بيان الكتب: ينطلق هذا الكتاب (الطبقات الاجتماعية ومستقبل مصر) للدكتور عبدالباسط عبدالمعطي من مسلمة أساسية هي: أن أحوال الطبقات الاجتماعية في أي مجتمع من حيث مفرداتها ووعيها بمصالحها، ومصالح المجتمع، وتحالفاتها وصراعاتها من أجل تحقيق هذه المصالح ذات تأثير أساسي على كفاءة الاداء الاقتصادي والسياسي والتشريعي للمجتمع. ولهذا اجتهد الكتاب ومؤلفه لرصد التغيرات التي عايشتها الطبقات الأساسية في المجتمع المصري ما بين عام 1970 وحتى 2000، وصولا الى رصد معلوماتي ومعرفتي يمكن من استشراف البدائل المستقبلية للمجتمع المصري. تلك البدائل المشروطة بسيناريوهات مفترضة: المرجعي والرأسمالي الجديد، والدولة الاسلامية والاشتراكية الجديدة، والتآزر الاجتماعي. وكان الهدف الأساسي من وراء هذا هو تحليل العلاقات الجدلية بين الطبقات وهذه السيناريوهات تطلعا لبلورة وعي مستقبلي بمشروع تنموي مصري يقوم على الكفاءة والمشاركة والعدالة والابداع والتجدد الحضاري كشروط ضرورية لاستدامة التنمية. ويهمنا في عرض هذا الكتاب الهام ومن البداية أن نحدد مفهوما للطبقة الاجتماعية: هي جماعة تشترك في موقع متشابه نسبيا مع ملكية وسائل الانتاج، أو ضبطها، أو من علاقات العمل وأنماطها، وتتبلور بتبلور وعيها بمصالحها المشتركة، وسعيها لتحقيق تلك المصالح من خلال تنظيم حركتها، وتفعيل مشاركتها. وبعد استعراض نظري في فصل كامل هو الفصل الأول من الكتاب للصياغة النظرية والمنهجية للبحث وفي القلب من ذلك المفاهيم والقضايا النظرية والفرضيات. يتناول الفصل الثاني سالتكوين الاجتماعي المصري في السبعينيات من حيث المواقع الطبقية الأساسية في أوائل السبعينيات والتناقضات الطبقية الأساسية عند نهاية المرحلة الناصرية حيث كان التكوين المصري عند أوائل السبعينيات محملا بتناقضات أساسية في الكثير من مستوياته خاصة تعايش أو تنافر أكثر من نمط انتاجي ولأن أي تغيرات مجتمعية لا تحدث في سياق لحظات واحدة وإنما تأتي متفاوتة، سرعة وعمقا، بتفاوت تبلور تناقضات العلاقات الاجتماعية والمصالح والوعي، والمضمون الطبقي بسلطة الدولة، فإن ذلك ينعكس على التعامل مع تلك التناقضات وعلى الأوضاع المتفاوتة للمواقع الطبقية. وكما تفيد أدبيات التغير الاجتماعي أنه إن لم تكن مستويات التكوين المحدد مؤهلة للتغيير. فإن العوامل الخارجية لا تصنع ذلك التغيير من العدم. ففي حالات غير قليلة توجه الأوضاع والعلاقات الداخلية دور العامل الخارجي ومواقع تأثيره، ولهذا تعد التناقضات الداخلية الأساسية داخل أي تكوين نقطة انطلاق مهمة لفهم توجهات التغيرات ومداها، خاصة تناقضات العلاقات والمصالح بين المواقع الطبقية الأساسية. وابتداء من خطة التنمية الثانية من منتصف الستينيات واجهت النظام المصري عدة مشكلات كان في مقدمتها بروز مشكلات حادة لتمويل هذه الخطة واعادة تعبئة الفائض وفاقمت من هذه المشكلات هزيمة 1967 والسعي نحو اعادة بناء القوات المسلحة، وبرزت تيارات من داخل النظام الحاكم راغبة في التوجه الرأسمالي ـ وكان من أنصار ذلك التيار زكريا محيي الدين وعبدالمنعم القيسوني لقد جعلت كل تلك الأوضاع التكوين المصري في مفترق طرق. إما الانتقال الى الطريق الرأسمالي بما يقتضيه من متطلبات تمكين رأس المال من إعادة انتاج نفسه على قواعده الخاصة وفي مقدمة هذه المتطلبات اعادة الاعتبار للرأسمالية الخاصة، وازالة العقبات التشريعية والتنظيمية والمالية من أمامها، وإما إقصاء الرأسمالية من صيغة تحالف قوى الشعب العامل، والتحول نحو صيغة أكثر راديكالية. وكما هو معلوم فقد تحركت سلطة الدولة والرأسمالية في الاتجاه الأول مع سياق عربي ـ الحقبة النفطية ـ تولي الضغط في اتجاه التكيف مع الطريق الرأسمالي، وكان هذا إيذانا بإحداث تغيرات أساسية في التكوين المصري في اتجاه الإنتاج الرأسمالي، وعلى مشارف السبعينيات تم إفساح الطريق أمام رأس المال الخاص. إلا أن الرأسمالية المحلية لم تتفاعل مع ما أتيح لها في القانون 65 لسنة 1971، وكان المطلوب دعما آخر من خلال الاندماج في السوق العالمية لرأس المال! ومن ثم كان اصدار القانون 43 لسنة 1974 الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار العربي الذي وفرته الثروات النفطية الأجنبية، والذي كان نقطة الانطلاق في عملية اعادة الانتاج الموسع التي شهدها التكوين الاجتماعي المصري، وأيضا الاندماج في التقسيم الدولي للعمل، وفتح أبواب هجرة المصريين الى الخليج. وكان من جراء هذا التحول قرار السادات نحو التعددية السياسية والذي أراد به تطوير الاطار السياسي بحيث يكون جاذبا لرأس المال الأجنبي وبالذات بعد تزايد الضغوط الخارجية عليه من أجل توفير مناخ مناسب للاستثمارات الأجنبية كما يظهر هذا التأثير على المستوى التنظيمي للمواقع الرأسمالية حيث تم إنشاء المجلس المصري الأميركي في عام 1974 بهدف تشجيع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة طبقا لاتفاق بين نيكسون والسادات. وضم المجلس عددا من كبار رجال الأعمال من البلدين، وتضمنت صلاحيات إنشائه أن تحال توصياته الى صانع القرار في البلدين لأخذها في الاعتبار عند رسم العلاقات الاقتصادية وطبقا لوجهة نظر واحدة من الدراسات المصرية، فإن الموضوعات التي تناولها هذا المجلس كانت تمس السياسة أكثر مما تمس مشكلات الاستثمار في مصر، وكان اهتمام الجانب المصري بهذه الاجتماعات على أعلى مستوى سواء من جانب الرئيس أو المجموعة الاقتصادية. ورغم تعدد وتعقد الصعوبات التي تواجه تعريف الرأسمالي. إلا أن الباحث من جراء ذلك التعقيد يأخذ بمفهوم بسيط للغاية وهو: من يمتلك أو يسيطر (أو كلاهما معا) على رأس المال سواء في صورته النقدية أو العينية، ويستخدم العمل المأجور بمختلف مستوياته المهارية بهدف الحصول على نصيب أكبر من فائض القيمة سواء كان يوظف ملكيته لرأس المال في قطاع الانتاج المادي، أو نطاق التداول والخدمات الضرورية لتحقيق فائض القيمة ومن ثم تحقيق التراكم الرأسمالي، وهو تعريف يخص الرأسمال الفرد وبالتالي لا يعكس صورة الطبقة الرأسمالية التي هي كل غير قابل للانقسام الى أفراد. ويهمنا التأكيد على أن الرأسمالية المصرية على مشارف السبعينيات كانت تعاني من ضعف مرتكزاتها الاقتصادية عموما وافتقادها شبه الكامل لأقسام مهمة في تكوينها مثل: الرأسمالية المالية وهو ما يعني افتقادها لبعض الأسس الموضوعية لتبلورها كطبقة متمايزة، ورغم ذلك فإن التغيرات التي شهدها التكوين الاجتماعي المصري في منتصف السبعينيات أدت الى بدء تحولها وتبلورها كقوة اجتماعية، وأضحت طبقة بالقوة رغم أنها لم تكن طبقة بالفعل. وقد شهدت الرأسمالية العالمية في الأنشطة التجارية منذ منتصف السبعينيات ـ تقريبا ـ وحتى الآن نموا وتغيرا واضحا. لقد تحدثت معظم الدراسات لاتي تناولت فترة السبعينيات عن ما أدى اليه الانفتاح الاقتصادي من تشوه في الهيكل ممثلا في نمو النشاط التجاري على حساب النشاط الصناعي والانتاجي عموما. لكن الاحصاءات والبيانات تكشف لنا أن مساهمة التجارة في الناتج القومي لم تشهد إلا ارتفاعا طفيفا في فترة السبعينيات من 11.3 عام 1973 ـ أي قبل اعلان قوانين الاستثمار ـ الى 12.8 عام 1979 أما في حقبة الثمانينيات وصل نسبة النشاط التجاري من الناتج القومي ما نسبته 19 عام 1986. أتاحت مجمل التطورات التي شهدها التكوين الاجتماعي المصري فرصا واسعة لنمو وتوسيع رأسمالية المقاولات حيث كانت فترة النصف الثاني من السبعينيات أشبه بالعصر الذهبي لنشاط المقاولات، وفي هذا الاطار سيطر نشاط التشييد على 60 من القروض والمنح الدولية، وقد أدى هذا التوسع الى تمكين نشاط المقاولات من تحقيق طفرة في معدلات نموه وعلى سبيل المثال عام 1977 وصل حجم قيمة التعاقدات التي أبرمها نشاط المقاولات في عام 1977 الى 174 مليون جنيه تقريبا، بينما كان حجم الأعمال المنفذة بالفعل حوالي 121 مليون جنيه، بنسبة 70 تقريبا من حجم التعاقدات المبرمة. وهكذا بدأ تشكل خريطة اجتماعية وطبقة جديدة لمصر من 1974 وحتى الآن وذلك بمد سن القوانين والتشريعات الفاتحة لطريق التطور الرأسمالي للريف المصري والانفتاح الاقتصادي والخصخصة والبورصة وغيرها من التشريعات ويكفي أن نشير الى أن الخصخصة صدر لها القانون 203 لسنة 1991 والذي تم بمقتضاه تحديد الشركات التي تخضع للخصخصة بحوالي 314 شركة تنتظم في عدد من الشركات القابضة، كما صدر القانون 95 لسنة 1992 الذي أنشأ المؤسسات غير المصرفية التي تعمل في السمسرة والترويج وضمان الاكتتاب، وغيرها من المؤسسات التي تولت تنفيذ برنامج الخصخصة، والمؤشرات المتاحة توضح أن عملية الخصخصة سارت في النشاط الصناعية بوتيرة أعلى من بقية الأنشطة، وحتى مايو 1999 كانت تلك الشركات تمثل 64 تقريبا من عدد الشركات التي طرحت أسمهمها في البورصة، ومثلت 85 تقريبا من الشركات التي بيعت لمستثمر رئيسي، بينما تم بيع ست شركات صناعية بنسبة 21% لاتحادات العاملين، وهي شركات المضارب التي تتميز بارتفاع عدد العمال العاملين بها. وهناك أيضا 12 شركة صناعية بنسبة 44% من اجمالي الشركات عدت تحت التصفية وبحلول عام 1996 ارتفعت مساهمة القطاع الخاص الصناعي الى 74%من ناتج النشاط الصناعي بعد أن كانت 58% تقريبا عام 1991. مما سبق تبين أن صورة الرأسمالية المصرية في نهاية حقبة التسعينيات تبدو مختلفة عن مثيلاتها في بداية السبعينيات، لقد اتجهت نحو أن تكون طبقة بالفعل وليس بالقوة بعد تبلور الكثير من أقسامها وتنامي قوتها وحضورها الاجتماعي. ويمكن توزيع المواقع الرأسمالية عند نهاية التسعينيات على ثلاث شرائح رأسية رئيسية: فهناك الشريحة الكبيرة وهي تضم جماعة قليلة العدد من كبار رجال الأعمال (طبقا لتقدير أحد الحالات يصل عددهم الى 40 تقريبا) تعمل في معظم الأنشطة الاقتصادية كأنشطة الوكالة والتصنيع (تحت العلامة الأجنبية) والاستيراد والتصدير وأنشطة الاستثمار العقاري وأنشطة سوق المال. وأما الشرائح المتوسطة من الرأسمالية فهي أقرب تعبيرا عن رأسمالية المنافسة وهي تشكل الجسد الرئيسي للرأسمالية المصرية ويملأ عناصرها مختلف الأشكال التنظيمية التي تعبر عن الطبقة مثل جماعات رجال الأعمال واتحادات الصناعات المصرية والاتحاد العام للغرف التجارية. وتعيش الشرائح الوسطى من الرأسمالية في كنف الشريحة الكبيرة وتخضع لسيطرتها. وأخيرا يقدم الباحث مجموعة البحث تصوراتهم للمستقبل المصري عام 2020 ميلادية. أمين اسكندر