بيان الكتب: يعد كارلوس فونتيس، المنتمي الى تيار الواقعية السحرية في الادب، احد أهم روائيي اميركا اللاتينية المعاصرين والشخصية المكسيكية الاكثر تميزاً على الصعيد الثقافي والسياسي، وعلى صعيد تميزه الابداعي فإن فونتيس، هو صاحب موهبة استثنائية اسطورية في الرواية والقصة والمسرح وفي دوره كمؤرخ لتاريخ الأدب. ولد كارلوس فونتيس في بنما سيتي سنة 1928 وامضى فترة طفولته وشبابه متنقلاً بين اميركا الشمالية وبيونس ايريس والعديد من دول اميركا اللاتينية خلال الفترة التي عمل فيها والده دبلوماسياً في تلك المناطق، التجربة التي اسهمت في تشكيله على المستوى الابداعي الأدبي وفي تكوينه منظوراً انسانياً عالمياً فريداً لعب الدور الاكبر في التأثير على قراءته لديناميكيته الثقافية والثقافة الاميركية اللاتينية على وجه الخصوص اضافة الى الوعي بجوهر هذه القضية المهمة. عن دار فرار شتراوس صدرت لفونتيس، مؤخراً، رواية جديدة بعنوان «إينيز» «مايو 2002». والرواية القصيرة التي يدور موضوعها الرئيسي حول ما يطلق عليه فونتيس قصة اول علاقة غرامية في التاريخ بين بطليها قائد الاوركسترا الموسيقية الفرنسي جابريل اتلان فيرارا والمغنية الاولى في فرقة الاوبرا المكسيكية اينيز برادا تؤرخ كعادة مؤلفها لسلطة الموسيقى والعاطفة المتأججة بفعل الحس الفني النابض التي يحيطها فونتيس في روايته بتعبير ضبابي يستعصي على التفسير في اشارة فلسفية عميقة اليها باعتبارها فناً. تأتي رواية فونتيس متضمنة حكايتين رومانسيتين متداخلتين تعكس كل منهما صورة الاخرى في مرآة كريستالية شفافة وغامضة في رواية «اينيز» قصتين متقابلتين في احداهما وهي الرئيسية يلتقي فيرارا الفرنسي اينيز المكسيكية فيما هو يستعد لاحياء حفلة موسيقية في لندن ولعدة سنوات تربط بينهما علاقة غرامية استثنائية ثم يفترقان، تتنقل هي بين علاقات كثيرة من الحب الى الزواج وهو يرقص على انغام موسيقى بيرليوز لعنة فاوست مستدعياً الى ذاكرته تلك العلاقة التي كما بدأت انتهت ليظل كل من بدايتها ونهايتها لغزاً غامضاً لا يمكنه ان يفسره. خلال كل مشهد من المشاهد الرومانسية التي يلتقي فيها الاثنان يكون هناك نقاش ورؤية فلسفية غير عادية حول جوهر ومعنى الموسيقى والفن والحياة يطرحه فونتيس على لسان بطليه جابريل فيرارا واينيز المرأة الجميلة الموهوبة ذات الشعر الاحمر الذي يحبه. القصة الثانية التي يرويها فونتيس هي حكاية غموض تدور احداثها حول ذلك الايقاع الذي يظل مستمراً من بداية العمل الى نهايته والراوي «فيرارا» الذي يستخدمه فونتيس كتقنية سردية يكون قد وصل الى سن 93 وهو يلتفت في لحظة من اللحظات لنرى القصة من منظوره كماسترو يتذكر حياة كانت مفعمة بالحياة وبالموسيقى والتفاهم والاستراتيجيات الشخصية ويتساءل مثل فونتيس ومثل القاريء ترى ما الذي كان بينهما؟ ما الذي اعاق استمرارية ما كان وحال دون حدوث ما لم يحدث على الإطلاق؟ هل كانت تلك قصة شبيهة بصفقة فاوست للحب والموت ربطت بين قائد الاوركسترا والمغنية الجميلة لتقتلهما؟ هاتان القصتان الرومانسيتان الغامضتان، قصة الماسترو والمغنية وقصة موسيقى لعنة فاوست تستحوذان على تفكير فيرارا لتتحولا الى لغز ربما تأتي له ان يفسره بوصفه شيئاً مغوياً «كلاهما المرأة والموسيقى» يمكن حامله من قراءة لغة مبهمة غير مقروءة ومن مشاهدة اشياء اسطورية تفوق التصور. ان ثنائية مرآة رواية اينيز يمكن في احدى شطريها من رؤية الاشياء البعيدة الحدوث والاخرى الاشياء القريبة الوقوع وهو فعل في حقيقته يتجاوز حدود الزمان والمكان كما تكسر الزجاجة المسدودة باحكام شعاع الضوء ليكشف عن حقبة زمنية قد تمتد الى ما قبل التاريخ تصعد الى ما لا نهاية. ان روايات كارلوس فونتيس تدور في غالبيتها حول قضايا الهوية والتاريخ التي يعالجها في قالب مركب مؤلف من عناصر الواقعية السحرية في احداثها وشخصياتها البسيطة اليومية التي تتحول فجأة الى اسطوريات تتجاوز حدود الزمان والمكان الذين نعيش في حدودهما، الاطار الذي ينتمي اليه أدب اميركا اللاتينية بشكل عام منذ مرحلة ما قبل الستينيات. في «سنوات مع لورا دياز» «2001» يقدم فونتيس قصة تجسد الرواية التاريخية الحقيقية الثقافية والسياسية للمكسيك في القرن العشرين من خلال شخصية امرأة تتمتع بملكة عقلية استثنائية في الفن والسياسة «لورا دياز» وتعيش كغيرها من ابناء الشعب المكسيكي في عالم يملؤه الفساد والعنف. وفي هذه الرائعة الادبية يقودك فونتيس الى مناقشة أمور تتعلق بالوجود الانساني عبر اسلوب استثنائي تمتزج فيه الواقعية بالاسطورة والخيال والتجليات الكثيرة التي تجعل هذا التأريخ الذي يؤسس له قوياً الى حد انه يستحوذ على ذهنك بصفتك قارئاً ويحملك معه صعوداً وهبوطاً بين الشعور بالمتعة والاحباط وخيبة الامل في كل لحظة يؤرخ فيها لملحمة هذه المرأة منذ لحظة ميلادها الى لحظة موتها وعذاباتها وافراحها باعتبارها فتاة وزوجة واماً ومناضلة. بغض النظر عن كونه اكثر كتب المكسيك اهمية، فان كارلوس فونتيس هو أيضا كاتب مثير للجدل، فيما يتعلق بطرحه وجهات نظر سياسية واجتماعية تضمنها كل اعماله الروائية والقصصية وحتى مقالاته ومقابلاته ولم يستثن منها اي من هذه الأعمال، الاكثر واقعية فان فونتيس لا يقوم على الاطلاق بفرض رقابة على آرائه او رسمه صورة صريحة للمجتمع المكسيكي في الداخل والخارج على طرفي الحدود بين اميركا اللاتينية واميركا الشمالية حيث الاختلافات الثقافية والصراع وازمة الهوية. في روايته المؤلفة من 9 قصص تتراوح بين القصيرة جدا والطويلة موزعة على 272 صفحة «الجبهة البلورية» يسعى فونتيس للاشارة الى التأكيد على مفهوم الهوية من خلال التقسيم الذي يعاني منه ابناء المجتمع المكسيكي في حياتهم داخل وخارج هذا المجتمع. لكن ما يعزز جمالية هذه النصوص هو قدرة مؤلفها وعمق بصيرته التي تمكنه من الكشف عن الاسباب الحقيقية لأشكالية الهوية بالنسبة للانسان المكسيكي، هذه الاشكالية المتمثلة في الهوة الفاصلة في الاساس بين اميركا وبين المكسيك المنعكسة آثارها على حياة الناس «شخصيات فونتيس» على نحو لا يرحم. تقول احدى شخصيات فونتيس عن حالة الضياع التي تعيشها في المجتمع الاميركي: «انك لا ترى طوبة واحدة، ولا آجرة من طين، لا يوجد غير الرخام والاسمنت والحجر والحديد الاكثر صلابة، بوابات بعد بوابات، بوابات بداخل بوابات، بوابات في وجه بوابات، متاهات، وصرير المرائيب وهي تفتح ثم تتقاطر الى جوفها كما يسيل البول من المثانة قطعان من سيارات البورش والمرسيدس». وكل ما يمكن قوله عن جبهة الكريستال هو أنه حتى بتقسيمه الى اجزاء صغيرة «قصص قصيرة» ينجح في رسم صورة ملحمية لحياة اجيال تعاني من الهزيمة والانكسار وتطمح الى حماية نفسها «الجبهة البلورية كالمرآة تسلط الضوء على حياة كل واحد من هؤلاء وكل شخصية تنعزل فجأة ثم تلمع ثم يخبو بريقها» تماماً كما يريد المؤلف ان يقول ضمن اجندته السياسية. موضوع دراسة فونتيس في كتابه «المرآة المدفونة» هو حالة التكيف الثقافي التي يصبح من اللازم على الانسان التعاطي معها وهو مفهوم مختلف تماماً عن العولمة الثقافية. كما ان فونتيس باعادة تقليبه التاريخ بيد الروائي المحنك يعطي لمحة ساحرة عن الثقافة الاسبانية «هسبانك» على ضفتي المحيط الاطلسي، غنية بتفاصيلها وصورها تكفي لاعادة الحياة الى هذه الجزئية المهمة من تاريخ اميركا اللاتينية. في البداية يستغل فونتيس ذكرى الاحتفال باكتشاف كولومبس العالم الجديد «اميركا» لكي يشير الى تجربة أميركا اللاتينية والتكيف الثقافي للثقافات الاميركية المنحدرة من الثقافة الاسبانية كما يشير الى ضرورة استيعاب الرسالة السيكولوجية التي يضمنها رسالته التاريخية يقول فونتيس: «كلنا رجالاً ونساء عندما ندرك ان احداً منا ليس نقي العرق واننا كلنا بلا استثناء واقعيون ومثاليون، ابطال وتافهون». حينئذ ندرك حقيقة النهوض والسقوط وعظمة الموروث التاريخي الاسباني الذي بدأ يستعيد أهميته وما يعنيه ذلك لشعوب الاميركيين. على صعيد موهبته الروائية، يقدم فونتيس في هذه الدراسة التوثيقية التحليلية المصورة صورة تاريخية رائعة الجمال «المرايا الموجودة في مقابر الهنود الحمر التي ترشد الموتى الى الآخرة او الى الاستدلال في رحلة البحث عن السلام الأبدي يستغلها بعقد مقارنة بينها وبين الصورة التقليدية المعروفة عن علاقة الحب والكراهية التي تحكم علاقة شعوب اميركا اللاتينية بموروثها الثقافي الاسباني التي لابد من التأمل فيها لاكتشاف العلاقة الحقيقية التي تربط هذا الموروث بالعالم الجديد المتشكل لاحقاً والذي ظلت هذه الثقافة ومازالت تمثل رافداً بالنسبة له. مريم جمعة فرج