا وأسى، فقد كان أول أولادي وكان في الثالثة من عمره، فعز عليّ أن أفقده. هكذا هي حياة زوربا بين النساء والعزف على السانتوري والرقص إلى جانب الأكل وشرب النبيذ الذي يطلق لسانه بعدما يدور دورته في الجسم ويجعله يرى الدنيا بصورة أجمل مما هي عليه حقا. ولكن كل تلك الحاجات الأساسية مجتمعة لم تنسه واجبه تجاه العمل المضني الذي يتطلب منه الإستيقاظ مع تباشير الفجر الأولى والإنغماس في استخراج الفحم من مكامنه فيعود متسخا بالفحم الذي يغطي جسمه كله ويجعله وكأنه بزي متنكر، وإخلاصا لعمله إقترح على صاحب المنجم إستئجار غابة ونقل أخشابها لتدعيم المنجم وبيع الفائض. في تلك الأيام تأججت أحداث الأرملة المثيرة، التي لا تكاد ترى رجلا حتى تشتهيه، وإذا لم يتزوجها قضى حياته حزينا معذبا، وهي إمراة جميلة ووحيدة مات عنها زوجها مؤخراً، وتسببت في إنتحار أحد رجال القرية، وهو الأمر الذي جعل سكانها يحقدون عليها. كان الرقص في القرية على أشده بمناسبة عيد الفصح عندما جاءت الأرملة إلى الكنيسة، وبعدما شاع خبر وصولها توقف الرقص وتعالت الأصوات: الفاجرة.. القاتلة.. كيف وجدت الجرأة على الحضور، عليكم بها، لقد جلبت العار على القرية. ثم قطعوا عليها الطريق، وحتى عندما حاولت العودة إلى الكنيسة لتحتمي بها سدّ عليها مافراندوني طريق العودة، وتعالت صيحات العجائز من فوق جدران البيوت: اقتلوها.. اقتلوها. مرق حجر في الهواء وأصاب رأس الأرملة ومزق منديلها وهي تردد بهلع: أناشدكم باسم المسيح.. باسم المسيح. حدث ذلك قبل أن تحز سكين عنقها وتفصل رأسها عن جسدها، رغم محاولة زوربا المتأخرة لإنقاذها، وهو الأمر الذي جعله يرهق جسمه في عمل متواصل عدة أيام غير آبه بالطعام. تزامن ذلك مع إحتضار مدام هورتنس التي نهبت ممتلكاتها حتى قبل أن تموت، ثم جاء إنهيار مشروع نقل الأخشاب وخسارة المنجم، وبان في الأفق جو الفراق القاطع كالسيف بعد أن إنهار كل شيء.. كل شيء. جاء صاحب المنجم وطلب من زوربا أن يعلمه الرقص، شرع زوربا يرقص ويعلم صاحبه الذي أخذته نشوة الرقص وهو يردد: إلى الجحيم بالكتب والأوراق.. إلى الجحيم بالمناجم والأرباح.. ها أنا ذا تعلمت لغتي