بيان الكتب:الحلم الذي يدفع الدارس الباحث للاحاطة بموضوعه بدءاً من بداية الحروف مروراً بالظاهرة الحضارية وانتهاء بالموضوع، الذي انكب على دراسته، الحلم هذا له ما يبرره، وان كان من قبيل المستحيل الذي لا يدرك، الا انه ينعكس على البحث في صورة امتلاك اذواق. حاول هلال الجهاد ان يطرح مسألة الشعرية على بساط البحث مجدداً، وخصوصاً في النقد العربي الحديث الذي لم يعد منتجاً للمصطلح بقدر ما يستقر عليه، سواء جاء من خلفية القرن الهجري الرابع، او من وفادة الاصطلاح النقدي الغربي. قيمة بحث هلال الجهاد هي في نقضه الاولي لبديهية شهيرة، وهي التعامل مع «الشعر الجاهلي» وكأنه تكون دفعة واحدة، بلا سياق، لم يسبقه عامل يؤثر فيه او عنصر يساهم في تشكيله. اذن تبدأ القيمة المعيارية عند الجهاد بكونه يبني بحثه على الاكتشاف الاول، والبساطة الاولى، حيث يبدو الموضوع وكأنه قد صار موضوعاً للتو، على العكس من دراسات تتعامل مع حركية الثقافة من منطلق سكوني، عندما يكون «الافتراض» سبباً للبحث، ومعيقاً له في آن واحد يكون معيقاً عندما يتحول الى نتيجة لا يظهرها سوى القسر البحثي، ليس إلا. في دراسة الجهاد ثمة ما يفلت من الفحص والاختبار بسبب جنوح تركيب الجملة لديه باتجاه الاختزال الفلسفي المعتمد على شيفرة قد تكون شخصية، الا ان صورة البحث ولغته لم تختف او تتلاشى، بل على العكس من كل هذا. يحدد الجهاد بؤرة بحثه بكونها نقضاً لاعتبار الشعر الجاهلي «انعكاساً لنمط البداوة» معتبراً ان هذا بمثابة خلط «بين الشعر واللاشعر» ليقدم اقتراحاته لحل هذه المعضلة بالفصل «بين الشعر، بما هو شعر، والواقع، بمعناه الجامد» منطلقاً من ان الشعر الجاهلي لا يمكن «ان يكون كياناً معرفياً جامداً» فيتجه الى طرح رؤيته ـ او تقييمه ـ لهذا الشعر، دون ان نلمح تمهيداً ما، ليصفه بأنه «استطاع ان يخلق لغة، عالماً شعرياً، ويحول تفاصيل الحياة الهامشية الى رموز غنية بالدلالات تكتنز رؤيته الشمولية..». كان د.الجهاد يريد رد الاعتبار للشعر الجاهلي بوصفه رؤية وقراءة جديدة وذاتية للواقع المحيط، وليس انعكاساً اوتوماتيكياً عنهما، الا اننا لم نقرأ في البحث ما يحدد عناصر المادة المدروسة هل هي بحث في جمالياتها البلاغية، ام الفلسفية، ام التاريخية لكن يتعزز في الكتاب، دائماً، نزوع نحو «تمجيد» الشعر الجاهلي، وان يكن تحت غطاء المصطلح التجريدي الذي اكتنفه في كثير من الاحيان اكثر من مستوى دلالي تجعل من مساهمته في اضاءة البحث امراً ملتبساً. يعتمد البحث في تنقيبه عن الشعر الجاهلي على مقولة «الحركة والسكون» وكان المؤلف يتقصد من خلال استخدامه لهذه المقولة انقاذ قراءة الشعر من افتراض تكونها الكامل دون علاقة بين اوليتها وتبلورها ومن ثم بطبيعة الحال، تحولها الى ظاهرة لهذا يسعى الجهاد الى تفسير الحركة بالحركة لأن «تفسير الحركة بالحركة يصدر عن وعي حركي». اراد المؤلف تطبيق ثنائيته «الحركة والسكون» على فهم تطور الشعر معتبراً ذاتية الشعر للمقابل لسلطة المؤسسة اللغوية، كما يسمي، فلهذا سيغدو «الوعي الشعري يختبر ذاته انسياباً وسيلاناً مستمراً وتغيراً كيفياً» هنا تتخذ الحركة شكل الذات، والسكون شكل المؤسسة. لكن على الرغم من رفض المؤلف اعتبار الشعر الجاهلي متناً شعرياً متجانساً، فإننا لم نقع في الكتاب على ما يوضح لا تجانس هذا الشعر، اللهم الا في اشارات وملاحظات لكنه يعترف في ان غموضاً يلف تاريخية الشعر الجاهلي الذي من مظاهره: «غموض اولية الشعر.. الذي فسح المجال امام الظنون والتخمينات والتكهنات لملء الفجوة الواسعة بين اللاشعر والشعر». هنا يدخل في بعض القراءات الاستشراقية لتاريخية الشعر وتحديداً ما يرتبط بالأوزان الشعرية التي منها الرجز وان الاخير اعتبر «أب» الاوزان الشعرية وهذا ما استغربه ورفضه المؤلف مسمياً ذلك انه «القصور المنهجي» راداً بوجه المستشرقين بقوله: «اذا كان الرجز اصل الاوزان فمن أين جاء؟». كان اصحاب هذا الرأي ـ أولية الرجز ـ يثبتون رأيهم من خلال العلاقة بين مشية الجمل وموسيقى الرجز، ما دفع بالمؤلف الى رفض هذا الربط بعد ملاحظته لـ «متابعة واقعية سير الجمل مرة على ارض هشة ومرة على ارض صلبة». هنا، مرة اخرى، لا نقع عند المؤلف على بناء رفضه بناء يدحض المقولة التي يتجه الى نفيها بل على العكس نجد انه يقرر، بلا تمهيد، ان الاوزان الشعرية العربية «مكون تشكيلي انتجه الوعي المتفوق للشاعر العربي» اي ان مستخلصات البحث تعود وتقع فيما يشبه «التمجيد» على خلفية «القناعة» غير الخاضعة للفحص وهذا ما جعل المؤلف يندفع الى القول: «الشاعر الجاهلي لا يقل شاعرية ووعياً بذاته وبلغته وبعالمه عن اي شاعر حديث وعظيم..» دون اشارة الى ضرورة التفريق بين العناصر المكونة لوعي الاثنين وما يفترضه من نتوءات عميقة. وكون الدراسة تقوم على مقولتي الحركة والسكون، فإن المؤلف يحدد العنصر الأساسي في التغير الجوهري الذي طرأ على بيئة الشاعر العربي البسيطة، وذلك من خلال مجيء «القبائل اليمنية» الى هذه البيئة وتأثيرها فيها وانعكاس ذلك على وعي الشاعر الجاهلي. «.. القبائل الوافدة تكيفت قسراً مع البيئة، فيما كانت القبائل الأصلية تتنبه الى الاختلاف في الروحية الحضارية بينها وبين الاولى» وان هذا الاختلاف ادى «الى التفات الانسان الجاهلي الى اللغة» بسبب «حاجته الى التحرر والانطلاق وانجاز ذاته بفعل المؤثرات الحضارية الجديدة..» معتبراً انها المرحلة التي عرفت فيها اللغة العربية (المجاز). ولأن هذه النتائج لم ترتبط بالتوسع التحليلي اللازم فإن المؤلف نفسه يؤكد ان رؤيته «صورة عامة» لابد لها من «تفصيل مناسب». وبطبيعة الحال يلقي المؤلف ضوءاً تحليلياً على بعض القصائد لشعراء مثل رويد بن زيد بن نهد، واعصر بن قيس بن عيلان، وجذيمة بن الابرش، ومعد يكرب الحميري، وسواهم معتبراً اعظم انجاز حققه هؤلاء الشعراء الاوائل «هو قدرتهم على الارتقاء بذواتهم خارج فوضى واقعهم الذي كان يتخبط في الفناء..» وان النتيجة العامة لقراءة نصوصهم «هي جدلية الوجود للموت ـ الوجود للحياة» ارتباطاً مع مقولتيه الأساسيتين: الحركة والسكون. وانطلاقاً من النتيجة العامة التي وصل اليها «جدلية الموت والحياة» فيبدأ بتحليل المفردات التي قد تكون امتداداً لها مثل الطلل والاغتراب والحجر، وينبغي في هذه العجالة التوكيد على جماليات التحليل الذي طرحه المؤلف لدلالات الطلل والحجر، فهي، ولا شك، على سوية رفيعة من التعامل التحليلي الدقيق. ولعل اهم نتيجة وصل اليها المؤلف، ليس فقط نقض فكرة انسجام الشعر الجاهلي ووحدته بل بنتيجة تزيل الطبقات السميكة عن قراءة لهذا الشعر افترضته مسبقاً، وكيلاً حصرياً للتحدث باسم الجماعة، هذا ما رفضه المؤلف بقوله: «ان كثيراً من الشعراء الجاهليين لم يكن لسان قبيلته، بل كان لسان رؤيته لعالمه». قدم د. هلال الجهاد اقتراحه التحليلي على خلفية يبدو فيها الاطلاع والدأب باديين، وما على قراء الادب سوى فحص الاقتراح ـ اي اقتراح ـ وتقديم رؤية تساهم في فهم تاريخية الشعر كما قرأنا في «فلسفة الشعر الجاهلي». عهد فاضل