حينما نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» ونقف امام معطياته مليا، نجد تساؤلا يلح على الخاطر ويطفو على سطح الفكر، حول هذه الرحمة، أهي في الرسالة أم فيمن حمل الرسالة، وبلغها الى العالمين؟! وإذا استقرأنا نصوص الكتاب، وطوفنا بآفاق الشريعة وجدنا الرحمة الواسعة الفياضة في الرسالة، قدر ما نجدها كذلك فياضة واسعة في شخص الرسول، خلقا وسلوكا وأدباً وشمائل، ويا عجبا لهذا التناسب والتآلف بين الرسالة والرسول في هذه الرحمة، حتى لا يتصور أن يحمل عبء بلاغ هذه الرحمة إلى العالمين إلا رسول رحيم ذو رحمة عامة شاملة فياضة طبع عليها ذوقه ووجدانه، وصيغ بها قلبه وفطرته.. فإن هذه الرسالة تقوم عبادتها وشريعتها على أركان وأسس، رفع منها الحرج والمشقة تماماً، وجاءت مناسبة تماماً لطاقة الانسان كيفما كانت سلباً أو إيجابا، فمثلاً الصلاة التي هي أهم أركان الاسلام بعد التوحيد تجد أنك إذا أردت الطهور للصلاة وتيسر لك استعمال الماء تطهرت به، وإذا لم يتيسر لك الماء تيممت صعيداً طيباً أو لو وجدت الماء وكان استعماله يضر بك لمرض أونحوه شرع لك التيمم كذلك، وإذا تعذر عليك استعمال الماء والتراب كنت كمن فقد الطهورين، أي عفي عن ذلك كله، وصليت على حالك التي أنت عليها.. فأي يسر هذا وأي رحمة..؟! والصلاة ذاتها راعى الإسلام تناسبها لطاقة الانسان واحتماله، إن استطاع الصلاة من قيام صلى، وان ثقلت عليه صلاها من قعود، فإن ثقل عليه القعود صلى من رقود، وإن كان على سفر جمع وقصر، بل ربما جمع وهو مقيم لمرض أو مطر أو خوف كل ذلك من التيسير على المسلم حتى لا تضيع منه الصلاة، وأكثر من ذلك إذا حضرت الصلاة والطعام قدم الطعام على الصلاة، وايضا اذا حضرت الصلاة والنوم قدم النوم على الصلاة، فإذا استيقظ الانسان صلى ما فاته وكتب عليه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «انه ليس في النوم تفريط انما التفريط في اليقظة فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها (النسائي والترمذي) وهكذا نجد الصلاة التي هي أهم أركان الاسلام ناسبت جميع ظروف الانسان وأحواله دون ادنى حرج أو مشقة، وصدق رب العزة إذ يقول: «وما جعل عليكم في الدين من حرج»! وكذلك الزكاة التي هي قرينة الصلاة وجوباً وأهمية، أسقط الإسلام وجوبها عن غير القادر عليها، الذي لا يتوفر لديه نصابها كاملاً طوال عام كامل فان تعرض النصاب لبعض النقص خلال العام فلا يحتسب الحول الا بعد التمام، وقيمتها لا تعجز ولا تثقل على من يملك مثل ذلك النصاب، وإذا نظرنا إلى وجه الانتقاص من حيازة مخرج الزكاة وجب ان ننظر كذلك الى الوجه الآخر المستفيد من هذا الفضل وهو الفقير الذي يشعر بانه ليس وحده في المجتمع وانما هو فرد في جماعة لا تنساه وتكفله ومن هنا ترتفع الأحقاد وتنبت المحبة والألفة، وهكذا تكون الجماعة كالجسد الواحد، الغني يدفع من مال الله الذي عنده فيجد البركة والنماء والفقير يتناول رزق ربه فيسد حاجته والمجتمع ينقى ويطهر من الأمراض الخبيثة..! وكذلك الصوم أحد أركان الاسلام لم يفرض الا على من يملك القدرة عليه ويستطيع اداء أركانه الشرعية فإن تعرض لسفر أو مرض أو حرب أحل له الفطر ثم يعوض الصوم بأيام أخرى.! كما شرع لمن لا طاقة له على الصوم مطلقاً ان يطعم مسكيناً بكل يوم أفطره، فهل هناك أيسر على الانسان من هذا التشريع.؟! وكذلك الحج وهو خامس أركان الاسلام، لا يجب الا على القادر المستطيع، المالك للنفقة والزاد والراحلة، وتسمح عافيته بتحمل مشاق هذه الرحلة القدسية، فإن لم يجد سقط عنه الركن وعفي عنه..! وما نظر اليه اعداء الاسلام وشانئوه فاعتبروه ضرراً ومشقة في بناء الاسلام هو في حقيقته رحمة لازمة هادية فمثلاً الطلاق الذي طنطن الاعداء حوله كثيراً، مفاخرين بأن دينا من الأديان التي هم عليها يحرمه على من تزوج، الا ان تقوم ذريعة الزنا وتثبت فتحله لطرفيه مما دعا القوم يحتالون لاثبات الزنا، على انفسهم، للتحلل من ربقة الزواج إذا فسد وصار قيداً لا مبرر له، وتحولت حياة الاسرة الى جحيم لايطاق، مما يدفع الى الجريمة ونشر الفساد والبحث عن متعة الظلام، بينما الاسلام قنن المسألة على ضوء الاحسان والمعروف، فقال «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» وقال «فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا» تحللت الزوجة من عقدة النكاح بعد الطلاق فلا جناح عليها ان تتزوج غيره برضاها، ما تم ذلك النكاح الجديد على ضوء دستور الاسلام ونوره، فهل هناك تيسير بعد ذلك؟ وأكثر من ذلك ما قيل في إباحة الاسلام لتعدد الزوجات بأنه اضرار للزوجة وتحقير لشأنها، وهذا قول يسير على ساق واحدة لا يستقيم مع المنطق السليم، فالتعدد في الاسلام لا يناسب كل الاشخاص ولا يضر بكل النساء، بل شرع الاسلام لمن تجد ضرراً أن تطلب الطلاق، ولا يسع الزوج الا الاجابة الى طلبها، وإذا نظرنا الى الزوجة الاولى التي يتزوج عليها زوجها، بمظنة الحاق الضرر بها أفلا يجدر ان ننظر الى الثانية التي تقبل الاقتران برجل تعلم أن عنده زوجة غيرها وربما كان له منها الولد، ما الذي يدعوها الى تقبل ذلك الا ان تكون لها دوافعها وملابساتها الخاصة التي لايساغ معها الحياة بلا اقتران بزوج من هنا يقدر لها الاسلام هذه الأسباب ويضمن لها في تشريعاته جواز تلبيتها واشباع رغبتها في مناخ طاهر زكي بعيداً عن الرذيلة والفاحشة والريبة، التي قد تدفع اليها دفعاً إن لم تجد ذلك السبيل المشروع والعرف المقبول..! وكيف لا يكون كذلك ونحن نرى امام العيان شيوع الفاحشة واتخاذ الخليلات والمعشوقات والمعشوقين في المجتمعات غير الاسلامية، فكيف نطالب بالاقبال على الرجس والنجس وندفع الطهر والعفاف؟!! وكم تنادى الاعداء بالتشويش على حدود الإسلام، وتعازيره وتأديبه، ولكن ساقهم الى ذلك الحقد والجهل والحرب للإسلام ليس إلا..!! فإن الحدود شرعها الله حياة للمجتمع، وطهرة للمخطيء الذي لو فكر وقدر توقيع الحد عليه بعد سقطته لراجع نفسه الف مرة قبل ان يخطيء ويلبي وسوسة الشيطان اذ يعلم السارق أن يده أغلى عنده الف مرة مما قد تتناوله سرقة أو غلولا مهما بلغت قيمته. وكذلك من يسقط في بئر الزنا أو يخرج على أمن المجتمع صائلا باغياً أو يقتل معصوماً أو يشرب خمراً أو يقذف بريئاً أو غير ذلك فهذه الافعال اذا قورنت بعقوبتها الشرعية لردعت كل من يساوره الشيطان إتيانها، وقد علمنا ان اكثر من أقيم عليه الحد من النبي صلى الله عليه وسلم كان آتيا إليه معترفاً بنفسه على اقترافه للجريمة طالبا تطهيره مما لحق به من سقوط، ولقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يراجع المقر ويرده وكأنه يفتح امامه باب التوبة بعد ندمه والتماساً للعافية فيقول للمغيرة بن شعبة وقد جاءه بغلام له قارف الزنا مؤنباً وموبخاً: «هلا سترت عليه بثوبك». ويقول لأمته «ادرؤوا الحدود بالشبهات» فلم يكن صلى الله عليه وسلم متعطشاً للعقوبة ولا باحثاً عن انزالها بمن يضعف من امته قدر بحثه عن معالجة النفوس واصلاح التشوهات الخلقية فيقول لاصحابه وقد لعنوا رجلاً جيء به شاربا وتكرر مجيئه ليقام عليه حد الشرب، لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم، لا تلعنوه فإنه رجل يحب الله ورسوله..! وإذا نظرنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومواجهته لمن يأتي من الخاطئين نجد رحمته الغامرة بمن يسقط عن التزامه وجادته ويهوي به هواه، حتى أنه ليقول: «إن لكل نبي دعوة مستجابة، وقد ادخرت دعوتي شفاعة لاهل الكبائر من امتي «فإذا طبق الحد فهو تطهير للخاطيء وتطهير للمجتمع ومحاصرة للفاحشة ومواساة ورد الحقوق لاصحابها وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون»..!! فهذه الرحمة في جميع تشريعات الاسلام ناسبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومزاجه الذي مليء بالرحمة العامة الشاملة يصدق عليها ما يصدق على الرسالة، فقد كان رحيماً ببني الانسان جميعاً حتى أعداءه منهم وفيهم الذين آذوه وقاتلوه وضيقوا عليه وأخرجوه وتنافسوا على إراقة دمه، فحين تمكن بفضل الله من رقابهم قال كلمة العفو: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء» كما كان رحيماً بأعدائه المنافقين بالمدينة، الذين ألبوا عليه وأضمروا له العداء، وحزبوا عليه الاحزاب، وشنعوا عليه ورموا أزواجه امهات المؤمنين رضوان الله عليهن بكل نقيصة حتى برأه رب العزة سبحانه من فوق سبع سماوات، وعادوا بثلث الجيش في غزوة أحد، وقالوا في غزوة تبوك تحريضا عليه وتعريضا به «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون» ومع ذلك حينما توفي رأس المنافقين عبدالله بن ابي بن سلول استجاب النبي لرجاء ولده وأعطاه قميصه ليكفنه فيه واستغفر له وقام مصلياً عليه فقام اليه عمر بن الخطاب يجذبه من ثوبه قائلا: «أتصلى على رأس النفاق يا رسول الله؟ «فيقول «دع عنك ثوبي يا عمر، ان الله خيرني فاخترت، قال: «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين» والله لو اعلم اني لو زدت على السبعين لغفر الله لهم لأزيدن على السبعين، وظل على ذلك حتى نزل قول الله تعالى: «ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره، انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون». واذا كانت هذه هي رحمة النبي «صلى الله عليه وسلم» مع اعدائه ومخالفيه والناقمين عليه المتربصين به، فكم تكون رحمته بمن امن به وصدقه رحبة ندية فياضة وانه ليقول: (إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً جعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، واني اخذ بحجزكم عن النار وانتم تقحمون فيها)، اذن هو حارس للأمة بسنته وهديه حتى لا تقع في الهلكة رحمة بها ورأفة..!! ودعا فيما دعا وأوجب ان تقوم علائق أمته فيما بينها على الرحمة والمودة والتعاطف استجلاباً لرحمة الخالق «سبحانه وتعالى»، فانه عز وجل يرحم من عباده الرحماء، فقال «صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) فحقيق على المؤمن برحمة نبيه، والمؤمن بحاجته الى رحمة ربه أن يرحم غيره، فان هذه الرحمة المبذولة تكون طاعة لله وعبادة يتقبلها الله منه ويجزيه عليها الجزيل..!! فقد روت صحاح السنة ان الله تعالى يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، فيقول: يارب كيف اعودك وانت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده اما انك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني..! فيقول: يا رب كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟؟! فيقول: أما علمت ان عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه؟؟! أما انك لو اطعمته لوجدت ذلك عندي.. يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني، فيقول: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! فيقول: اما علمت ان عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه؟! أما انك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». وان شيوع الرحمة بين مجتمع المسلمين المتمثل في المودة بين الافراد من وجدان التعاطف والتعاون والتكافل لكاف لإنزال غيث الرحمة الربانية الندية التي لا تقف عند حد أو تصور، وقت ان يكون الانسان في اشد الحاجة اليها.. حيث يقول رب العزة: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، فكان إذا أرسل غلامه للتقاضي يقول له: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك سأله الله تعالى: هل عملت خيراً قط؟! قال: لا إلا أنني كنت أداين الناس فكنت أقول لغلامي: خذ ما تيسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فقال الله له: قد تجاوزت عنك).. فهذه العلاقة بين المؤمن والمؤمن يحرص عليها النبي «صلى الله عليه وسلم» لانها تهب الجماعة المسلمة قوتها وصلابتها فلا تهون ولا تتفتت ولا تعبث بها الفتن، فيقول: صلى الله عليه وسلم»: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ويقول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).. فان كل مؤمن هو لبنة في بناء المجتمع، يدخل الايمان بينه وبين غيره كالمونة اللاصقة الجاذبة الموضوعة بين لبنات البناء، فيشدد البناء ويقوى وترتفع هامته، ثم ان من فيض الايمان تنبعث الرحمة الهادية، التي ترجو ما عند الله، وانه لحق، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولايسلمه ولا يخذله، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).. فيا لها من رحمة ندية تظلل هامة الجماعة المؤمنة، جاءت بها رسالة رحمة، على يد رسول قال عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة).. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.. علي عيد