بالنسبة لملايين السياح فإن مدينة تشيانغ ماي التايلاندية الهادئة والساحرة والمحاطة بالجبال هي «وردة الشمال» ولكنها في نظر الصحافي الاستقصائي امنات جونغيوتينغ هي وكر للسياسيين المفسدين والعرابين والقتلة المأجورين، واذا كنت تريد اثباتاً فهو يريك جرح الرصاصة التي كادت تودي بحياته. ويقول امنات انه بعد سنوات حملته ومقالاته التي اماطت اللثام عن الجانب السفلي المظلم للمدينة «لم تعد المافيا تطيقه». في احدى الليالي في العام 2000 اقترب اربعة مسلحين من امنات وصوبوا مسدساتهم على قلبه، وحاول الصحافي الذي كان يمارس الجمباز سابقا تفادي الرصاصات، إلا ان رصاصة واحدة اخترقت بطنه، فسقط يسبح بدمه، واعتقد المعتدون انه مات، وجاء احدهم وركله على رأسه عدة مرات. وفيما كان امنات يتعافى في المستشفى استقال كافة موظفي صحيفته «نورثون دايلي»، إلا خمسة خوفا على حياتهم ولاح شبح الافلاس وفكر امنات الذي بات يخشى على حياة زوجته وابنه وابنته ـ الذين تلقوا تهديدات بالقتل بمغادرة المدينة التي احبها. ولكن المحبين والمعجبين توافدوا عليه في المستشفى ايضا وعرض بعضهم التبرعات لصحيفته، وهبت الجمعيات الصحافية المحلية والعالمية لمطالبة السلطات بحمايته. ويقول امنات 47 سنة الذي يتسم بالحيوية والمرح، سألت زوجتي عما اذا كان علينا ان نكف عن القتال فقالت انه يتوجب علينا ان نتابع القتال، ولا يسعنا ان نتوقف. وانه يتابع القتال، ولكنه يحمل مسدسا ويرتدي سترة واقية من الرصاص وهو نادراً ما يترك منزله او مكتبه الذي تحول الى قلعة صغيرة يعمل فيها 15 موظفا لانتاج صحيفة بثلاثة اجهزة كمبيوتر قديمة وطابعة اوفست عمرها عشرات السنين. هناك صحافيون مناضلون آخرون في تايلاند التي تفاخر بواحدة من اكثر الصحافات حرية في آسيا، والذين يعملون منهم في العاصمة بانكوك هم بأمان بصورة عامة. إلا ان المقاطعات عالم مختلف تماما، فهي مكتظة بالزعماء السياسيين ورجال الاعمال الذين لهم علاقات مع ما يسميه التايلانديون «قوى الظلام» ومن يقف في وجه هذه القوى يجري تخويفهم او ابعادهم او قتلهم. وآخر ضحايا الصحافة كان فيرايود سانغسوبيت مذيع الاخبار في احدى محطات الاذاعة في جنوب البلاد، الذي قتل في شهر ابريل الماضي بعد ان فضح المخالفات في صفقة عقارية ضخمة لاقامة مكب للقمامة تابع للبلدية. ومدينة تشيانغ ماي المحورية في الشمال تشهد اعمالاً شريرة عظيمة. ويقول تانيت تشار ونمانغ استاذ العلوم السياسية في جامعة تشاينغ ماي: ان هذه المدينة اكثر فساداً من المقاطعات الاخرى لانها غنية وقطعة الكعكعة كبيرة جداً للمافيا، سياح ومهاجرون غير شرعيين ومخدرات ودعارة. ويقول أمنات انه كشف النقاب عن حوالي 100 حالة فساد، بينها دفع الرشاوى للحصول على التزامات بناء الطرق وشراء فوانيس للمهرجانات بثلاثة دولارات من قبل اعضاء في مجلس البلدية وقيدهاعلى اساس 21 دولاراً في سجلات البلدية وابتزاز الفارق. ويضيف أمنات ان الفساد يصل ايضا الى المحاكم والصحافة المحلية فمع انه استطاع التعرف على الاشخاص الذين اعتدوا عليه ـ وهو يقول انه يعرف من اصدر الاوامر بقتله والشرطة قالت انها لديها ادلة كافية ـ اراد المدعي العام اسقاط القضية، وابدى استعداده للافراج عن المسلحين الاربعة بكفالة بداعي انهم اشتاقوا لعائلاتهم. وقد دعا امنات حوالي 20 مؤسسة اعلامية معظمها من بانغكوك لحضور الجلسة وبعد ان صوبت كاميرات التلفزيون على المدعي العام غير هذا الاخير رأيه بمنح الكفالة فاستمرت الدعوى مع ان صحافة تيشانغ ماي تجاهلتها. ويقول امنات ان المافيا تعرض مالا على الصحافيين هنا ومعظمهم لا يرفضون، فأجورهم ضئيلة عادة ويسرهم ان يتلقوا مظاريف تحتوي على مبالغ مرموقة بمناسبة عيد ميلادهم أو زواجهم.أمنات نفسه بدأ عمله كمخبر قضائي عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، ومع بلوغ الثالثة والثلاثين افتتح جريدة ليعمل بها ما لم يعمله الصحافيون الآخرون: اجراء تحقيقات حول الدوائر الحكومية ونشاط الشخصيات النافذة والعناصر الاجرامية من اجل المصلحة العامة.ويقول أمنات انه يعاني من ثورات الغضب وانه يصب جام غضبه على موظفيه او على زوجته فونغيان التي تخلت عن وظيفتها لتعمل محاسبة ومديرة اعلانات في صحيفة زوجها واحيانا مصورة وبعد فورات الغضب كهذه يركب دراجته النارية فتهديء الرياح واشعة الشمس اعصابه. وتقول ان كوبر مديرة لجنة نيويورك انها معجبة جدا بأمنات، فهو يتصدى لأسوأ انواع الترهيب التي يتعرض لها الصحافيون لكشفهم عن الحقائق، وهو لايزال مصراً على المضي في مسعاه.ولعل الدعم الذي يلقاه من مثل هذه اللجان والذي وفر له الشهرة هو الذي انقذ حياته، إلا انه ليست هناك ضمانات للمستقبل. ويقول أمنات: في تايلاند تقتل المافيا من أول مرة ولكن اذا فشلت تعود دائما للمحاولة من جديد، لقد اعلنت انني غير خائف ولذلك فإن المافيا تخشاني إلا انها ستعود يوما ما. خدمة « أسوشيتدبرس » خاص لـ « البيان »