فيما يتعلق بجوهر الاقتراحات الاميركية ـ الاسرائيلية المقدمة في قمة كامب ديفيد الثانية وجه الكتاب «التنقيحيون» اتهاما مفاده ان اسرائيل لم تعرض على الفلسطينيين، دولة متواصلة الارض وانما مجموعة من «الكانتونات» او «البانتوستانات» ويقول باراك في معرض التعقيب على هذا الاتهام ان هذه هي احدى الاكاذيب الاكثر احراجا التي برزت من كامب ديفيد، ويضيف: «انني اتساءل لماذا يكذب (يقصد عرفات)؟ لكي نعبر عن الامر بصورة مبسطة يمكن القول ان اي شخص يعرض 92% من الضفة الغربية لايمكن بحكم طبائع الامور تقريبا، ان يجزيء هذه الاراضي الى كانتونات مجزأة. ان الضفة الغربية وقطاع غزة منفصلان، ولكن ذلك امر لايمكن القيام بشيء حياله (وفي اطار اتفاقية سلام سيتم ربطهما بجسر يصل بينهما)». ويقول باراك انه في الضفة الغربية وعد الفلسطينيون بقطعة ارض متواصلة الامتداد لهم السيادة عليها باستثناء اسفين اسرائيلي لايتجاوز في سماكته شفرة الموسى يمتد من القدس عبر معاليه ادوميم وصولا الى نهر الاردن وهنا كان يمكن ضمان استمرار الاراضي الفلسطينية باستخدام جسر او نفق، ويضيف: «قال الفلسطينيون انني (وكلينتون) قد طرحنا مقترحاتنا كشيء يملى عليهم املاء ويفرض فرضا، على طريقة اما القبول بكل شيء او رفضه، وهذه كذبة فكل شيء اقترح كان قابلا للمفاوضات المستمرة، وكان بوسعهم ان يطرحوا اقتراحات مضادة، لكنهم لم يفعلوا ذلك قط». ويفسر باراك «كذبة» عرفات حول «البانتوستانات» على انها تنبع من خشيته من انه «عندما يصل مواطنون فلسطينيون عقلاء الى معرفة المحتوى الحقيقي لاقتراح كلينتون وخريطته التي توضح ما الذي يعنيه 92% من الضفة الغربية فانهم كان يمكن ان يقولوا: «ايها الرئيس لماذا لم تأخذها؟». وفي اطار طريقة مهمة اخرى تعد المقالات «التنقيحية» من خلالها مضللة، يلاحظ انها ركزت على قمة كامب ديفيد (التي عقدت في يوليو عام 2000) بينما تجاهلت كلية على وجه التقريب مقترحات كلينتون اللاحقة (والاكثر سخاء) (التي دعمتها اسرائيل) في ديسمبر عام 2000 والمحادثات الفلسطينية ـ الاسرائيلية في طابا في يناير عام 2001، ويفترض باراك ضمنا ان «التنقيحيين» قد تجاهلوا كلية الانتقال ـ تحت وطأة الانتفاضة ـ في المواقف الاسرائيلية (والأميركية) بين يوليو عام 2000 ونهاية ذلك العام. فبحلول شهري ديسمبر ويناير كانت اسرائيل قد وافقت على اقتراح واشنطن بأن تقوم بالانسحاب من حوالي 95% من الضفة الغربية مع تعويض كبير للفلسطينيين من اسرائيل الكبرى وان احياء القدس العربية ستصبح أرضاً ذات سيادة فلسطينية. ووافق الاسرائيليون على قيام قوة دولية، على الأقل بصورة مؤقتة، بالسيطرة على خط نهر الاردن الممتد بين الضفة الغربية والمملكة الأردنية الهاشمية بدلاً من قيام الجيش الاسرائيلي بهذه المهمة (ولكن فيما يتعلق بقضية اللاجئين التي ينظر إليها باراك على انها قضية «وجود» فإن اسرائيل قد استمرت في تبني موقف صارم. ويقول باراك في هذا الشأن: لا يمكن السماح حتى بعودة لاجئ واحد على أساس (حق العودة) وليس بمقدورنا قبول المسألة التاريخية عن إيجاد المشكلة). لو أن الفلسطينيين، حتى في ذلك الوقت المتأخر، قد وافقوا لأبرمت تسوية سلمية. ولكن عرفات مضى يجر ساقيه جراً لمدة أسبوعين، ثم رد على اقتراحات كلينتون بـ «نعم، ولكن....» بما يندرج في ذلك من مئات الاعتراضات والتحفظات والاشتراطات، وهو ما يرقى إلى «لا» مدوية. ويذهب المسئولون حتى اليوم الى القول إن عرفات قال «نعم» لمقترحات كلينتون المقدمة في 23 ديسمبر. ولكن دنيس روس، مبعوث كلينتون الخاص للشرق الأوسط، الذي كان موجوداً في اجتماع بين عرفات وكلينتون عقد في البيت الأبيض في الثاني من يناير، يقول في مقابلة أجريت معه مؤخراً (بثتها وكالة فوكس نيوز في 21 ابريل 2002) إن عرفات قد رفض «كل فكرة من الأفكار» التي قدمها الرئيس الأميركي حتى فكرة السيادة الاسرائيلية على حائط البراق في المدينة العتيقة بالقدس وأن «الفلسطينيين ستكون لهم في الضفة الغربية منطقة ذات استمرارية. ومن يقولون إنه كانت هناك كانتونات لا يقولون الحقيقة». وفي طابا بدا ان الفلسطينيين يخففون قليلاً من غلواء مواقفهم، بل انهم للمرة الأولى جلبوا خريطة تنازلات فيما يبدو عن 20% من الضفة الغربية. ولكنهم فيما يتعلق باللاجئين واصلوا كذلك التمسك بمواقفهم، وشددوا على ضرورة أن تقبل اسرائيل «حق العودة». وفيما يتعلق بالقدس أكدوا ضرورة ان تكون لهم وحدهم السيادة على الحرم الشريف. لقد انتقد العديد من «التنقيحيين» باراك بشدة كذلك على استراتيجية «سوريا أولاً» التي تبناها بعد وقت قصير من تقلده مهام منصبه، حيث حاول اقرار السلام مع سوريا، ولم يلتفت الى الفلسطينيين إلا في وقت لاحق بعد ان ردته دمشق خائباً. وقد أثر ذلك سلباً بصورة كبيرة على حسن نوايا الفلسطينيين، فقد ساورهم الشعور بأنهم قد جرى تهميشهم. ويسلم باراك بهذه النقطة، غير انه يقول في معرض الايضاح: «قد أيدت دائما منهاج سوريا أولاً، لأنهم لديهم جيش تقليدي (هائل) وأسلحة غير تقليدية، كيماوية وبيولوجية وصواريخ لايصال هذه الأسلحة الى أهدافها. ويمثل هذا في ظل ظروف معينة تهديداً لوجود اسرائيل. وبعد قدوم سوريا للبنان (وهو ما يعني ان اقرار السلام مع سوريا ستنبني عليه فوراً معاهدة سلام مع لبنان) فضلاً عن هذا فإن المشكلة السورية بكل صعوباتها هي أيسر في حلها من المشكلة الفلسطينية. ومن شأن التوصل الى اقرار السلام مع سوريا أن يقلل الى حد كبير من قدرة الفلسطينيين على توسيع نطاق العنف. ومن ناحية اخرى فإن حل المشكلة الفلسطينية لن يقلل من مقدرة سوريا على ان تهدد وجود اسرائيل. يقول باراك «ان هذا كان أيضا ما فكر فيه اسحاق رابين، ولكنه يشير الى انه عندما تقلد مهام منصبه أبلغ في التو عرفات بأنه يعتزم محاولة التوصل الى اتفاق مع سوريا، وان هذا لن يكون بأي حال على حساب الفلسطينيين. «لقد وصلت الى الساحة بعيد المحادثات المكثفة التي أجراها سراً رونالد لودر مبعوث بنيامين نتانياهو، والتي بدت مثيرة للاهتمام. وكانت مبادرة سوريا بدت قريبة للغاية من ان تكون انجازاً حقيقياً. وقد كان يمكن ان يكون أمراً بعيداً عن الاتسام بالمسئولية ألا يتم التحقق مما يمكن ان يصل اليه هذا الأمر بسبب ترتيب تقليدي، طقوس من نوع ما». لم تصل مبادرة نتانياهو ـ لودر التي نصت على انسحاب اسرائيلي من مرتفعات الجولان الى خط يقع على بعد كيلومترات قلائل الى الشرق من نهر الاردن وبحيرة طبرية لأن اثنين من اعضاء مجلس الوزراء البارزين هما شارون ووزير الدفاع الاسرائيلي اسحاق موردخاي اعترضا على التنازلات المقترحة. وعندئذ عرض باراك المزيد على الرئيس حافظ الاسد. أي عمليا العودة الى خط حدود الامر الواقع الذي كان قائما في 4 يونيو 1967 على امتداد نهر الاردن والى خط الماء تقريبا عند الطرف الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية. لكن الرئيس الأسد اعترض على هذه الشروط ونقل رفضه الى الرئيس كلينتون في اجتماع جنيف الشهير الذي عقد في 26 مارس 2000. ويوضح باراك أن: «الرئيس الاسد اراد من اسرائيل الاستسلام مسبقا لكل مطالبه، وعندئذ فحسب يوافق على الدخول في المفاوضات الجوهرية. ولم استطع الموافقة على هذا، حيث يتعين علينا ان نواصل العيش «في الشرق الاوسط» بعد ذلك ولو اننا سلمنا بالتنازلات المطلوبة لنظر الينا على أننا ضعفاء الأمر الذي كان سيدعو الى نهبنا نهبا». لكن باراك يعتقد ان الجهد الذي بذله الرئيس الأسد، والذي شمل تحولاً كبيرا في السياسة للوصول الى تسوية سلمية مع اسرائيل كان جهدا أصيلا ومخلصا. ويبدو أن باراك بعيدا عن الشعور بالارتياح حيال الاتهام «التنقيحي» القائل أن ايماءاته واشاراته بيديه في مواجهة عرفات لم تكن ودية وانما قد تجنب بصورة مستمرة تقريبا خلال قمة كامب ديفيد الاجتماع مع الزعيم الفلسطيني، وان هذه الامور قد ساهمت في افشال القمة. ويقول باراك في هذا الصدد: «انني القائد الاسرائيلي الذي التقى بعرفات أكثر من غيره، فهو لم يزر بيت رابين الا بعد اغتيال هذا الزعيم ودفنه في القدس. اما انا فقد زارني في داري في كوتشاف يائير حيث أعدت له زوجتي الطعام، وتبادل ابو مازن، مساعد عرفات وزوجتي الحديث عن الذكريات في صفد فقد كانت أمها من هناك وكان أبواهما تاجرين، وقد التقيت عرفات كذلك في بيوت اصدقاء في كل من غزة ورام الله». ويقول باراك انهما قد التقيا «كل يوم تقريبا» في كامب ديفيد وقت تناول الطعام، وعقدا «اجتماعا استغرق ساعتين» في كوخ عرفات وهو يقر بان الوقت قد جرى اهداره في حديث عام وهو يذهب الى القول انه في نهاية المطاف ان هذا كله جزء من «الثرثرة» وليس السبب الحقيقي في فشل قمة كامب ديفيد. «هل التقى نيكسون مع هوتشى منه اوجنرال نجوين جياب (قبل التوصل إلى صفقة سلام فيتنام)؟ ام هل تحدث جنرال شارل ديجول ابدا مع الزعيم الجزائري احمد بن بيلا؟ لقد كان الوقت المناسب للقاء بيننا هو عندما تكون الامور مؤهلة لاتخاذ قرار من جانب القادة..» ويفترض باراك ضمنا ان المفاوضات لم تنضج قط او حتى تقترب من النقطة التي يغدو معها مناسبا وضروريا عقد اجتماع نهائي للقادة لاتخاذ القرار. ويعرب باراك عن اعتقاده بانه منذ بداية الانتفاضة لم يعد هناك خيار لاسرائيل «وليس مهما من الذي يتولى رئاسة الوزراء» (ربما كانت تلك لطمة تحت الحزام موجهة الى خصمه السابق وزميله في حزب العمل شيمون بيريز (وزير الخارجية الاسرائيلي الحالي) وكان الخيار الوحيد امام اسرائيل هو محاربة الارهاب بالقوة العسكرية وقد بدأت سياسة (عمليات القتل المستهدفة) للمنظمين الارهابيين وصانعي القنابل والمهاجمين المحتملين خلال الفترة التي تولى فيها رئاسة الوزراء وهو لايزال يعتقد ان هذه السياسة تعد ضرورية وفعالة «على الرغم من انه لابد من الحرص على تقليل نطاق الضرر، فلنقل انك تقيم في منطقة تشيفي تشيز وانك تعرف شخصا يتأهب لتفجير قنبلة في جورجتاون ويعتزم اطلاق هجوم انتحاري ضد مقهى خارج بيتك، ألن تحاول القيام بشيء لايقاف هذا كله؟ الن يكون مبررا ان تعتقل هذا الرجل وان تقتله اذا استطعت ذلك». لقد ابدى باراك تأييده لسياسة شارون القائمة على التوغل الكبير في الاراضي الفلسطينية ـ «عملية السور الواقي» وصولا الى المدن الفلسطينية الكبرى، نابلس، جنين، بيت لحم، رام الله، قلقيلية وطولكرم، ولكنه يشير الى انه كان من شأنه أن يفعل ذلك بشكل مختلف: «بقوة أكبر وبسرعة أعظم وضد كل المدن بصورة متزامنة، وليس بصورة متعثرة على نحو ما حدث. وكنت سأجادل بشأن عزل عرفات في مكاتبه في رام الله. فالوضع الراهن الذي يشمل وقوف عرفات وجها لوجه أمام مواسير مدافع الدبابات الاسرائيلية ولكن مع وثيقة تأمين على حياته (يقصد وعد اسرائيلي للرئيس بوش بعدم الحاق الأذى بعرفات) هو الحلم المفضل لدى قائد حركة عصابات وقد تحقق. ولكن بصورة عامة ما من حكومة مسئولة يمكنها، عقب موجة الهجمات الانتحارية التي وصلت الى ذروتها في الهجوم الذي أودى بحياة 28 اسرائيليا وجرح 100 غيرهم في فندق نتانيا، أن تتصرف بشكل مختلف. لكنه يعتقد ان المجهود الحربي المضاد للارهاب لابد أن يكون مصحوبا بتكرار مستمر للاعلان عن الاستعداد لتجديد مفاوضات السلام على اساس صيغة كامب ديفيد. ويبدو انه يلمح هنا الى أن شارون بينما هو مهتم بالحوار السياسي الا انه يرفض مقترحات كامب ديفيد كأساس لهذا الحوار. وقد قال شارون حقا في ابريل الماضي ان حكومته لن تقوم بتفكيك اي مستوطنة ولن تناقش مثل هذا التفكيك للمستوطنات قبل الانتخابات الاسرائيلية العامة المقرر اجراؤها في نوفمبر 2003. ويخشى باراك أنه في غياب الحوار السياسي القائم على مقترحات كلينتون ـ كامب ديفيد فان الفراغ القائم ستملؤه مقترحات من اوروبا أو من السعودية، تكون مقبولة بصورة أقل من جانب اسرائيل. ويبدو أن باراك لا يعتقد بوجود فرصة نجاح امام المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية اذا استؤنفت بشكل من الاشكال طالما أن عرفات ومن هم على شاكلته من القادة على رأس الجانب العربي. وهو ينظر الى المسألة برمتها، فيما يبدو، من منظور الأجيال، ويتنبأ بصورة مترددة بأنه بعد «ثمانين عاماً» فحسب من عام 1948 سيكون الفلسطينيون على استعداد تاريخي للوصول الى حل وسط، وبحلول ذلك الوقت سيكون معظم أبناء الجيل الذي عايش نكبة 1948 بشكل مباشر قد ماتوا. وسيكون هناك عدد محدود للغاية من «أسماك السلمون» التي لا تزال تريد العودة الى مسقط رأسها لتلفظ أنفاسها الأخيرة هناك. يتحدث باراك عن «متلازمة أسماك السلمون» في صفوف الفلسطينيين ويقول إن اسرائيل، الى حد ما، على استعداد لاستيعاب هذه المتلازمة من خلال برنامج للم شمل العائلات، والسماح لكبار السن من اللاجئين بالعودة للانضمام الى عائلاتهم قبل ان يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. وهو يشير الى نموذج الاتحاد السوفييتي الذي انهار بعد ثمانين عاماً تقريباً من انطلاق الجيل الذي اجتاز الثورة والذي لفظ معظم أبنائه أنفاسهم الاخيرة. وهو يبدو انه يقول إن حماس الحركة الثوري وتصلبها العقائدي يموتان بعد مرور ثلاثة أجيال، وفي حالة الفلسطينيين فإن اختفاء جيل النكبة العائد لعام 1948 سيسهل التوصل الى حل تاريخي. وسألته: «إذا كان هذا صحيحاً، فإن عرضك للسلام الذي طرحته على الفلسطينيين كان على الصعيد التاريخي سابقاً لأوانه ومحكوماً عليه بالفشل مسبقاً؟». يقول باراك في معرض الرد: «لا، لقد تعين عليّ كزعيم سياسي مسئول أن أبذل محاولة للوصول الى اقرار السلام». يعتقد باراك أنه في غياب مفاوضات حقيقية يتعين على اسرائيل ان تبدأ من طرف واحد الاستعداد للانسحاب من حوالي 75% من الضفة الغربية، ومن غزة بكاملها أو نحو ذلك، وصولاً الى حدود يمكن الدفاع عنها، بينما يتم السماح لدولة فلسطينية بأن تنشأ هناك. و في غضون ذلك ينبغي على اسرائيل ان تبدأ ببناء سور منيع ولا سبيل إلى اختراقه حول الأجزاء التي تم اخلاؤها من الضفة الغربية ومشروعات اسكان ومستوطنات جديدة داخل اسرائيل الكبرى وفي المناطق من منطقة بلوك اتزيون وجنوب بيت لحم، لاستيعاب المستوطنين الذين سينتقلون إلى الاراضي. وهو يقول انه عندما يكون الفلسطينيون متأهبين لاقرار السلام فإن مصير الى 25% الباقية من الضفة الغربية يمكن التفاوض عليه. يشعر باراك بضيق بالغ حيال المشكلة التي تطرحها الاقلية العربية في اسرائيل والتي تمثل 20% من اجمالي سكان اسرائيل المقدرين بـ 6.5 ملايين نسمة، حيث وصلت قيادتهم عبر السنوات القليلة الماضية الى التوحد مع عرفات والسلطة الفلسطينية. ويعارض عدد متزايد من العرب الاسرائيليين الذين يشيرون إلى انفسهم الآن بصورة شائعة ومألوفة على أنهم «عرب فلسطين» يعارضون وجود اسرائيل ويؤيدون النضال الفلسطيني المسلح. وقد انغمس عدد متزايد منهم وان كان لايزال محدودا في (الارهاب) بما في ذلك القيام بعدد من العمليات الانتحارية في الأشهر الأخيرة. ويوافق باراك على أنه في غياب تسوية سلمية مع الفلسطينيين يشكل عرب اسرائيل قنبلة زمنية «لاسبيل إلى تفكيكها» على الرغم من انه رفض استخدام ذلك التعبير. وقد تظاهر عرب اسرائيل في بداية الانتفاضة في مختلف أرجاء اسرائيل واغلقوا الطرق الرئيسية وقذفوا السيارات بالاحجار وقنابل المولوتوف. ورداً على ذلك قامت الشرطة الاسرائيلية بقتل 13 منهم الأمر الذي عمق الانقسام، بين الاغلبية اليهودية والاقلية العربية. ولم تعد العلاقة بين الجانبين الى حالة من الهدوء، وقد ازادت اللغة التي تستخدمها قيادة عرب اسرائيل ميلاً إلى التشدد. ويتعرض العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي دكتور عزمي بشارة للمحاكمة في هذا الاطار. ويقول باراك انه اذا استمر الصراع مع الفلسطينيين فإن «عرب اسرائيل سيعملون كرأس حربة للفلسطينيين في الصراع». ويضيف «ربما يقتضي هذا تغييراً في قواعد اللعبة الديمقراطية.. لضمان الطابع اليهودي لاسرائيل». وهو يطرح امكانية تحويل المناطق ذات التركيز العربي الكبير مثل «المثلث الصغير» وأم الفحم المجاورة للضفة الغربية لتضم إلى دولة فلسطينية عربية تنشأ مع سكانها وذلك في اطار صفقة مستقبلية. غير أنه يستدرك قائلا: «لكن ذلك لا يمكن القيام به إلا بمقتضى اتفاق. ولست أوصي بأن يتحدث متحدث حكومي عنه (علنا). لكن مثل هذا التبادل له مغزاه الديموغرافي وليس مما يمكن استبعاده». ويعمل باراك مستشاراً بارزاً لشركة أميركية هي شركة «الكترونيك داتا سستمز» وهو يفكر في الدخول كشريك في شركة خاصة، حيث سيكون مسئولا عن المشروعات «المتعلقة بالامن» وقد سألته: «هل تتصور امكانية عودتك إلى الحياة السياسية؟» فرد قائلاً: «أنظر! لقد اقترع الرأي العام ضدي (بصورة حاسمة) منذ عام ويساورني شعور الجندي الاحتياطي الذي يعرف انه قد يوجه له النداء للعودة، ولكنه يتوقع الايحدث ذلك الا اذا كان ضرورياً بشكل مطلق. ولكنه أمر غير مستبعد. ففي نهاية المطاف عاد رابين لتولي منصب رئيس الوزرآء بعد 15 عاماً من نهاية فترة توليه لهذا المنصب». أشار باراك، خلال اللقاء معه، إلى حملة الاستيطان في المناطق التي يسكنها الفلسطينيون بصورة كثيفة وهي الحملة التي اطلقتها حكومة الليكود برئاسة مناحم بيجن في عام 1977 باعتبارها منعطفاً قامت اسرائيل عنده بتحول خاطئ في مسيرتها التاريخية. ولكن في أوقات اخرى خلال المقابلة اشار الى 1967 باعتباره خطأ جوهريا عندما احتلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، وبدلاً من ان توافق على الانسحاب الفوري من كل الأراضي باستثناء القدس الشرقية لقاء اقرار السلام بدأت في استيطانها. ويتذكر باراك مشاهدة بن جوريون، مؤسس اسرائيل وأول رئيس لوزرائها، على شاشة التلفزيون في يونيو 1967 وهو يجادل من أجل الانسحاب من جميع الاراضي المحتلة في حرب يونيو من ذلك العام مقابل اقرار السلام باستثناء القدس الشرقية. ويضيف باراك. «لقد ظن الكثيرون منا ـ وكنت بينهم ـ أنه كان يعاني من ضعف ذهني أو أن ما يقوله مرده نظرة غير واعية من خلفه (ليفي اشكول الذي برز في الصورة كمسئول عن هذا الانتصار الذي لم يسبق له مثيل). اما اليوم فإن المرء يدرك انه كان يرى الامور اوضح وعلى مدى ابعد من القيادة الاسرائيلية في ذلك الوقت». كيف يتصور باراك الشرق الاوسط في غضون مئة عام من الآن؟ هل سيضم دولة يهودية؟ خلافاً لعرفات فإن باراك يؤمن بذلك ويقول: «ولسوف تكون دولة قوية ومزدهرة. إنني اعتقد ذلك حقاً. وصلتنا بأرض الاسرائيليين ليست مثل صلة الصليبيين بها.. ان اسرائيل تندرج في صورة العالم في عصرنا صحيح ان هناك تهديدات ديموغرافية تتربص بوجودها. وذلك هو السبب في أن انفصالاً عن الفلسطينيين يعد ضرورة ملحة. ومن دون هذا الانفصال (إلى دولتين) فلن يكون هناك مستقبل للحلم الصهيوني». عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»