بيان الكتب:الروائي والكاتب المكسيكي كارلوس فونتيس من مواليد بنما سيتي سنة 1928. وهو ابن دبلوسي تنقل مع اسرته لسنوات طويلة بين واشنطن دي. سي وبيونس آيريس والارجنتين وتشيلي والعديد من دول اميركا اللاتينية وهي المحطات التي امضى فيها فونتيس مرحلة طفولته وشبابه. نال اجازة في الحقوق من الجامعة الوطنية المكسيكية، بالاضافة الى تخصصه فيما بعد في العلاقات الدولية بمعهد الدراسات الدولية في جنيف. هو الكاتب الأكثر تميزاً بين كتاب اميركا اللاتينية على صعيد العمل الثقافي والسياسي حيث استطاع ان يجمع طوال سنوات حياته بين عمله كروائي ودبلوماسي واكاديمي. منذ عامي 1972 ـ 1975 عمل سفيراً لبلاده الى فرنسا. وفي المرحلة التي تلتها تقلد مناصب اكاديمية في بريطانيا والولايات المتحدة من بينها منصبه كأستاذ للدراسات الاميركية اللاتينية في جامعة هارفارد. أهم أعماله: «حيث الجو اكثر صفاء» 1958، «موت ارتميو كروز» 1962، «تغيير جلد» 1967، «تيرا نوسترا» 1975، «العجوز» 1985، «الحملة» 1990، «الجبهة البلورية» 1998، «سنوات مع لورا دياز» 1999، «المرآة المدفونة» 1992 «دراسة»، «إينيز» 2002. حصلت أعماله على العديد من الجوائز الادبية من بينها جائزة سيرفانتس سنة 1987. أهم ما يمكن ان يقال عن ادبه هو علاقته بالواقعية السحرية بوصفه احد أهم اقطاب هذه المدرسة الابداعية الحديثة التي بدأت في الاساس في اميركا اللاتينية. حتى في مظهره العادي، الياقة المفتوحة المتحررة من ربطة العنق، وبنطلون الجينز، يبدو كارلوس فونتيس شخصية شديدة الاناقة، وهذا ما يوحي به لون عينيه الغامقتين في الوقت الذي تأخذ ملامحه بالايغال في العمر. هذا الروائي المكسيكي البارز بدأ للتو في التقدم باتجاه ما يسميه العالم الجديد بأكمله... عالم كتابة الاعمال غير الروائية. بعد كتابته رواية «المرآة المدفونة» بدأ فونتيس رحلته الترويجية للكتاب حول العالم. وبعد كتابته ايضاً سلسلة الاعمال التلفزيونية المصاحبة له، بدأت لديه الرغبة المحمومة في البحث عن موروثه الثقافي الشخصي. فونتيس لايزال غير قادر على نسيان ما حدث له في الستينيات، في تلك الاثناء قدم كينيث كلارك برنامجه التلفزيوني الشهير «الحضارة»، وفيها ايضاً تنقل المؤرخ الادبي المعروف بين القارات وبحث في الحضارات القديمة، وعلى الرغم من ذلك فقد استثنى في بحثه اي اشارة الى العالم المزدهر المنتمي الى الثقافة الاسبانية، الذي يشعر فونتيس انه ساهم في ظهور الكثير من شعوب اميركا اللاتينية. «تعرف جيداً» ان كينيث استثنى هذا العالم بكامله، لان اسبانيا واميركا الاسبانية اللاتينية كانتا مشغولتين دائماً وعلى نحو اكبر بالقمع وعدم التعصب منها بأمور الثقافة والحضارة. أيا كانت عدالة وجهة النظر التاريخية هذه فان هذا قد يبدو الوقت المناسب لإعادة التوازن مرة اخرى. فونتيس من جانبه قادر بما فيه الكفاية على التسليم بمبدأ الفجوة العميقة الفاصلة ما بين «الشعوب الطيبة» البدائية التي ظهرت في منطقة الكاريبي والامبراطوريات التي تلتها والتي كانت فترة حكمها مبنية على القمع والقتل وازهاق ارواح الناس والاستخدام الوحشي للسلطة من قبل الغزاة الاسبان. كما كان عليه ان يذكرنا بأن احداً لم تكن لديه القدرة على السيطرة على الخير والشر. ويبدو اننا قد نسينا «يقول باعتراض» اننا مخلوقات بائسة، الى درجة اننا نرتكب تجاوزات فظيعة. واذا فكرت في ذلك فمنذ القرن الثامن عشر، ظل الغرب مهووساً بالتقدم والكمالية الى حد انه لم يكن قد استعد بعد للفظائع التي ينتظرها القرن «العشرين»، لمعسكر اوشفيتز النازي او الجولاج المزارع الجماعية الستالينية وللعنف الذي ظلت كل شعوب العالم بلا استثناء تبرهن على انها قادرة على انزالها بغيرها من الشعوب!. ان فونتيس نفسه قرر انه كان سيبحث ويحتفي بالمساهمات العظيمة للثقافة الاسبانية في اميركا اللاتينية على الرغم من ماضيها الذي تميز بالعنف، وانه سوف ينتقل ليس ضمن حدود قارته فقط ، وانما سيقوم بزيارة القارات المجاورة لقارته في الشمال والشرق. وعلى الرغم من ذلك فانه ما ان قابله مايكل جل من هيئة الاذاعة البريطانية مذيع الحلقات التي كان يشرف عليها كينيث كلارك حتى تمت مواجهته. فالثقافة هي قبل كل شيء، نتاج تفاعل العديد من الاصول العرقية والكثير من المعتقدات، وفاعليتها هذه يجب البحث عنها في كل مكان. وكلنا ننحدر من الاغريق والرومان، من العرب واليهود... كل الاعراق التي تشكل منها وجه اسبانيا. في حين انه يجب علينا نحن المنتمين الى العالم الجديد ان نبحث في هذه الجذور لكي نعرف من نكون في يومنا هذا. لقد كانت نتيجة بحثه الطويل الشامل ان قدم لنا كتابه «المرآة المدفونة» وهو كتاب انيق مصور اما مظهره فعلى الرغم من انه قد يوحي بالمتعة الموجودة بداخله الا أنه يظل في النهاية مخيباً لآمال الذين ربما تصوروا ذلك. كتاب فونتيس هو كتاب يحتوي على نصوص مليئة بالتجديد والابداع تستحوذ على الذهن من الجلد الى الجلد. مليئة بالتبصر فيما يتعلق بالاحداث التاريخية، والمداخلات البارعة للفن، والنظريات المقنعة التي تدور حول الدور الذي لعبه الفنان في المجتمعات القمعية المختلفة لكل مرحلة تاريخية، كما انه مليء بالتفاصيل المتعلقة بالحياة اليومية ذات العلاقة بمرحلة اكتشاف العالم الجديد. هناك ما يشير في كتابه الى ملاحظاته مثلا للحقبة الرومانية المبكرة وما يتعلق منها بشخصية الشعب الاسباني، يقول عن هذه المرحلة «كان الآيبيريون شعباً قوياً ومتزناً وجديراً بالاحترام» لكنه كان يفتقد النظام الى حد انه لم يكن بوسعه ان يتحول لكي يثور على اعدائهم، وهكذا فقد كانت هزيمة الايبيريين على يد الرومان المحاربين سهلة في الواقع وكذلك يعرف القاريء شيئاً عن الدلالات المهمة لرياضات كمصارعة الثيران واهميتها باعتباره طقساً، وابطالها الذين ظهروا في فترة مبكرة «بيدرو روميرو» الذي رسمه جويا في احلى لوحاته، هذا الرجل الذي مات في الثمانين دون ان يترك قتله 5558 ثوراً اي علامة على جسده. والأهم ان روميرو كان قد أسس هذه الرياضة بمدرستها الحديثة في روندا وكان هو شديد التأثير في هذه المؤسسة. شيء اخر يسلط عليه كتاب فونتيس الأضواء، هو الطقوس شديدة الغرابة، مشيراً الى الاستعراضية المميزة لازيائها التقليدية كالسراويل الضيقة التي تبرز الاعضاء ومراسم اختيار المجالدين الشباب الذين يهيمون عراة على وجوههم عبر الانهار وفي الغابات ليمارسوا تمريناً حسياً يعرضهم للخطر يهدف الى تهيئتهم للتصدي للحيوانات الضارية. وهناك الكثير من الظواهر الحية وكل انواع الجدل الذي يتعلق بتبني هذه الطقوس وجعلها طقوساً محلية اسبانية كثقافة الغدران والفلامنكو. بالاضافة الى ذلك يبدو فونتيس اكثر اهتماماً بالاستمرارية، الأمر الذي يمكننا ان نستفيد منه في كل مرحلة لكي نعرف انفسنا. وكما هو الحال في كتابه المرآة المدفونة، وكما هو الحال في غيرها من المرايا المدفونة في كل من منطقة البحر الابيض المتوسط او في مقابر الهنود الحمر القديمة في اميركا المدفونة هناك كشيء مظهري لكي تمارس دورها في ارشاد الموتى الى العالم الاخر، يريد لرحلته الى الماضي ان تقودنا الى اكتشاف صورتنا وهويتنا التي نعيش بها في اللحظة الراهنة. غير ان فونتيس كما يعقب يفكر في المستقبل ايضا «نحن من بين الشعوب الاميركية علينا ان نلعب دوراً متميزاً في القرن الحادي والعشرين لأننا بشر متميزون انحدرنا من خلفيات ثقافية عظيمة كلها تجتمع في كل شعب من شعوبنا»