بيان 2: عندما اختطفت الطفلة اليكس جريفيش من عنبر الولادة في يناير 1990 بكت جميع امهات بريطانيا مع أمها دون جريفيش مثلما ابتهجن جميعا بعودة الطفلة بعد 17 يوما ، من حادث الاختطاف فقد كانت تلك واحدة من حوادث اختطاف الاطفال النادرة التي لم تنته بصورة مأساوية. ولكن النهاية السعيدة لتلك القصة كان لها جانب مظلم فرغم ان أليكس هي فتاة جميلة ذكية في الثانية عشرة من عمرها تنعم بطفولة هادئة في منزل عائلتها الا ان حادثة الاختطاف المفزعة تلك خلفت مشاكل نفسية لدى أمها «دون» 32 عاما دفعتها مرة الى محاولة الانتحار. والى الآن فان «دون» تشعر انها مرغمة على حبس ابنتها في المنزل حيث لا تسمح لها ابدا باللعب في الشارع ولا تظن انها ستسمح لها بذلك حتى في المستقبل. كما ان أية حادثة اختطاف طفل جديدة تهدد «دون» باسترجاع كل تلك الذكريات المؤلمة. ففي مايو الماضي مثلا تم استعادة الطفلة التوأم اليزابيث رايس بعد سبع ساعات من اختطافها من عنبر الولادة بمستشفى ووردزلي الواقع في منطقة ميدولاندز. وتقول دون انها شعرت بالغضب الشديد عندما سمعت نبأ الطفلة المخطوفة كونها كانت تعرف المشاعر الصعبة التي كانت تمر بها امها وتساءلت كيف يمكن لذلك ان يحدث من جديد لكنها سعدت بنبأ العثور على الطفلة سريعا. و«دون» التي انجبت طفلا اخر اسمته تشارلي منذ سبعة اعوام كانت مربية اطفال في العشرين من عمرها عندما حملت بابنتها اليكس من شريك حياتها السابق جيفري هاريس ولكن حلم «دون» تحول الى كابوس بعد 36 ساعة من ولادتها لاليكس عندما دخلت عليها امرأة زعمت بأنها مشرفة صحية في عنبر الولادة بمستشفى سانت توماس جنوبي لندن وأصرت على أخذ الطفلة معها لقياس وزنها. وتقول «دون» انها عرفت ان ثمة امرا مريبا بمجرد رحيل المرأة، فأبلغت الممرضة وسرعان ما سمعت والدها الذي كان متواجدا معها يصرخ طالبا استدعاء الشرطة. وكانت تلك بداية اسبوعين ونصف من الألم والعذاب النفسي بالنسبة لدون ووالد الطفلة جيفري. وفي اليوم السابع عشر بعد حدوث المأساة تلقى الزوجان المكالمة التي كانا قد فقدا الامل في تلقيها فقد ابلغتهما الشرطة بنبأ العثور على طفلة في منطقة بيرفورد ـ اكسفورد شاير. ورحلة السيارة تلك التي اقلتها الى مكان الطفل كانت اشبه بالجحيم على حد قولها حيث ظلت تتساءل عما اذا كانت الطفلة هي بالفعل ابنتها أم لا. وعندما رأت اليكس غمرتها العواطف لاكتشافها بأنها على قيد الحياة وبخير فاحتضنتها بقوة بين ذراعيها ولم تشأ ان تتركها ابدا منذ ذلك الحين. وبعد استعادتهما لطفلتهما اثارت قصة الزوجين سريعا اهتمام وسائل الاعلام وباعت «دون» قصتها لاحدى الصحف البريطانية بسعر مئة وعشرة آلاف جنيه استرليني وهو العرض الذي وجدته «دون» رائعا كونها كانت تريد لابنتها افضل مستقبل يمكن ان تمنحه لها. وتقول دون أنها كانت تطعم الطفلة وتحممها وتلبسها لكن كان هناك شيء مفقود فقد كانت ممسكة بها طيلة الوقت وتخاف ان تضعها لثانية واحدة مخافة ان تسرق منها مرة اخرى. كما ان الصحافة كان لها وجود دائم في حياتها ولذلك قررت «دون» مغادرة لندن بعد بلوغ اليكس عامها الاول والعودة الى مسقط رأسها في منطقة ميدلزبرو كي تكون بجوار امها سيما بعد انفصالها عن والد الطفلة. واقامتها لوحدها مع طفلة في منزل كبير جعلها هدفا للصوص الذين تصوروا انها جمعت ثروة طائلة من بيع قصتها رغم ان المال الذي حصلت عليه من بيع قصتها محفوظ في وديعة باسم اليكس كي تتمكن من خلاله الانفاق على تعليمها. وقد قام اللصوص بحرق سيارتها اولا ثم بدأوا يدقون باب منزلها طالبين منها المال. ولسذاجتها اعطتهم ما أرادوا املا في ان يتركوها لحالها. لكن الازعاج والملاحظة استمرا الامر الذي اوقعها في براثن الاكتئاب واضطرها للانتقال للسكن في فندق هربا منهم. وفي احد الايام تركت «دون» اليكس في رعاية والدتها وعادت الى منزلها وهي تنوي انهاء حياتها. فقد شعرت انذاك ان حياة اليكس ستكون افضل بدونها فابتلعت كومة من الاقراص المسكنة لكن تم اكتشافها قبل فوات الاوان ونقلت الى مستشفى نفسي حيث حصلت هناك على العلاج النفسي الذي كانت تحتاجه. والمدهش انها كانت المرأة الاولى التي يقترح فيها احد ما العلاج النفسي لها بعد ان كان الاطباء يصرفون لها العقاقير للتعامل مع نوبات الاكتئاب رغم ان ما كانت تحتاج اليه هو شخص محترف تتحدث معه وهو ما منحها بداية جديدة في الحياة على حد قولها. وكانت تلك نقطة التحول اذ تمكنت «دون» اخيرا من هزم مخاوفها لدرجة تكفل للسماح لابنتها بدخول المدرسة. وبدأت بعد ذلك عملها كمندوبة مبيعات ثم تزوجت من ستيفن فاليلي في العام 1994. وبعد عام لاحق انجبت دون ابنها تشارلي الذي التحمت عاطفيا مباشرة معه دون ان تعاني من الوساوس والهواجس العصبية التي صاحبت ولادة اليكس رغم انها لم تتركه يغيب لحظة عن ناظريها في المستشفى. وتشارلي الذي يعاني من صعوبة في التركيز الى جانب فرط النشاط لا يخشى اللعب في الخارج وهو الامر الذي لا يقلق امه فهو يعرف ما حدث لاخته ويردد تلك القصة امام كل من يلتقيه من الناس بشكل فكاهي، وزواج دون من ستيفن لم يدم طويلا فقد انتهت بالطلاق في العام 1997 ولكن تربطهما علاقة صداقة جيدة مع والد اليكس حيث تذهب البنت لزيارته والاقامة مع عائلته الجديدة عدة مرات خلال العام. واليكس التي تدرس بمدرسة خاصة بفضل المال الذي كسبته «دون» من بيع قصتها للصحافة يبدو ان مستقبلا باهرا بانتظارها. فهي عازمة على ان تصبح محامية كما انها في الانشطة الرياضية المدرسية كالرقص والجمباز والقفز العالي. وتعترف «دون» ان حادثة الاختطاف خلفت ندوبا ذهنية وعاطفية لدى كلتيهما ـ فهي لا تسمح لابنتها ـ بالخروج مع صديقاتها لأنها تجد ان العالم في الخارج هو مكان خطر للبنات على وجه اخص وهو ما بدأت اليكس تتضايق منه وتتذمر من القيود المفروضة عليها. ومع ذلك فان مخاوف الام معكوسة في نفس الابنة فاليكس ترتعب من فكرة ركوب القطار بسبب الخوف الذي زرعته امها في نفسها. لكن الاثنتين تبذلان جهدا للتغلب عى مخاوفهما ففي الماضي كانت الام وابنتها تتعمدان شغل نفسيهما كي لا تجدا فرصة للتفكير فيما حدث اما الآن فهما تتعلمان الاسترخاء. والعلاقة بين دون وابنتها ظلت رائعة على حد قولها خلال الاعوام الخمسة الماضية بالرغم من القيود لكن «دون» لا تعرف ماذا سيحدث عندما ستكبر اليكس وتكون مستعدة للتفكير في الصبيان ككل المراهقات. وبالرغم من مخاوفها بشأن المستقبل لا تزال «دون» تتذكر تلك اللحظة التي عرفتها فيها على المدى الطويل انها ستكون وابنتها على ما يرام. وهي تقول انها تتذكر كيف كانت تنظر الى اليكس حينما كانت في السابعة من عمرها فادركت بأنها امرأة سعيدة تحب ابنيها وسعيدة بأنها على قيد الحياة. فقد مر عليها وقت بعد حادثة الاختطاف تصورت خلاله انها لن تشعر بذلك مجددا. ابتسام احمد