«هل تحبين براهمز؟» هذا عنوان رواية «صغيرة» قرأها جيل كامل وبكل اللغات، بما فيها هذه المرة اللغة العربية.. كان ذلك منذ سنوات الستينيات الماضية. مؤلفة هذه الرواية تدعى «فرانسواز ساغان». وهذا الكتاب الذي تقدمه اليوم الناقدة «الكاتبة» صوفي دولاسن، موضوعه سيرة حياة «فرانسواز ساغان» التي تعتبر اليوم أحد أكثر الروائيين الفرنسيين «الاحياء» شهرة. انها احد اكثر الادباء الفرنسيين شهرة اليوم.. ولكنها ايضاً امرأة مريضة.. متقدمة في السن.. ومطلوبة للعدالة ولمصلحة الضرائب.. لقد فضلت طيلة حياتها «لغة الحروف» على «لغة الارقام».. ولذلك قدّمت بيانات مغلوطة لمصلحة الضرائب حيث «نسيت» التصريح بما يزيد عن نصف مليون فرنك فرنسي تتهمها الجهات المسئولة عن الضرائب بانها تقاضتها من اجل تسهيل «صفقة» تجارية بحكم صداقتها مع الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. بدأت فرانسوا ساغان حياتها الادبية عام 1954، عندما نشرت روايتها التي تحمل عنوان «مرحباً ايها الحزن». والتي كانت بمثابة «فضيحة عالمية» على حد تعبيرها هي نفسها.. وعندما اصدرت هذه الرواية قال العديد من النقاد بان «اسطورة ادبية فرنسية قد وُلدت» وفي تلك الفترة، فترة الخمسينيات، كان الأدب والفكر الفرنسيين يحتلان موقعاً طليعياً متقدماً على الصعيد العالمي بوجود ادباء ومفكرين كبار من امثال البيركامو ولويس أراغون وجان بول سارتر وسيمون دوبوفوار ـ التي نالت سنة اصدار رواية «مرحبا ايها الحزن» جائزة الجونكور الادبية الشهيرة ـ واندريه مالرو.. وغيرهم من قائمة طويلة جداً.. تقول الجملة الاولى في رواية «مرحبا ايها الحزن» ما يلي: «حيال الاحساس المجهول المشوب بالضيق تخيّم علي مسحة من الهدوء..».. واعتباراً من هذه الجملة بدا ان لهجة جديدة وشباباً جديداً وعالماً جديداً يرتسم عبر قلم صاحبتها.. وكانت الشهرة على موعد «منذ صباح الغد». ان مؤلفة هذه السيرة عن فرانسواز ساغان، لا تتوقف طويلاً عند طفولة «فرانسواز».. لكننا نعرف انها من مواليد 21 يونيو عام 1935 ـ باليوم نفسه الذي شهد ولادة جان بول سارتر ـ «هل نتساءل: من اي برج؟».. وقد يمكن القول هنا بان هذين المولودين بيوم واحد، قد «غيّرا» احدهما المشهد الفلسفي الفرنسي والاخرى المشهد الادبي الفرنسي، اعتباراً من سنوات الخمسينيات.. ولاشك بان شهرة «فرانسواز ساغان» كانت مبكرة اكثر اذ انها اصدرت وعمرها لم يبلغ العشرين بعد «مرحباً ايها الحزن» وبعد عامين فقط من تقديمها امتحان الشهادة الثانوية ـ البكالوريا ـ وحيث تشير مؤلفة هذا الكتاب بان موضوع الفلسفة الذي كان مطروحاً على الطلبة آنذاك، يمكن ان يلخص بشكل جيد سيرة حياة فرانسواز ساغان كلها.. كان السؤال المطروح في الامتحان هو: «ما هي أوجه التشابه بين التراجيديا والحياة؟». لقد امضت فرانسواز ساغان ـ الطالبة ـ اربع ساعات في تقدم اجابتها، وترجمت الكاتبة والانسانة هذه المقولة في سيرة حياتها وأدبها، وما كتبته في امتحان «البكالوريا» ذاك عام 1952 كان بمثابة «خطة» لحياتها.. ولكن احياناً مع استبدال تعبير «تراجيديا» بتعبير «كوميديا»، المأساة والملهاة.. ان التعريف «الأقصر» الذي تجد مؤلفة هذه السيرة بانه ينطبق تماماً على حياة «ساغان» هو انها كانت «امرأة متمردة وحرّة». وما تشير اليه «صوفي دولاسن» هو ان «فرانسواز ساغان» قد قوبلت بالكثير من «الحقد» احيانا من قبل النقاد الذين لم يستطيعوا ان «يتحملوا» كل ذلك القدر من الشباب والنجاح والموهبة والشهرة والمال وسهولة العيش لفتاة كانت في العشرين فقط عندما حققت ذلك كله.. وقد قيل عنها بانها كانت شبيهة بـ «فأرة صغيرة».. لكنها اثبتت في الواقع، ومنذ البداية، بانها كانت سيدة «عظيمة» وكاتبة «مرموقة» وليست مجرد «مراهقة تافهة».. وقد عاشت «فرانسواز ساغان» ما كانت تفكر به.. لقد ارفقت العمل بالفكر ولعلّ هذا ما يشكل «عبقرية» هذه الاسطورة الاستثنائية كما ترى مؤلفة الكتاب. وكانت «فرانسواز ساغان» قد حققت نجاحاً دولياً كبيراً بحيث ان الولايات المتحدة الاميركية قد هيأت لها استقبالاً وكأنها «ملكة» عند زيارتها الاولى لها عندما كانت في «عز شبابها».. ومن هنا لم تكن بحاجة لجائزة ادبية مثل «الجونكور» او لثناء النقاد عليها كي تنال الشهرة. وقد سمحت فرانسواز ساغان لنفسها بفعل كل ما خطر لها.. اذ انها اختارت اسمها المستعار من روايات «مرسيل بروست» وحيث لم تخف ابداً اعجابها بعمله الكبير «البحث عن الزمن الضائع».. وقد كتبت ايضا المسرح ومارست العمل الصحفي ولكنها بقيت «روائية» قبل اي شيء آخر. وعرفت صداقات عديدة ليس أقلها شهرة معرفتها «الحميمة» بـ «جيمس دين»، الممثل الاميركي المعروف.. وهذا ما دعا البعض الى اعتبارها «بريجيت باردو» الأدب، ومن الملفت للانتباه ان «الفتاتين» نالتا الشهرة في وقت واحد تقريباً «فرانسواز ساغان» عام 1954 بعد نشر «مرحباً ايها الحزن» وبريجيت باردو بعد فيلمها الشهير «والله خلق المرأة» عام 1956. وتتحدث مؤلفة هذه السيرة طويلاً عن صداقات «فرانسواز ساغان» في عالم الادب والفن والمسرح من امثال «جان كوكتو» و«روبير فرانك» وكثيرين غيرهما.. ولم تكن تتردد وهي تركب سيارتها المكشوفة ان تقودها وهي حافية القدمين، وتمارس حياتها كما رسمتها، وكأنها احدى شخصيات رواياتها، هذا وقد عرفت باستمرار كيف تثير حولها بسلوكها، او عبر كتاباتها «مخيلة» الاخرين، ومن هنا تحديداً يأتي بعد الاسطورة في شخصيتها. وتعتبر «صوفي دولاسن» ان فرانسواز ساغان كانت ولاتزال، احد أهم الوجوه الادبية ـ النجوم الادبية ـ الذين عرفهم الأدب الفرنسي خلال القرن العشرين.. النجم، الاخر تمثل بجان بول سارتر: ولم يكن ادب «فرانسواز ساغان» هو وحده الذي اثار اهتمام معاصريها.. وانما ايضاً حياتها التي اراد العديد التنقيب في خباياها، وكأنه «لا يحق لها ان تخفي شيئاً». وهكذا كان عنوان كل كتاب من كتبها مجالاً للبحث عمّن هو المعني.. لذلك «اشتغلت» باريس «الادبية» كلها بعد صدور «هل تحبين براهمز؟» بمن هو «براهمز» هذا؟ وقد قيل عنها بأنها تمتلك «ألف وجه» وأكثر من «حياة». العديد من النقاد اعتبروا بأن فرانسواز ساغان تكرر نفسها في جميع اعمالها.. بل وان كتابتها «تتردى» من عمل لآخر.. تجدر الاشارة هنا الى ان روايتها الاولى «مرحباً ايها الحزن» بقيت من بين الأكثر، بل الاكثر شهرة من بين اعمالها.. لكن هذا لا يمنع واقع ان النص المسرحي الذي كتبته تحت عنوان «قصر في السويد» قد أثار هو الاخر الكثير من الاهتمام و«الضجة» حوله.. وضمن هذا الاطار شاع رأي يقول بأن شهرة «فرانسواز ساغان» قد اكتملت و«تجمّدت» ضمن الفترة الزمنية الواقعة بين عام 1954 وعام 1960.. اي في الفترة التي كان عمرها يتراوح فيها بين 19 و25 سنة.. وهي تشابه من هذه الزاوية الشهرة التي عرفها الشاعر الكبير «ارثور رامبو» في السن نفسه تقريباً.. ويميل البعض الى القول بأن الشهرة المبكّرة «أفسدت» فرانسواز ساغان التي اتجهت نحو تعاطي المخدرات وقامت بتبذير الاموال الطائلة التي جنتها من عشرات الآلاف من النسخ التي وصلتها «مبيعات» اعمالها.. وقد وصل تبذيرها درجة ان العديد من «الشيكات» المصرفية التي حررتها رفضتها البنوك لأنها دون رصيد.. وتشير الاحصائيات المقدّمة في هذا الاطار بأن ما كسبته فرانسواز ساغان من اعمالها خلال سنوات 1954 ـ 1966 هو حوالي «500» مليون فرنك فرنسي. وتعيد مؤلفة هذه السيرة احد أهم عوامل نجاح «فرانسواز ساغان» الكبير الى بساطة اسلوبها وقدرتها البارعة على التعبير عن أدق المشاعر الانسانية وبكثير من الشاعرية.. الى درجة ان الكثير من النقاد رأوا في كتاباتها شيئاً من اشعار «شارل بودلير» او «بول ايلوار».. وتجدر الاشارة هنا مرّة اخرى بأن «فرانسواز ساغان» قد «وجدت» عناوين رواياتها في اعمال هذين الشاعرين كما لدى «بروست» او «راسين». وكانت «فرانسواز ساغان» كما تقدمها مؤلفة هذا الكتاب، قد وصلت الى قمة «نجوميتها» عندما بلغت سن الثلاثين.. كان ذلك عام 1965 وكانت تملك آنذاك كل ما يمكن ان «يحلم» به «شاب» او «شابة».. لقد كان حسابها المصرفي يقارب ما يملكه نجوم السينما وسيارة «جاكوار» فخمة وبالاضافة الى «زواجين» و«طلاقين».. وابن وست روايات واربع نصوص مسرحية.. وأهل رائعين وحفنة من الاصدقاء المخلصين.. لقد كانت تمتلك «احساساً بالاستقرار الذهني الذي لم تكن زعزعته ممكنة حتى آنذاك» كما تقول هي نفسها. لكن الى جانب هذا كله ايضاً تعرّضت في تلك الفترة لـ «حادث سير» كما كانت قد بدأت فترة «استجمام» من المخدرات. لقد تردّت بعد ذلك الاوضاع المعاشية لـ «فرانسواز ساغان» من جميع النواحي وبدأت فكرة «الزوال» تنطرح امامها تقول: «لقد تعودت شيئاً فشيئاً على فكرة الموت وكأنها فكرة مسطحة..». ولكنها لاتزال تعيش و«تشغل» الناس.. وليس أدل على ذلك من واقع ان الاسابيع الأخيرة المنصرمة قد عرفت صدور ثلاث كتب «دفعة واحدة» وموضوعها واحد هو «سيرة حياة فرانسواز ساغان». ولايزال الشباب يقرأون حتى اليوم «مرحباً ايها الحزن» و«هل تحبين براهمز؟».. ولاتزال الاديبة «النحيلة» تتحدّى حتى «الموت»