بيان الكتب: تتمثل أزمة المعارضة التونسية في برنامجها السياسي، وجذورها الاجتماعية والأيديولوجية، التي ينطلق منها الباحث توفيق المديني في دراسته لنشأة هذه المعارضة، وتطورها، ومنذ البداية، يضع الأزمة التي تعيشها هذه المعارضة الى جانب الأزمة التي تعيشها السلطة السياسية الحاكمة، نظراً للعلاقة الوطيدة بين الأزمتين، الأمر الذي يجعل الحديث عن أزمة السلطة يستدعي الحديث عن أزمة المعارضة بسبب سيرورة التطور التاريخي على مستوى الحياة السياسية، وخصائص المجال السياسي للمجتمع التونسي. ان لهذه الأزمة جذورها السياسية والاجتماعية، وهي الان تعيش في حالة ركود إثر سقوط اغلب المرجعيات المعرفية والايديولوجية لهذه الأحزاب والقوى مما قادها الى الافلاس التاريخي والسلفية، ولعل السبب ـ كما يراه الباحث ـ يكمن في عجز احزاب المعارضة عن القراءة العقلانية والتاريخية الجديدة لما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية، وفي مقدمتها التحدي الأصولي الاسلامي. لقد لجأ الباحث من أجل الكشف عن تجليات هذه الأزمة المستفحلة الى التدقيق في برامج هذه الأحزاب، ووثائقها، ونشاطها الفكري والثقافي السياسي محاولاً تقديم رؤية غير أحادية لهذا المشهد الذي يحمل صورة العجز، وعدم القدرة على إنجاز الأهداف، ووضع البرامج اللازمة، وصيغ التطبيق الفعلي لها، وذلك من خلال محاولات السلطة المستمرة عبر فترة حكمها الطويلة لإقصاء السياسة عن المجتمع، وذلك من خلال جعل المواطن التونسي يلهث وراء لقمة العيش. ان المخرج لهذه الأحزاب من أزمتها يتمثل في توسيع مفهوم النقد والنقد الذاتي لأنه مفتاح الحل العقلاني، على أن يُعْنى هذا النقد بنقد الواقع في بعديه الزماني والمكاني، ونقد الآخر، اذ ان الوعي بالآخر هو شرط للوعي ولا يمكن للنقد والنقد الذاتي ان يحقق فاعليته المطلوبة الا من خلال استمراريته وتواصله، فالواقع غير ثابت. ويؤكد المديني ان كل التطورات السياسية التي حدثت في تونس منذ عقد التسعينيات لم تؤد الى حل اشكالية الديمقراطية، بل على العكس من ذلك ساهمت في تعقيد هذه الاشكالية، وعليه فإن معركة الديمقراطية تحتاج الى وجود قوى اجتماعية وسياسية فاعلة تستطيع ان تقوم بتعديل موازين القوى القائمة، وتفرض على السلطة تعديل سياساتها، فالشارع التونسي أكد عبر تاريخه انه لا يمثل حلقة سياسية يمكنها ان تسهم في تعديل موازين القوى، إذ انه لا يمتلك التقاليد المدنية والسياسية التي تساعده على ذلك. يتناول الباحث بالدراسة أولاً المعارضة القومية الممثلة بالحركة اليوسفية التي تعود جذورها الى بداية النصف الاول من القرن العشرين، وبحركة البعث التي انتشرت في الأربعينيات والخمسينيات من القرن نفسه، وحركة التجمع القومي العربي، وحركة التحرير الشعبية العربية ذات الطروحات الفكرية والسياسية الملتزمة بالمنهج الماركسي غير التقليدي، والمؤمنة بالحداثة والعقلانية والديمقراطية وحزب الاتحاد الوحدوي الديمقراطي الذي شهد ولادته في عام 1982. وينطلق الباحث في دراسته لهذه الأحزاب من خلال تقسيمها الى أحزاب اليسار ممثلة بالشيوعية التقليدية، واليسار الجديد، حيث يعمد الى تناول نشأة الحزب الشيوعي، الذي بدأ في أوساط الجاليات الأوروبية المقيمة في تونس ومن ثم يتحدث عن تاريخية الحزب، اما بالنسبة لأحزاب اليسار الجديد، فإنه يحدد أسباب نشوئها، ومواقفها من القضايا القومية، وهذه الأحزاب هي منظمة العامل التونسي، وحزب التجمع الاشتراكي التقدمي، وحزب العمال الشيوعي. ويدرس المديني في القسم الثاني احزاب المعارضة الاسلامية التي انبثقت من خلال معطيات تاريخية، تمثلت في علاقة السياسي بالديني، والصراع على السلطة، ثم يتحدث عن الخلافات الفكرية داخل هذه المعارضة سواء على المستوى الفقهي او الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، كما يتحدث عن ظهور حركة الاتجاه الاسلامي التي استقطبت القطاعات الحديثة في المجتمع التونسي، ينتقل بعدها للبحث في علاقة سلطة السابع من نوفمبر التي كانت تتمثل بالتعايش مع هذه الحركات، والذي لايزال قائماً، لان حركة النهضة الاسلامية قد اتخذت من العمل السلمي والعلني اساساً في التغيير. لقد ساهم في تعاظم الاستقطاب الجماهيري لهذه الحركات تراجع القوى الوطنية والديمقراطية، وانتصار الثورة الاسلامية في إيران، وحدة الهجوم الأمريكي على الوطن العربي، وقد استطاعت هذه الحركة ان تمد نفوذها داخل شرائح البرجوازية التجارية، وكبار الملاكين العقاريين، والطبقة الوسطى، كما أنها حققت قفزة تنظيمية عندما استطاعت ان تجعل كوادرها القيادية ومحازبيها من المثقفين الشباب. إن التوافق الذي تم في مرحلة حكم الرئيس بو رقيبة مع الحركات الاسلامية كان يقوم على أساس ايديولوجي يتمثل في معاداة الحركة اليسارية ومحاربة الشيوعية، وقد ركزت حركة الاتجاه الاسلامي في عقدي السبعينيات والثمانينيات على اختراق مؤسسات التعليم والجيش والشرطة، لكن القيادات الاسلامية التي غادرت السجون في صيف 1984 أخذت بمراجعة خيارها السياسي، الأمر الذي أدى الى بروز تيارات مختلفة وتمثلت الخلافات بين هذه التيارات في الاختلاف حول موضوع العمل السياسي، والخلاف حول قيادة الحركة. ولعل مأزق المسار الديمقراطي في تونس، يتجلى في سياسة الاستقطاب الثنائي التي تعتمدها السلطة، والمتمثل في إقرار نظام تعدد الأحزاب، وانتهاج سياسة المصالحة الوطنية المدارة على أساس استراتيجية السلطة الحاكمة التي تجعل الأحزاب تتخندق معها سياسياً وإيديولوجياً، وقد ساهمت ازمة حرب الخليج في تفجير التناقض النوعي داخل هذه الأحزاب، ثم جاءت نتائج الانتخابات الحرة في الجزائر وفوز جبهة الانقاذ الاسلامية لتزيد من مخاوف السلطة وتدفعها لمحاربة الحركات الاسلامية، الا أن كل هذا لم يحل دون استمرار الأزمة رغم ميل هذه الحركات الى التهدئة، كما أنه لم يوقف من حدة الأزمة التي لم تزل تعيشها المعارضة، ونظام الحكم في الآن نفسه، مما يجعل الوضع مفتوحاً على احتمالات كثيرة، لا يعرف أحد بالضبط العوامل التي قد تدفع بهذا الاتجاه او ذاك. مفيد نجم