جاء الاتصال الهاتفي من بيل كلينتون بعد ساعات من قيام صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر مقال ديبور سونتاج «التنقيحي» بعنوان «السعي الى سلام في الشرق الاوسط.. كيف فشل ولماذا؟» في 26 يوليو 2001 حول عملية السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية. وكان ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق في عطلة ويمارس رياضة السباحة في خليج في سردينيا. «ما هذا بحق الجحيم؟ لماذا تقلب الاخطاء التي ارتكبناها «يقصد الأميركيين والاسرائيليين» الى جوهر المسألة؟ لقد كانت القصة الحقيقية لكامب ديفيد هي انه للمرة الاولى في تاريخ الصراع يضع الرئيس الأميركي على المائدة اقتراحا يقوم على أساس قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 قريبا للغاية من المطالب الفلسطينية، وقد رفض عرفات حتى قبوله كأساس للمفاوضات وخرج من القاعة وتحول عمدا الى الارهاب. تلك هي القصة الحقيقية. وكل ما بقي محض ثرثرة». كان كلينتون يتحدث عن مؤتمر كامب ديفيد الذي استغرق اسبوعين في يوليو عام 2000 والذي قام بتنظيمه وبالوساطة فيه وعن فشله واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في نهاية سبتمبر او حملة العنف المضاد لاسرائيل التي تواصلت منذ ذلك الحين والتي تهيمن الآن كالوباء على الشرق الاوسط من دون ان تبدو نهاية في الافق. وفي منتصف المؤتمر على ما يبدو في 18 يوليو، اضطر كلينتون «على مهل» ـ ولتجنب اساءة الفهم ـ لأن يقرأ بصوت عال على مسامع عرفات وثيقة اعتمدها باراك مسبقا تحدد النقاط الأساسية في التسوية المستقبلية. وقد اشتمل الاقتراح على انشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح على 92% من الضفة الغربية و100% من قطاع غزة مع بعض التعويض في الاراضي على الفلسطيني من ارض اسرائيل كما كانت عليه قبل 1967 وتفكيك معظم المستوطنات وتركيز معظم المستوطنين داخل 8% من الضفة الغربية يجري ضمها لاسرائيل وانشاء عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية يمكن ان تصبح فيها بعض الاحياء العربية ارضا فلسطينية ذات سيادة وتتمتع احياء اخرى بـ «استقلال ذاتي وظيفي» والسيادة الفلسطينية على نصف المدينة العتيقة بالقدس (الاحياء الاسلامية والمسيحية) و«الاشراف» وليس السيادة على الحرم الشريف وعودة اللاجئين الى الدولة الفلسطينية المقترحة مع عدم تمتعهم بـ «حق العودة» الى اسرائيل الكبرى وقيام المجتمع الدولي بتنظيم برنامج مساعدة كبير لتسهيل اعادة تأهيل اللاجئين. لقد قال عرفات: «لا» فاستبد الحنق بكلينتون ولطم المائدة بقبضته، وقال: «انك تمضي بشعبك وبالمنطقة الى كارثة» ووصل الرفض الفلسطيني الى الاميركيين في اليوم التالي واستمرت القمة في الانعقاد اياما قلائل اخرى، ولكن كل المقاصد والاهداف كانت قد انتهت. يصور باراك اليوم سلوك عرفات بأنه «اداء تمثيلي» تم تصعيده لانتزاع اكبر قدر ممكن من التنازلات الاسرائيلية من دون نية جدية للوصول الى تسوية سلمية او التوقيع على «نهاية للصراع» ويقول باراك انه لم يفاوض بنية سليمة حقا، بل لم يفاوض على الاطلاق، وانما واصل القول «لا» في مواجهة كل عرض يطرح عليه ولم يقدم اي اقتراحات مضادة قط من عنده، وينتقل باراك بصورة مستمرة بين اتهام عرفات بـ «الافتقار الى الشخصية أو الارادة» للوصول الى حل وسط تاريخي على نحو ما فعل الرئيس المصري انور السادات في 1977 ـ 1979 حينما توصل الى السلام مع اسرائيل واتهامه بالتخطيط سراً للقضاء على اسرائيل بينما هو يثير توتر سلسلة متتابعة من القادة الاسرائيليين والغربيين، ويخدع بمظهره الكاذب «صحافيين سذجا» ـ بحسب تعبير باراك ـ مثل سونتاج ومسئولين مثل خبير مجلس الامن القومي الاميركي السابق روبرت مالي، الذي نشر بالاشتراك مع حسين اغا مقالا تنقيحيا آخر حول كامب ديفيد بعنوان «كامب ديفيد» تراجيديا الاخطاء، ويقول باراك: ان ما يريده «يقصد عرفات وزملاءه» هو دولة فلسطينية على فلسطين كلها وما ننظر اليه باعتباره شيئاً واضحا من تلقاء ذاته «اي الحاجة الى» دولتين لشعبين يرفضونه واسرائيل قوية للغاية في الوقت الراهن بحيث لا يمكن الحاق الهزيمة بها، ولذا فإنهم يعترفون بها رسميا ولكن خطتهم التي يلعبون في اطارها هي انشاء دولة فلسطينية، بينما يتركون على الدوام مجالاً لمزيد من المطالب المشروعة على امتداد الطريق، وهم على استعداد في الوقت الحالي للموافقة على هدنة مؤقتة على غرار هدنة الحديبية «التي وقعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع قادة مكة خلال عامي 628 ـ 629 ميلادية والتي سقطت في وقت لاحق» ولسوف يستغلون تسامح اسرائيل وديمقراطيتها أولا لتحويلها الى «دولة لكل المواطنين» على نحو ما يطالب الجناح القومي المتطرف في عرب اسرائيل والجناح اليهودي الاسرائيلي الاكثر تطرفا ثم يضغطون من اجل الحصول على دولة ثنائية القومية وعندئذ تؤدى الديموغرافيا والاستنزاف الى دولة ذات اغلبية من المسلمين واقلية من اليهود وهذا لن يتضمن بالضرورة طرد جميع اليهود، ولكنه سيعني القضاء على اسرائيل كدولة يهودية وهذه هي فيما اعتقد رؤيتهم وهم ربما لايتحدثون عنها غالبا بصراحة ولكنها تظل رؤيتهم وينظر عرفات الى نفسه باعتباره صلاح الدين الايوبي وقد ولد من جديد وينظر الى اسرائيل باعتبارها دولة صليبية اخرى سريعة الزوال. ويعتقد باراك ان عرفات ينظر الى اللاجئين الفلسطينيين لعام 1948 والمنحدرين من اصلابهم والذين يبلغ عددهم ما يقرب من اربعة ملايين نسمة باعتبارهم الاداة الديموغرافية ـ السياسية الرئيسية في القضاء على الدولة اليهودية. ويقول باراك ان عرفات يعتقد ان اسرائيل «ليس لها حق في الوجود وهو يسعى الى وضع نهاية لها» ويؤيد باراك طرحه هذا بالذهاب الى القول ان عرفات لايعترف بوجود شعب يهودي او امة يهودية، وانما هو يعترف بوجود ديانه يهودية فحسب لانها مذكورة في القرآن ولانه يتذكر انه خلال طفولته شاهد اليهود وهم يتعبدون عند حائط المبكي ويعتقد باراك ان هذا يكمن في قرار اصرار عرفات في كامب ديفيد واصراره منذ ذلك الحين على ان الفلسطينيين لهم السيادة وحدهم على مجمع الحرم الشريف الواقع في الجنوب الشرقي للمدينة العتيقة بالقدس وعرفات ينكر ان يكون اي معبد يهودي قد شيد هناك وهذا تجسيد مصغر لانكاره لصلة اليهود التاريخية ومطلبهم في ارض اسرائيل «فلسطين» ومن هنا فان عرفات في ديسمبر عام 2000 رفض القبول حتى بصياغة غامضة اقترحها الرئيس كلينتون تقترح سيادة اسرائيلية على الارض الواقعة تحت مسطح منطقة الحرم الشريف. ويتذكر باراك ان كلينتون ابلغه بانه خلال محادثات كامب ديفيد حضر قداساً، حيث مضى الراهب يلقي عظة يأتي فيها على ذكر النبي سليمان الذي شيد المعبد. وفي وقت لاحق من ذلك المساء التقى عرفات وتحدث عن العظة وقال عرفات «ليس ثمة شيء هنالك (اي انه ليس هناك اثر للمعبد اليهودي» ورد كلينتون على ذلك بالقول: «ليس اليهود وحدهم وانما انا كذلك نعتقد انه تحت السطح هنالك توجد اطلال معبد سليمان وعند ذلك همس احد مساعدي الرئيس الاميركي من اليهود لكلينتون بانه ينبغي ان يبلغ عرفات بان هذا رأي شخصي وليس بموقف اميركي». وخلال مقابلتنا التي اجريت في مكتب باراك في احدى ناطحات السحاب في تل ابيب هز رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق رأسه مرارا وتكرارا في حيرة وحزن حيال ما ينظر اليه على انه اعتياد الكذب من جانب الفلسطينيين وبصفة خاصة من قبل عرفات وقال: «انهم نتاج ثقافة لا يؤدي الكذب فيها الى اي نفور وهم لايعانون من المشكلة المتعلقة بالكذب الموجودة في الثقافة اليهودية ـ المسيحية والحقيقة ينظر اليها على انها كيان لا اهمية له، فلا وجود الا لما يخدم هدفك او مالا يخدمه وهم ينظرون الى انفسهم باعتبارهم رواد حركة قومية يباح لهم كل شيء وليس لديهم شيء اسمه الحقيقة».وفي غمار حديثه عن المجتمع العربي يتذكرباراك ان «نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الاميركي ابلغني ذات مرة بان هناك مجتمعات لا مجال فيها لتشغيل جهاز كشف الكذب مجتمعات لاتؤدي الاكاذيب فيها الى احداث تنافر معرفي (وهي الفكرة التي يقوم على اساسها اختبار الكذب) ويضرب باراك مثالا في هذا الصدد ففي اكتوبر عام 2000 وعقب وقت قصير من اندلاع الانتفاضة الحالية، التقى بوزيرة الخارجية الاميركية في باريس وكانت اولبرايت تحاول التوسط في التوصل لوقف لاطلاق النار وكان عرفات قد وافق على الاتصال هاتفيا بعدد من قادة شرطته في الضفة الغربية وغزة بمن فيهم توفيق الطراوي لتنفيذ الهدنة وقال باراك: «لقد تدخلت قائلا: «لكن هؤلاء ليسوا هم من ينظمون اعمال العنف واذا كنت جادا (في السعي لوقف اطلاق النار) فعليك اذن بالاتصال بمروان البرغوثي وحسين الشيخ (وهما رئيسا فتح في الضفة الغربية. وفتح هي أصلاً التنظيم الذي يقوده عرفات، وقد كانا ينسقان أعمال العنف، وقد ألقي القبض على مروان البرغوثي في وقت لاحق من قبل القوات الاسرائيلية، وهو الآن رهن المحاكمة بتهمة القيام بعشرات من العمليات «الارهابية». ويضيف باراك: «تطلع عرفات اليّ بتعبير قوامه البراءة، وكأنني ذكرت اسمي دبين قطبيين. وقال: (من؟ من؟) وهكذا فقد كررت الاسمين بلكنة عربية واضحة تماماً قائلاً: (مروان البرغوثي وحسين الشيخ) ومرة أخرى قال عرفات: (من؟ من؟) وعند ذلك لم يستطع بعض مساعديه منع أنفسهم فانفجروا ضاحكين. ووافق عرفات وقد أجبر على التخلي عن ادعائه على الاتصال بهما هاتفياً في وقت لاحق (وبالطبع، لم يحدث شيئاً، واستمر اطلاق النار)». ولكن عرفات أبعد ما يكون عن استبعاد عرفات، الذي يبدو للكثير من الاسرائيليين مهرجاً مثيراً للغثيان، خرف قليلاً وفي الوقت نفسه ماكراً وقاتلاً. وينظر باراك إليه على انه «ممثل، حاد الذهن للغاية، مراوغ إلى أبعد الحدود، وشخصيته زلقة». لقد انتخب باراك رئيساً لوزراء اسرائيل، بعد ثلاث سنوات تولى فيها بنيامين نتانياهو هذا المنصب، وذلك في مايو 1999 وتقلد مهام منصبه في يوليو من العام نفسه، وقد انطلق على التو في جهده الذي استهدف اقرار السلام مع سوريا ولبنان والفلسطينيين، شاعراً بأن اسرائيل والشرق الأوسط يتجهان نحو «جبل جليد وصدام مؤكد وان مسئولية القادة الأخلاقية والسياسية توفير فرصة أصغر في اطار فرصة إقليمية أكبر ولكنها محدودة كذلك، وتلك الفرصة أتيحت من خلال انهيار الامبراطورية السوفييتية، التي دعمت منذ خمسينيات القرن العشرين العرب ضد إسرائيل. ودعمت العراق في الكويت في عام 1991 وهذه الفرصة ستتلاشى وإذا ما حصلت ايران أو العراق أو حصلتا معاً على الأسلحة النووية وإذا وصلت الحركات الاسلامية المتشددة الى السلطة في الدول المحيطة بإسرائيل. قال باراك انه أراد ان يكمل ما بدأه اسحاق رابين في اتفاق أوسلو الذي استهل بالاعتراف الفلسطيني ـ الاسرائيلي المتبادل والانسحابات الاسرائيلية الجرئية من الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1992. وساوره الشعور بأن من شأن التوصل الى اتفاق سلام رسمي ألا ينهي الصراع بالضرورة، حيث ان ذلك يقتضي تربية واجيالا، ولكن هناك قيمة هائلة ترتبط بالاطار (الرسمي للسلام الذي يضع قيودا محددة على تلك المجتمعات). ومعاهدات السلام الرسمية التي يؤيدها المجتمع الدولي ستكون لها دينامية نابعة من ذاتها تحد من امكانية اندلاع صراع وجود. ولكن من دون مثل هذا التحرك نحو السلام الرسمي فإنما نمضي نحو الارتطام بجبل جليد، ويبدو انه يعني شيئا أسوأ من الصدام الحالي الاسرائيلي ـ الفلسطيني محدود المستوى. ويقول باراك انه قبل يوليو 2000 منحت مخابرات الجيش الاسرائيلي فرحة نجاح تقل عن 50% وأعرب قادة المخابرات عن شكرهم في ان عرفات «سيتخذ القرارات الضرورية للوصول الى اتفاق سلام». وكان احساسه الخاص في ذلك الوقت انه «علق الآمال على ان عرفات سيرتفع الى مستوى المناسبة ويظهر شيئاً من العظمة مثل السادات وحسين، في لحظة الصدق، فهما لم ينتظرا اجماعا شعبيهما من، وإنما قررا التصدي للقيادة. وقد ابلغه كلينتون في اليوم الأول (من القمة) بأنني لا أعرف ما إذا كان عرفات قد جاء لابرام صفقة أو لمجرد انتزاع كل ما يقدر عليه من التنازلات السياسية قبل ان يترك هو (يقصد كلينتون) منصبه. نفى باراك الاتهامات التي وجهها اليه «تنقيحيو» كامب ديفيد ووصفها بأنها دعاية فلسطينية. وهو يقول ان الزيارة التي قام بها زعيم حزب الليكود آنذاك ارييل شارون في سبتمبر عام 2000 الى الحرم الشريف لم تسبب الانتفاضة الفلسطينية ويضيف: «كانت زيارة شارون التي تم التنسيق بشأنها مع قائد أمن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية العقيد جبريل الرجوب موجهة ضدي وليس ضد الفلسطينيين لاظهار ان الليكود يهتم بالقدس اكثر من اهتمامي بها، ونحن نعرف من معلومات مخابراتية موثقة ان عرفات قد اعتزم «بعد كامب ديفيد» ان يستهل مواجهة عنيفة وارهابا، وزيارة شارون والمظاهرات التي اعقبتها مضيا في ركابه باعتبارهما عذراً وحجة ممتازين. وكما جرى الاتفاق عليه فإن شارون لم يدل بتصريح وامتنع عن دخول الاماكن المقدسة الاسلامية في المجمع في غمار زيارته، لكن المظاهرات اندلعت على الرغم من ذلك، ويقول باراك ان الانتفاضة كان مخططا لها من قبل ومعدا لها مسبقا ولست اقصد ان عرفات كان يعرف انه في يوم معين من ايام سبتمبر سيتم اطلاقها،... فالامر لم يكن دقيقاً، كهندسة الكمبيوتر. ولكنه كان بالقطع على مستوى التخطيط، على مستوى خطة كبرى. كما لا يعتقد باراك ان الجيش الاسرائيلي اذ عجل بالانسحاب من المنطقة الامنية في الجنوب اللبناني في مايو عام 2000 تسبب في اطلاق الانتفاضة من عقالها، وهو يقول: عندما توليت مهام منصبي في يوليو عام 2000 وعدت بالانسحاب في غضون عام، وهذا هو ما فعلته، وقد استمد الفلسطينيون من دون شك وحيهم وشجاعتهم من حملة حرب العصابات التي شنها حزب الله خلال الفترة من 1985 الى 2000 والتي اسفرت في النهاية عن اخراج الجيش الاسرائيلي من الجنوب اللبناني، وكذلك استمدوهما كذلك من مشهد الانسحاب الاسرائيلي السريع والفوضوي في بعض الاحيان في مايو من ذلك العام، وقد قالوا ذلك صراحة في الاشهر الاولى من الانتفاضة، ويذهب باراك الى القول: ولكننا لو لم ننسحب في الموعد الذي قمنا فيه بذلك لكان الموقف اشد ترديا. ويتابع باراك: «كان يمكن ان نواجه صراعا متزامنا على جبهتين. في فلسطين وفي الجنوب اللبناني، وكان يمكن لحزب الله ان يتمتع بالشرعية الدولية في نضاله ضد محتل أجنبي». ويشدد باراك على ان الافتقار الى شرعية دولية في اعقاب الانسحاب الى الحدود الدولية هو ما وضع حدا لهجمات حزب الله ضد اسرائيل خلال الاسابيع الماضية. ويقول: لو أن الجيش الاسرائيلي كان لا يزال في لبنان لكنا قد حشدنا مئة الف جندي احتياطي وليس ثلاثين الف جندي (في ابريل خلال عملية «السور الواقي»). ولكنه يدرك ان هجمات حزب الله المتقطعة قد تتصاعد الى ان تغدو مواجهة اسرائيلية ـ لبنانية ـ سورية شاملة، وهو امر قصد بالانسحاب الاسرائيلي تجنبه. اما فيما يتعلق بالاتهام الذي يطرحه الفلسطينيون، وتحذو حذوهم في ذلك ديبورا سونتاج ومالي واغا، والقائل ان الفلسطينيين قد اجبروا اجبارا اقرب الى الاخضاع على القدوم الى كامب ديفيد «غير مستعدين» وفي وقت سابق لأوانه، فان باراك يذهب في نفي هذا الاتهام الى حد ازدراء من يطرحونه، وهو يلاحظ ان الفلسطينيين قد اتيحت لهم ثمانية اعوام منذ عام 1993 لتجهيز مواقفهم ومواقفهم البديلة ومطالبهم وخطوطهم الحمراء واتيح لهم عاماً كاملاً منذ انتخب لتولي رئاسة الوزراء واوضح عزمه المضي باتجاه التسوية النهائية بحلول عام 2002 وقال انهم كانوا متلهفين لانشاء دولة.«وهو ما اقترحته وعرضته انا وكلينتون. وقبل القمة كانت هناك ثلاثة اشهر من المناقشات والاتصالات في ستوكهولم واسرائيل وقطاع غزة. هل كان يمكن حقا ان يكونوا اكثر استعدادا لو كانت قد أجلت الى اغسطس على نحو ما قال عرفات في وقت لاحق أنه كان يريد ذلك؟ يساور المرء شعور بأن باراك يدوس على ارض اقل صلابة عندما يرد على الاتهام «التنقيحي» القائل ان الاستيطان الاسرائيلي المستمر في الاراضي المحتلة خلال العام السابق على القمة وفي ظل رئاسته للوزراء قد اهاج المشاعر الفلسطينية بحيث جعل الانتفاضة حتمية. ويقول باراك في هذا الشأن: «أنظر! خلال رئاستي لوزراء اسرائيل لم ننشيء مستوطنات جديدة وفي حقيقة الامر اننا قمنا بتفكيك العديد من المستوطنات غير الشرعية وغير المصرح بها. وبعد استلامي لمهام منصبي قلت له ايضا اننا سنواصل الوفاء بالالتزامات الحكومية التي تعهد بها من سبقونا وبالعقود التي يجري انجازها فيما يتعلق بالتوسع في المستوطنات القائمة، ذلك ان المحاكم ستجبرنا على الوفاء بالتزاماتنا القائمة. ولكنني كذلك طرحت عليه حجة مهمة، فأنا اريد الوصول الى السلام في الشهور الستة عشر المقبلة. وما يجري بناؤه الآن اما انه سيظل داخل الاراضي التي توافقون انتم معشرالفلسطينيين على انها ينبغي ان تظل لنا وبالتالي فانها لا ينبغي ان تهمكم كثيرا او ستكون في الاراضي التي ستقع قريبا تحت السيادة الفلسطينية وبالتالي ستضاف الى الاسكان المتوافر للاجئين العائدين وهكذا فانكم لايمكن ان تخسروا». لكن باراك يسلم بأنه بينما يبرر ما يقوله منطقيا فان هناك بعدا نفسيا هنا لايمكن لهذه الحجة ان تستبعده، حيث يرى الفلسطينيون على اساس يومي ان المزيد والمزيد من «ارضهم» يجري سلبها وتصبح «اسرائيلية» وهو يوافق على انه قد سمح بتوسع المستوطنات القائمة بصورة جزئية لتهدئة اليمين الاسرائيلي الذي كان بحاجة اليه وهو ينطلق قدما تجاه اقرار السلام وفي نهاية المطاف تجاه الانسحاب من الاراضي. عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس »