بيان الكتب: يعمل شبلي تلحمي استاذاً في جامعة ماريلاند وهو احد الباحثين في مؤسسة بروكينج سبق له وساهم في تأليف كتاب مع آخرين تحت عنوان: «المنظمات الدولية والنزاعات الاثنية». اما مايكل بارنت فهو استاذ العلوم السياسية في جامعة ويسكنسون ـ ماديسون، له عدة مؤلفات من بينها «حوارات في السياسة العربية». والمساهمون الآخرون في الكتاب وعددهم ستة فإنهم اساتذة في عدد من الجامعات والمعاهد الاميركية. ينطلق المساهمون في هذا الكتاب من مقولة مؤداها ان التاريخ السياسي للشرق الاوسط يجد مرجعياته غالبا في مفاهيم الهوية السياسية: وكانت الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية ومطلع عقد السبعينيات الماضي قد شهدت تركز النقاشات السياسية حول «صعود الحركة القومية العربية وانحدارها وايضا حول دور الدولة في هذه المنطقة من العالم والتي فرض فيها الاستعمار حدوداً لم تأخذ فيها القوى الغربية المسيطرة الهويات الوطنية والسياسية في اعتبارها.. ودخلت بعد ذلك المنطقة في دورة البحث عن «استقرارها السياسي» وعن تأكيد مفاهيم السيادة من قبل الدول المختلفة وقد بدت مسألة السيادة هذه ملحة جداً بعد حرب الخليج عام 1991 بالنسبة للعراق في ظل احياء نشاط الحركة القومية الكردية وتقلص سلطة الدولة، في هذا البلد الى درجة يرى معها شبلي تلحمي ومايكل بارنت انه قد اصبح من المطروح التساؤل عن مصير الهوية السياسية للعراق، ويتم اعتبار ان هذا الواقع يشكل احد اخطر نتائج حرب الخليج وليس بالنسبة للعراق وحده وانما بالنسبة للمنطقة كلها، ويقوم المؤلفان ضمن هذا السياق بعرض مختلف النظريات السياسية الخاصة بمنطقة الشرق الاوسط. وتتمثل احدى النقاط الاساسية التي تدور حولها مساهمات هذا الكتاب الخاصة بالدولة وبالهوية الوطنية في بلدان الشرق الاوسط وقد تم التقديم لمختلف التحليلات بعرض عدة مفاهيم نظرية مثل القول بأن الهويات ليست شخصية وسيكولوجية فحسب وانما هي ايضا اجتماعية وخاصة عبر العلاقة مع الآخرين، ويبدو في التحليلات المقدمة بأن اللغة تشكل العالم الأهم في تنامي الاحساس بـ «الانتماء» القومي العربي. ويتم الربط في هذا الكتاب بين مفاهيم «الهوية الوطنية» والسياسية ـ أو السياسات الخارجية الوطنية والاقليمية في منطقة الشرق الاوسط، كما يتم التأكيد على البعد القومي في تشكل الهوية الجماعية، هذا وتتسم منطقة الشرق الاوسط بخصوصية اللغة التي تجمع بين مختلف شعوبها. وكان البعد القومي احد المقومات الاساسية في السياسة الخارجية لبلدان الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كما بدا من تنامي بعض الحركات السياسية القومية ممثلة خاصة بالتيارين البعثي والناصري، كما كان وجود الكيان الاسرائيلي حافزاً لـ «التعبئة السياسية» على اساس قومي، ويتفق المساهمون في هذا الكتاب بأن وجود اسرائيل في المنطقة كان عامل «زعزعة» لامنها واستقرارها. ويتم التأكيد في هذا السياق على ان عقد التسعينيات الماضي قد شهد مع ثورة المعلوماتية تطورات هامة على صعيد الهويات الجماعية في هذه المنطقة من العالم.. لاسيما وان الدول قد نفذت الكثير من قدرتها للسيطرة على سيل المعلومات القادم من الخارج بشتى الوسائل والتي لا تمثل شبكات الانترنت اقلها فاعلية وقد لعبت الفضائيات التلفزيونية دوراً كبيرا في هذا السياق وبرزت في هذه الفترة ايضا المنافسات القوية على قاعدة المصالح التجارية وليست السياسية تمشياً مع ما تطلبه قواعد اقتصاد السوق والعولمة، وقد طرحت وسائل الاعلام الجديدة عدداً من الاشكاليات الجوهرية التي لها علاقة بالمصالح العربية العامة وعلى رأسها الصراع العربي الاسرائيلي، مما كان له اثره على السياسات الخارجية في المنطقة هذا لاسيما وان وسائل الاعلام المختلفة وخاصة الفضائيات التلفزيونية اصبحت تتطلع الى ما وراء الحدود الخاصة ببلدانها كي تجد جمهورها في الاطار العربي الشامل وهذا ما يبدو بوضوح من خلال طبيعة البرامج والكتابات المطروحة والموجهة للجمهور العربي العريض، وحتى المتواجد منه في اميركا الشمالية وأوروبا، ان مثل هذا الواقع الجديد اصبح له وزنه في السياسات العربية المختلفة المتعلقة بالقضايا الخارجية، وهذا ما يساعد على بروز منظور اقليمي مشترك وبكل الحالات يبدو الترابط قوياً بين مفاهيم الهوية والسياسة الخارجية في منطقة الشرق الاوسط. تخص دراسات الحالات التي يحتويها هذا الكتاب كلا من مصر وسوريا والعراق وايران والاردن والكيان الاسرائيلي، وتمثل الحالات الثلاث الاولى اي مصر وسوريا والعراق خصوصية انها «زعامات» الحركات القومية العربية في مرحلة صعودها خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وحيث برز بوضوح البعد القومي كأحد مكونات الهويات الوطنية الفاعلة في تحديد السياسات الخارجية لهذه البلدان ، اما ايران فقد مثلت نوعا من تجسيد الهوية السياسية الاسلامية خلال عقد الثمانينيات بشكل خاص. وارتبطت القضية الفلسطينية الى حد كبير بتحديد توجهات السياسة الخارجية للاردن، بحكم الواقع الجغرافي والمعطيات التاريخية وحيث يؤكد مارك لينش الذي درس العلاقة بين الهوية والسياسة الخارجية للاردن على ضوء التداخل الكبير بين المصالح الاستراتيجية الوطنية والسياسات الخارجية والتي تتم دراستها على ضوء الواقع المؤسساتي الاردني وتطوراته خلال النصف الثاني من القرن العشرين، اما الهوية الوطنية الاردنية فتتم دراستها بالاعتماد على مكوناتها الاثنية والعقائدية والثقافية وضمن اطار صيرورتها التاريخية ويبحث لينش في آليات نماذج مختلف مكونات الهوية الاردنية بابعادها العربية والفلسطينية والاردنية اي بمعنى تمازج البعد القومي مع المكونين الاساسيين للمجتمع الاردني، وبكل الحالات تبقى مسألة الدفاع عن السيادة هي الاولوية الاساسية بين اهتمامات الدولة. وتركز سوزان مالوني في دراستها حول الهوية والتطور في السياسة الخارجية الايرانية على دراسة المكونات المختلفة للهوية الايرانية التي تبدو ذات ابعاد متعددة وتتمثل هذه الابعاد في المسيرة التاريخية للبلاد وفي المعطيات الجيواستراتيجية وفي القومية الفارسية. وترى الكاتبة بأن قيام الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1979 شكل تطوراً كبيراً على مستوى المؤسسات والدولة وبالتالي مستوى الهوية نفسها حيث بدا بوضوح نوع من التنافس بين البعدين «القومي» والعقائدي» في هذه الهوية، وتشير الكاتبة في هذا السياق الى ان ابعاد الحرب العراقية الايرانية التي بدأت في شهر سبتمبر من عام 1980 قد شكلت منعطفا كبيرا في السياسة الخارجية الايرانية وفي المواقف الداخلية للدولتين «المتحاربتين» الى حد كبير في اغلبية دول منطقة الخليج.. وتحدد الكاتبة «منعطفا» اخر في السياسة الخارجية الايرانية هو وفاة الامام الخميني.. وحيث شكل قبول ايران بقرار الامم المتحدة رقم 598 في شهر يوليو من عام 1988 والقاضي بوقف الحرب مع العراق. وحيث كان الخميني قد عبرّ عن قبوله بذلك بأنه «اصعب من تناول كأس من السم».. اما بالنسبة للعراق فتتم في الفصل الخاص بدراسة «التداخل بين الهوية والسياسة الخارجية» فيه على اساس خمس «فترات» مفصلية عرفها خلال القرن العشرين «وتتمثل في الزعامة السياسية لسليمان صدقي عام 1936» ثم «الهلال الخصيب ومخططات الجامعة العربية 1943 ـ1945» و«رد عبدالكريم قاسم على الطرح القومي العربي الناصري عام 1958» و«سياسة صدام حسين حيال الاكراد وسبتمبر الاسود خلال عقد السبعينيات» واخيرا «الحرب العراقية ـ الايرانية خلال الثمانينيات»: الاساس النظري الذي تتم على أساسه دراسة هذه الفترات المختلفة يتمثل في البحث عن العلاقة بين خيارات «الهوية» التي تحاول النخب والقيادات السياسية فرضها وبين الخيارات الشعبية العامة التي قد تتفق أو تتمايز او تتعارض مع خيارات النخبة في أي مجتمع من مجتمعات العالم. وبالاعتماد على دراسة تاريخية الحالة العراقية يتم التأكيد على الدور الكبير الذي لعبته النخب «تاريخيا» ـ ومنذ زمن العباسيين ـ في تحديد بعض مقومات الهوية وربطها بالسياسة الخارجية في الفترة المعنية؟ وهذا ما تتم محاولة البرهنة عليه بالنسبة للفترات المدروسة في تاريخ العراق الحديث. وعلى الأسس نفسها تتم دراسة «تطور الهوية السياسية في سوريا» و«الهوية والسياسة الخارجية في مصر» في القرن الماضي وحيث لعبت «الايديولوجيات» دورا كبيرا في الحالتين وخاصة في تحديد التوجهات الخارجية على ضوء الصراع العربي ـ الاسرائيلي. كتاب عن التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط