بيان الكتب: يشارك في مساهمات هذا الكتاب الجماعي عدد من الباحثين في الميادين الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية من أمثال سمير أمين من منتدى العالم الثالث وسوزان جورج رئيسة مركز مراقبة العولمة وعدد من الباحثين الآخرين. وقد أشرف على انجاز هذا العمل السيدة آن بيترس الباحثة في الشئون السياسية ومديرة مركز الدراسات والعمل من أجل التلاحم الاجتماعي في بروكسل. يبحث هذا الكتاب في الرهانات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والعسكرية للعولمة في نسختها الراهنة، كما يبحث أيضا في استراتيجيات العمل لمواجهة مثل هذه الرهانات. وهذا واحد من سلسلة طويلة من الكتب التي جعلت من العولمة موضوعاً لها. يقال الكثير عن العولمة وآثارها ونتائجها على العالم الثالث وعلى العالم الأول أيضا.. والعديد يقدمون مساهماتهم فيما يعتقدون بأن العولمة ستؤول اليه. ويعالج آخرون سبل التحرك والعمل في مواجهة العولمة التي تتم ترجمتها بهيمنة الولايات المتحدة الامريكية والقوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم، على مقدمة المسرح الدولي. هذا الكتاب يجمع في الواقع بين حدّين افتقرت لهما أغلبية الكتب الصادرة حتى الآن، إذ انه يجمع بين الفهم والتحرك. وعلى عكس أغلبية هذه الكتب الصادرة يقيم المساهمون تحليلاتهم على أساس الدورات الاقتصادية الطويلة، أي التي تأخذ باعتبارها أساسا البعد التاريخي.. وذلك على ضوء التاريخ الرأسمالي نفسه وظواهره الأساسية. وتسمى دورات كوندراييف، ومدتها 50 الى 60 سنة. ويتفق المساهمون في هذا الكتاب على نقطة أساسية تتمثل في الربط بين المرحلة الجديدة من مراحل تطور الرأسمالية وبين التطور التكنولوجي والصناعي الهائل الذي رافق ثورة المعلوماتية والاتصالات وخاصة شبكات الانترنت وما ترتب على هذا كله من تطور كبير على صعيد الأسلحة والتسليح. كما يتفقون على القول بأن المرحلة الجديدة تتسم على الصعيد الدولي بوجود هيمنة عسكرية وثقافية أيضاً للقوة العظمى الأمريكية، وهناك معطى آخر بدا بمثابة احدى سمات هذه المرحلة من تطور الرأسمالية ويتمثل في بروز ما يسمى بـ «حق التدخل في شئون الآخرين باسم القانون الدولي ومباديء حقوق الانسان». وإذا كانت الآراء تتفق كثيراً حول قراءة العولمة، بل وحتى حول فهمها، فإنها تختلف الى حد كبير فيما يتعلق على ردود الفعل في مواجهة العولمة وما فرضته على صعيد سيادة قوانين السوق والمنافسة، هي انها، أي ردود الفعل، ذات طبيعة انفعالية. وهنا يشير المساهمون في هذا الكتاب بطريقة أو بأخرى الى ان المرحلة الراهنة تشهد قيام صيغ جنينية منظمة في منظور مقاومة العولمة بنسختها الليبرالية الجديدة المتطرفة والتي أدت الى قيام أشكال خطيرة من «اللامساواة». في المساهمة الأولى من هذا الكتاب التي تحمل «دورات كوندراييف الطويلة وتطور الرأسمالية منذ الحرب العالمية الثانية» يقدم كاتبها جاك ناجيل استاذ الاقتصاد في جامعة بروكسل الحرة نبذة تعريفية بـ «نيقولاي ديمترفتش كوندراييف، الاقتصادي الروسي وصاحب أطروحة «الدورات التاريخية الطويلة». وعلى ضوء هذه الاطروحات يحدد الكاتب ثلاث مراحل عرفتها الرأسمالية منذ الحرب العالمية الثانية وكانت الأولى منها مرحلة صعود استمرت ما بين 1945 و1973 أي حتى «الصدمة البترولية» الأولى، ثم مرحلة ثانية متحدرة خلال سنوات 1973 ـ 1992 لتبدأ بعدها المرحلة الثالثة الصاعدة التي نعيشها الآن وحيث تسيطر رأسمالية جامحة لا كابح ـ لجام ـ لها وذلك على خلاف سيادة الاطروحات الكنزية، نسبة الى الاقتصادي الكبير كنزي التي سادت خلال المرحلة الأولى لما بعد الحرب العالمية الثانية (1945 ـ 1973). وكانت هذه المرحلة قد شهدت رجحان دور الدولة واحاطتها بالسوق باسم «الصالح العام» مع التأكيد على العدالة الاجتماعية. إن المرحلة الحالية التي بدأت منذ مطلع عقد التسعينيات الماضي تسير في منحى معاكس. ويبحث جيرار فالندوك مدير مركز الابحاث حول العمل والتكنولوجيات في جامعة «نامور» في مساهمته التي تحمل عنوان «تكنولوجيات جديدة واقتصاد جديد ودورات طويلة» في «ديناميكيات التجديد» باعتبارها المحرك في اطار الدورات الاقتصادية. ويرى بأنه طالما ان المحرك يعمل بنشاط وانتظام فإن الآلة الاقتصادية تدور بشكل جيد وتخلق مرحلة صعود وازدهار، ولكن عندما يصيب الخلل والترهل المحرك فالانكفاء الاقتصادي هو النتيجة. ويطرح المؤلف حيال الفترة الراهنة التساؤل التالي: «ضمن أي مقياس تبدو الأشكال الراهنة لعولمة البحث وللتطوير التكنولوجي ملائمة بالنسبة للانتقال الى نموذج جديد». «الاقتصاد السياسي في القرن العشرين».. هذا هو عنوان مساهمة المفكر الاقتصادي سمير أمين في هذا الكتاب. ويرى بأن الفترة الجميلة التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر قد توجت قرناً من التحولات الجذرية الراديكالية والتي شهدها العالم. وهو القرن الذي عرف الثورة الصناعية الأولى وبروز الدولة البرجوازية الحديثة التي ولدت في أوروبا أولاً لتنتقل منها الى الولايات المتحدة واليابان. ويعود سمير أمين ضمن هذا السياق الى طرح أفكاره المعهودة حول المركز والمحيط، وحيث ان بلدان المركز قد عرفت التحولين الأساسيين ـ الثورة الصناعية وبروز الدولة البرجوازية الحديثة ـ بينما بقيت بلدان المحيط مستثناة منها. وتبدّى انتصار المراكز الرأسمالية من خلال ازدياد نسبة السكان ذوي الأصول الاوروبية في العالم من 23% عام 1800 الى 36% عام 1900. وبالتوازي مع هذا كانت الفوارق في مردودية العمل الاجتماعي بالنسبة لـ 80% من سكان العالم لا تتجاوز نسبة 1 الى 2 وانتقلت هذه النسبة بين بلدان المراكز وبلدان المحيط الى 20 مقابل 1 عام 1900. لكن انتصار الفترة الجميلة لم يستمر، كما يرى سمير أمين، إلا لمدة عقدين من الزمن، إذ انه يتحدث عما يسميه بـ «حرب الثلاثين سنة (1914 ـ 1945)، أي الفترة التي شهدت نشوب حربين عالميتين، ويحدد طرفا النزاع في هذه الحرب بالولايات المتحدة الامريكية وألمانيا اللتين حاولتا الاستئثار بـ «الارث البريطاني الزائل». كما يرى بأن المنتصربين والمهزومين في حرب 1914 ـ 1918 حاولوا في البلدان ـ المراكز الرأسمالية، الابقاء على الاطروحات الطوباوية لليبرالية ذات البعد العالمي. ومن هنا تمت متابعة الممارسات العنيفة ذات الطابع الاستعماري من جهة، مع محاولة اعادة لبررة للاقتصاد من جهة أخرى. وكانت ردود أفعال المجتمعات الغربية متباينة حيال هذه الحالة، إذ حذا بعضها نحو الفاشية وتبنى الحرب كوسيلة لاعادة توزيع الأوراق على المستوى العالمي، كما ساد في ألمانيا وايطاليا واليابان. وقد شكلت الولايات المتحدة وفرنسا استثنائيين في هذا السياق، وذلك من خلال برنامج الاصلاح الذي تبناه الرئيس روزفلت وادارته بالنسبة للحالة الأولى ووصول الجبهة الشعبية اليسارية في فرنسا الى الحكم عام 1936. وفي الحالتين اتسم دور الدولة بكثير من الفعالية مع دعم الطبقات العاملة. لكن هذه «الصيغ الخجولة» لم تجد تعبيراتها «المزدهرة» إلا بعد عام 1945 وحتى 1970. ذلك ان عقد السبعينيات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية سمحت بتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية هائلة في جميع مناطق العالم، لكن إذا كان سمير أمين يقر بهذا التحول فإنه يذهب في تحديد أسبابه باتجاه آخر تماماً للذي يقول به الليبراليون ويعيدون فيه تلك التحولات الى منطق توسع الاسواق.. هذه التحولات كما يراها «سمير أمين» إنما هي نتاج لعمليات الضبط الاجتماعي المفروضة على رأس المال من قبل طبقات العاملين والشعوب. لكن ومهما اختلفت التفسيرات كانت تلك التحولات كبيرة الى درجة انها حددت اطاراً جديداً للتحديات التي سيكون على الشعوب مواجهتها في منعطف القرن الحادي والعشرين. وفي ختام مساهمته يناقش سمير امين مسألة نزعة الهيمنة الامريكية في القرن الحادي والعشرين، حيث يرى بأن العولمة تواجه ازمات حقيقية ذات طبيعة مالية بالدرجة الأولى مما دعا البلدان الصناعية المتقدمة «قمة السبعة» للحديث عن ضرورة ايجاد آليات للضبط، وخاصة ضبط التدفقات المالية الدولية. وفي هذا الظرف «المأزوم» استأنفت الولايات المتحدة هجومها من أجل تثبيت سيطرتها العالمية ورسم نظام عالمي اقتصادي وسياسي وعسكري على أساس هذه السيطرة. وبالتوازي مع هذا لا يتوقف الاوروبيون عن التذكير بأن الاتحاد الاوروبي يشكل القوة الاقتصادية والتجارية الأولى في العالم، وبأنهم يمتلكون سوقاً أوروبية واحدة و«عملة واحدة».. ولكنهم لا يمتلكون نظاما انتاجيا أوروبيا واحدا، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، كما يشير سمير أمين. وفي المحصلة يقول سمير أمين: ان القرن الحادي والعشرين لن يكون أميركيا وإنما سيكون قرن صراعات هائلة مع تصاعد النضالات الاجتماعية التي ستلقي بشكوكها على طموحات واشنطن المغالى بها وعلى رأس المال.. ولكن دوران العنف لن يكون مثل تلك التي عرفها القرن الماضي «العشرين» فالتاريخ «لا يكرر نفسه حسب نمط دوري». إن مساهمات هذا الكتاب تقترح اجمالاً مفاتيح للتحليل متعددة المشارب للعولمة ولآليات «التحرك» حيالها وكتاب ذو بعد تعليمي أيضاً