أمامك نصف ساعة فقط للاستعداد لالقاء كلمة أمام حشد من الحضور دون ان يتم اعلامك مسبقا بالامر أو انك تجلس على مقعدك في الطائرة وتحدق من بابها المفتوح اثناء استعدادك الذهني لأول، قفزة لك بالمظلية. معظم الناس ينظرون لهذه السيناريوهات باعتبار انها متلفة للاعصاب وباعثة على التوتر والعصبية والخوف والارتباك لكن الدكتور جوس بوستش الباحث بجامعة اوهايو في علم المناعة ونظام الغدد الصماء العصبية يقول: «انه يتعين علينا الترحيب بها من اجل تعزيز عمل نظام المناعة الطبيعية في الجسم». فقد اكتشف بوستش ان اللقاء القصير والنشط مع موقف مرعب يمكن ان يبعد عنا الامراض، ووجد هو وزملاؤه أدلة علمية تثبت ان «ارتعابة واحدة» في اليوم على حد قوله تبعد عنا الحاجة لزيارة الطبيب. وقد توصل بوستش وفريق بحثه الى ان نوبات الخوف القصيرة الحادة تنتج في اللعاب كميات عالية التركيز من البروتينات الدفاعية وقد درس الباحثون 34 متطوعا من الذكور بعد ان طلبوا منهم اداء مهمتين الاولى هي حفظ بعض المواد والخضوع لاختبار لمعرفة كمية ما حفظوه منها والثانية مشاهدة شريط لعملية جراحية مفزعة وكلاهما نماذج على مواقف باعثة على التوتر والخوف لكن الاولى تتطلب مشاركة نشطة بدلا من سلبية. وتم اخذ عينات من اللعاب قبل وبعد كل نشاط لتحليل نسبة البروتينات الدفاعية فيها، وكان الباحثون يبحثون عن الغلوبولينات المناعية وهي عائلة من البروتينات الدفاعية. وهذه البروتينات هي من بين عدة مواد تبطن الجزء الخارجي من الاعضاء الرئيسية في الجسم كالرئتين. وتشكل الخط الدفاعي الأول ضد الجراثيم الغازية. واختبار الذاكرة زاد من نسب تركيز الغلوبولينات المناعية «الفا» وهي العناصر الكيميائية الدفاعية الاكثر وفرة، اما شريط الفيديو فقد كان تأثيره معاكس لأنه قلل من معدلات الغلوبولينات المناعية. وخلص بوستش الى ان التوتر النشط الناتج عن اختبار الذاكرة كان مفيدا وحتى الانزعاج من شيء ما خاصة اذا كان لفترة قصيرة يمكن ان يساعد على تقوية دفاعات الجسم. ويقول صاحب الدراسة التي شارك بها ايضا علماء من امستردام: «ان التوتر السلبي المرادف لمشاهدة مشاهد فيديو مفزعة يضعف المناعة». وهو يشتبه بأن البث المتكرر لمشهد انهيار مركز التجارة العالمي يمكن ان يكون له تأثير مشابه. بيد ان الباحثين لم يتمكنوا من التمييز ما اذا كانت المعدلات المرتفعة للغلوبولينات المناعية «ألفا» هي ناتجة عن تصنيع المزيد منها او نقلها الى اللعاب. وهذه الدراسة تعد اسهاما قيما للدراسات التي اجريت في السابق على تأثير التوتر على نظام المناعة وهو الموضوع الذي بدأت البحوث فيه منذ عدة عقود ماضية من الزمن. ففي الثمانينيات كان يفترض ان التوتر ضار لمناعة الجسم لكن التجارب التي اجريت بعد ذلك اظهرت نتائج متضاربة على حد قول بوستش، وسبب هذا التضارب يرجع للانواع المختلفة للتوتر التي تم دراستها. ويمكن تصنيف التوتر الى فئتين بصفة عامة: الحاد والمزمن، والحاد يدوم لدقائق أو ساعات او يوم واحد كأن يكون آخر موعد لتسليم تقرير ما او مهمة تتطلب من الشخص التحدث امام جمهور، اما التوتر المزمن فهو يدوم لفترة اطول بكثير عن الحاد كأن يكون ذلك لاسبوع او اكثر وهو التوتر الذي يصاحب رعاية شخص مريض او فاجعة موت شخص عزيز. وما بين نوعي التوتر الحاد والمزمن هناك منطقة رمادية على حسب قول بوستش فنوبات التوتر الحاد المتكررة يمكن ان تتراكم وتتحول الى توتر مزمن. والتوتر الحاد ينشط نظام المناعة ولكن عند مرحلة معينة يتسبب الكثير منه باضعاف المناعة. وبعض الاشخاص يتعمدون اخذ نوبات توتر قصيرة وحادة كهواة رياضة قفز «الجامبي» والمتحمسين للرياضات المتطرفة ممن يبحثون عن الاثارة والتحديات. وكانت دراسات سابقة قد اظهرت ان هذه الاحداث تزود الجسم بدفعة مناعية مؤقتة بالرغم من ان بوستش غير متيقن اذا ما كانت تأثيراتها الايجابية طويلة المدى أو ان هواة رياضة قفز «الجامبي» افضل صحة من الاشخاص العاديين. وهو يرجح بأننا مبرمجون دون ان نعي بذلك لمكافحة الملل بسبب، التأثيرات الباعثة على السعادة الناتجة عن التنشيط الذهني لدفاعاتنا الحيوية. ولذلك فهو لا يستبعد وجود رغبة فطرية للسعي وراء التحديات والمواقف المرعبة المثيرة. ابتسام احمد