قبيل عيد ميلاد العام الماضي، سافرت الى افغانستان والبلدان المجاورة، حيث سنحت لي الفرصة لأن اقضي بعض الوقت مع الجنود الاميركيين في الميدان، ومن بين الكثيرين الذين التقيتهم، كانت هناك مجموعة غير عادية من الرجال، هي القوات الخاصة التي اشتركت في الهجوم على مزار الشريف. ومن اللحظة التي هبطت فيها هذه القوات الى افغانستان، بدأت بالتأقلم مع الظروف القائمة على الارض، فقد اطلقوا لحاهم وارتدوا وشاحات تقليدية وامتطوا خيولاً مدربة على الانطلاق عدواً نحو مصادر النيران الآلية واستخدموا بغال النقل للتعامل مع العتاد عبر تضاريس هي الاكثر وعورة في العالم، وامتطوا الخيول في الليل وسط الظلام الدامس، وبالقرب من حقول الالغام وعلى طول الطرق الجبلية الضيقة ذات الانخفاضات هائلة الانحدار حتى ان احد الجنود وصفها بقوله: «استغرق الامر اسبوعاً كي اخفف من قبضتي القوية على حصاني» فالكثيرون منهم لم يسبق لهم ان ركبوا الخيول من قبل. وعندما انخرطوا وتدربوا مع القوات المناهضة لطالبان، تعلموا من حلفائهم الجدد اشياء عن حقائق الحرب على الارض الافغانية، وساعدوهم بالاسلحة والغذاء والامدادات والاساليب التكتيكية والتدريب وهم الذين خططوا للهجوم على مزار الشريف. وفي اليوم المحدد، تسللت احدى فرق القوات الخاصة، واختبأت جيداً خلف خطوط العدو استعداداً لاستدعاء الضربات الجوية. كانت الانفجارات بالقنابل هي الاشارة المتفق عليها لكي يقوم الآخرون بالهجوم. وعندما حانت اللحظة، اعطوا اشارة عن اهدافهم الى طائرات التحالف ونظروا الى ساعاتهم «دقيقتان»، «ثلاثون ثانية»، «خمس عشرة ثانية»، ثم من المجهول، بدأ وابل من القنابل الموجهة بدقة يتساقط على مواقع طالبان والقاعدة. كان صوت الانفجارات يصم الآذان، والتوقيت دقيقاً للغاية حتى ان مئات الخيالة الافغان برزوا، كما وصف ذلك الجنود، من بين الدخان، وانقضوا على العدو عبر سحب من الغبار والشظايا المتطايرة، عدد قليل من هؤلاء الافغان كان يحمل قنابل يدوية تطلق من الصواريخ وبعضهم كان لديه ما يقل عن عشر طلقات من الذخيرة في بنادقهم ولكنهم اقتحموا بجرأة افغاناً واميركيين معاً، نيران الدبابات والهاونات والمدفعية والقناصة. كان ذلك هو اول هجوم لسلاح الفرسان الاميركي في القرن الحادي والعشرين، وبعد المعركة، وصف احد الجنود الاميركيين كيف قام احد المقاتلين الافغان بالتلويح له لكي يأتي ثم بدأ برفع ساق بنطاله وقال هذا الجندي: «اعتقدت انه سيريني جرحاً» الا انه وبدلاً من ذلك اطلعه المقاتل على ساق صناعية ـ فلقد ركب الى المعركة بساق واحدة سليمة. معركة مزار شريف ان ما ادى الى كسب معركة مزار الشريف ـ وبداية عملية الاطاحة بطالبان من السلطة ـ كان اجتماع عبقرية القوات الاميركية الخاصة والذخائر الموجهة بدقة والمتقدمة جداً في الترسانة الاميركية التي اطلقتها طواقم البحرية الاميركية وسلاح الجو وقوات المارينز، وكذلك شجاعة المقاتلين الافغان على ظهور الخيل من امثال ذلك المقاتل الشجاع ذي الساق الواحدة. وفي ذلك اليوم، وعلى سهول افغانستان، التقى القرن التاسع عشر مع القرن الحادي والعشرين وهزما عدواً خطيراً وعنيداً، وهذا يعتبر انجازاً استثنائياً. عندما اعادني الرئيس جورج دبليو بوش الى البنتاغون بعد ابتعادي عنه ربع قرن، وطلب مني ان اضع استراتيجية دفاعية جديدة، كان يعرف انني متمرس وخبير وأشك في انه تخيل ولو للحظة اننا سنعيد استخدام سلاح الفرسان ولكن هذا هو بالضبط ما تعنيه كلمة تحول. وها نحن في عام 2002 نخوض الحرب الاولى في القرن الحادي والعشرين، وسلاح الفرسان عاد الى العمل ويجري استخدامه بطرق لم تكن متخيلة في السابق وهذا يبين ان ثورة في الشئون العسكرية تتعلق بما هو اكثر من بناء أسلحة جديدة عالية التقنية ـ مع ان ذلك يعتبر بالتأكيد جزءاً منها وهي تتعلق ايضاً بطرق جديدة للتفكير وطرق جديدة للقتال. في الحرب العالمية الثانية، ادت الحملة الالمانية الى احداث ثورة في الاساليب الحربية، ولكنها انجزت على يد جيش ألماني جرى تحويله بنسبة تتراوح بين 10 الى 15% فقط ورأى الألمان ان مستقبل الحرب لا يكمن في الجيوش الجرارة وحرب الخنادق المطولة، وانما بقوات صدام متحركة، صغيرة، عالية الكفاءة، تساندها القوة الجوية، وتكون قادرة على توجيه «ضربات خاطفة» للعدو وقد طوروا التوليفة القاتلة للدبابات السريعة وسلاح المشاة الآلي والمدفعية وقاذفات الانقضاض، وجميعها مركزة في جانب واحد من خطوط العدو وكان تأثير ذلك مدمراً. ان الشيء الثوري وغير المسبوق بشأن الحملة الألمانية لم يكن متمثلاً في القدرات الجديدة التي وظفها الألمان، وانما في الطرق غير المسبوقة التي مزجوا بها التقنيات الجديدة مع الموجودة من قبل، وبصورة مماثلة، فإن المعركة لانتزاع مزار الشريف كانت تحولية فقد أخذت قوات التحالف القدرات العسكرية القائمة ـ من الاحدث (مثل الاسلحة الموجهة بالليزر) الى القديمة (قاذفات بي-52 اس التي يبلغ عمرها 40 عاماً والمزودة بالكترونيات حديثة) والى الاكثر بدائية (رجل يحمل بندقية على ظهر حصان) ـ واستخدمتها معاً بطرق غير مسبوقة وبتأثير مدمر. الأساليب التكتيكية ان هذا لا يعني ان هذه التوليفة نفسها من الأساليب التكتيكية والقدرات يجب ان تكون نموذجاً لمعارك المستقبل والدرس المستفاد من التجربة الافغانية لا يتمثل في وجوب قيام الجيش الاميركي بتخزين سروج الخيل بل ان الدرس هو ان التحضير للمستقبل سيتطلب طرقاً جديدة للتفكير وتطويراً للقوات والقدرات التي يمكنها ان تتأقلم بسرعة مع تحديات جديدة وظروف غير متوقعة وستكون القدرة على التأقلم حاسمة في عالم سمته المفاجأة والغموض. خلال الحرب الباردة، واجهنا مجموعة من الاخطار القابلة للتنبؤ نسبياً، وكنا نعرف الكثير عن خصمنا وقدراته وابتدعنا الاستراتيجيات والقدرات المطلوبة لردعه وكنا ناجحين في ذلك. فقد بنينا ترسانة نووية ودخلنا العصر النفاث بطائرات مقاتلة سابقة للصوت وبنينا غواصات وسفن تعمل بالطاقة النووية واولى الطائرات القاذفة والصواريخ العابرة للقارات. وقمنا بتكديس قوات ثقيلة في اوروبا جاهزة لصد غزو سوفييتي بالدبابات عبر السهل الألماني الشمالي، وتبنينا استراتيجية الاحتواء ـ بارسال مساعدات عسكرية ومستشارين لزعزعة استقرار الانظمة الألعوبة بيد السوفييت وبدعم الدول الصديقة المهددة بالتوسع السوفييتي. وطوال نصف قرن، اتاح لنا ذلك الخليط من الاستراتيجية والقوات والقدرات المحافظة على السلام والدفاع عن الحرية لكن الحرب الباردة انتهت الآن وتلاشى الاتحاد السوفييتي ومعه الجو الأمني المألوف الذي اعتادت عليه أمتنا وكما تعلمنا على نحو مؤلم في الحادي عشر من سبتمبر، فإن تحديات القرن الجديد لا يمكن التنبؤ بها بالقدر الذي كانت عليه تحديات القرن الماضي من كان سيخطر على باله، قبل اشهر قليلة فقط، ان الارهابيين سيخطفون طائرات تجارية، ويحولونها الى صواريخ ويستخدمونها في ضرب البنتاغون ومركز التجارة العالمي فيقتلون الآلاف؟ وفي السنوات المقبلة، سنفاجأ مجدداً على الارجح بأعداء جدد قد يقومون بشن هجوم بطرق غير متوقعة ومع حصولهم على امكانية الوصول الى اسلحة ذات مدى وقدرة متزايدة فإن الهجمات قد تصبح اكثر فتكاً بالكثير من تلك التي عانينا منها في الحادي عشر من سبتمبر. تحد صعب ان التحدي الذي نواجهه في هذا القرن الجديد هو تحد صعب يتمثل في الدفاع عن امتنا ضد المجهول والغامض والخفي وغير المتوقع وقد يبدو ذلك مهمة مستحيلة انها ليست كذلك ولكن يتعين علينا من اجل انجازها ان نضع جانباً الوسائل المريحة في التفكير والتخطيط ـ المجازفة وتجربة اشياء جديدة ـ لكي نتمكن من ردع وهزيمة الاعداء الذين لم يظهروا بعد لكي يتحدونا. قبل وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر بفترة، كان القادة المدنيون والعسكريون في وزارة الدفاع الاميركية في خضم القيام بهذا العمل وفي المراجعة الدفاعية الرباعية (تتم كل اربع سنوات) لعام 2001 ألقينا نظرة مطولة وفاحصة على البيئة الأمنية الناشئة وخلصنا الى نتيجة مفادها ان هناك حاجة لوضع استراتيجية جديدة. لقد قررنا ان نبتعد عن تركيبة «الحربين الميدانيتين الكبيرتين» وهو نهج كان يدعو الى الابقاء على قوتي احتلال هائلتين قادرتين على الزحف الى عاصمتي العدوين في الوقت نفسه واحتلالهما وتغيير النظامين وقد خدمنا هذا النهج جيداً في الفترة التي اعقبت الحرب الباردة مباشرة، ولكنه الآن يهدد بتركنا مستعدين بشكل مبالغ به لحربين محددتين وغير مستعدين بشكل كاف لمواجهة طوارئ غير متوقعة وتحديات القرن الحادي والعشرين. ولضمان امتلاكنا للموارد الضرورية للاعداد للمستقبل ولمواجهة التحديات الناشئة للأمن الداخلي، فإننا كنا بحاجة الى تقويم اكثر واقعية وتوازناً لاحتياجاتنا القريبة الأجل المتعلقة بخوض الحرب وبدلاً من الابقاء على قوتي احتلال، قررنا ان نضع تركيزاً اكبر على الردع في اربع ساحات حاسمة مدعوماً بالقدرة على الحاق الهزيمة بسرعة بمعتديين في الوقت نفسه، مع الاحتفاظ بالخيار المتعلق بشن هجوم مضاد ضخم من اجل احتلال عاصمة دولة معتدية واستبدال نظامها وحيث ان أياً من المعتدين لن يعرف من الذي سيختاره الرئيس لتغيير النظام، فإن الرادع لن يتلاشى ولكن بازالة المتطلب المتعلق بالابقاء على قوة احتلال ثانية، فإننا نستطيع ان نحرر موارد جديدة للمستقبل وللاحداث الطارئة الاخرى الأقل درجة والتي قد تواجهنا الآن. وقررنا كذلك ان نبتعد عن الاستراتيجية القديمة «القائمة على التهديد» التي هيمنت على التخطيط الدفاعي لبلادنا لمدة نصف قرن تقريباً وان نتبنى نهجاً جديداً «قائماً على القدرات» ـ نهجاً يركز بشكل اقل على من قد يهددنا او اين، وبشكل اكبر على الكيفية التي قد نهدد بها وما هو المطلوب للردع والدفاع ضد هذه الاخطار. ان الامر اشبه بالتعامل مع اللصوص فأنت لا يمكنك ان تعرف من يريد ان يقتحم منزلك او متى ولكنك تعرف كيف سيحاولون الدخول وانت تعرف انهم قد يحاولون خلع قفلك، ولهذا فأنت بحاجة الى لسان قفل جيد وقوي على الباب الرئيسي لمنزلك وانت تعرف انهم قد يحاولون الدخول من خلال النافذة ولهذا، فإنك بحاجة لجهاز انذار جيد وانت تعرف انه من الافضل وقفهم قبل ان يدخلوا المنزل، ولهذا فإنك تحتاج الى قوة شرطية لتجري دوريات حراسة في الحي وتبعد الاشرار عن الشوارع وانت تعرف ان وضع كلب ألماني كبير لا يضر ايضاً. الدفاع القومي المنطق نفسه يصح على الدفاع القومي فبدلاً من بناء قواتنا المسلحة حول خطط لقتال هذا البلد او ذاك، فإننا بحاجة لأن ندقق في نقاط ضعفنا سائلين انفسنا، كما فعل فريدريك الاكبر في كتابه «مبادئ عامة للحرب» الذي قال فيه: «ما هي الخطط التي سأضعها لو كنت العدو؟» ثم نشكل قواتنا بالقدر الضروري لردع ذلك الخطر والحاق الهزيمة به فعلى سبيل المثال، نحن نعرف انه نظراً لأن الولايات المتحدة تتمتع بقوة لا تضاهى على البر والبحر وفي الجو، فإنه لا معنى لأن يقوم اعداء محتملون بمحاولة التنافس معنا بشكل مباشر وقد تعلموا في حرب الخليج ان تحدي قواتنا المسلحة وجهاً لوجه هو مجازفة حمقاء ولهذا، فإنهم سيحاولون بدلاً من بناء جيوش واسلحة بحرية واسلحة جو منافسة، ان يتحدونا بصورة لا متوازية عن طريق البحث عن نقاط الضعف ومحاولة استغلالها. ويعرف الاعداء المحتملون، على سبيل المثال، ان الولايات المتحدة تعتبر، بصفتها مجتمعاً منفتحاً، معرضة لأشكال جديدة من الارهاب وهم يشكون بأن المنشآت الفضائية الاميركية وشبكات المعلومات قابلة للاختراق وهم يعلمون ان قدرة اميركا على ارسال القوة الى زوايا بعيدة من العالم تعتمد في بعض الحالات على قواعد اجنبية معرضة للخطر وهم يعرفون ايضاً اننا لا نملك وسيلة دفاعية ضد الهجوم بالصواريخ الباليستية ـ مما يوجد دافعاً لديهم بتطوير أسلحة الدمار الشامل والوسائل اللازمة لحملها. ان مهمتنا هي اغلاق الكثير من تلك المنافذ الخاصة بالهجوم قدر الامكان وعلينا ان نستعد لاشكال جديدة من الارهاب ولمواجهة على المنشآت الفضائية الاميركية وهجمات الكترونية على شبكات المعلومات الخاصة بنا وعلى صواريخ كروز والصواريخ الباليستية والأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية وفي الوقت نفسه، يتعين على الولايات المتحدة ان تعمل من اجل بناء مجالات تميزها الخاصة مثل قدرتنا على ارسال قوة عسكرية لمسافات طويلة وأسلحتنا الهجومية الدقيقة وقدراتنا الحربية الفضائية والاستخبارية وفي اعماق البحار. ترجمة: ضرار عمير