بيان 2: مع تزايد الاهتمام برعاية المعاقين ذهنيا فى المجتمعات الاسلامية ظهرت الحاجة الى معرفة الأحكام الشرعية التى تتعلق بحياة المعاق ذهنيا وكيفية التعامل، معه وأهم حقوقه وواجباته ومتى يؤاخذ بتصرفاته ومتى لا يؤاخذ وهل للمعاق أهلية التصرف والحق فى إدارة أمواله وممتلكاته وهل له ميراث الشخص العادى نفسه وهل له الحق فى الزواج وهل يجوز للأم أن تلجأ الى إجهاض الجنين إذا علمت من الأطباء أنه سيولد معاقا ؟ هذه الأسئلة تجيب عنها دراسة بعنوان : الشريعة الاسلامية ورعاية المعاقين ذهنيا للدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر... في بداية الدراسة يشيرالدكتور محمد رأفت عثمان إلى أن أحكام الشريعة الاسلامية حرصت على رعاية ضعفاء الأجسام والعقول منذ أن يكون الانسان جنينا فى بطن أمه وحتى يصير شيخا لا حول له ولا قوة موضحا أن الاسلام ينظر الى المعاق كإنسان ضعيف يحتاج الى المساعدة حتى يعيش حياة خالية من المتاعب والآلام بقدر الامكان وفى ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - : (من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته) وتوضح ان الأسرة مسئولة عن رعاية الطفل المعاق كما هى مسئولة عن الأطفال الأسوياء وعليها أن تصبر على هذا البلاء وأن تحتسب هذا عند الله - سبحانه وتعالى - مؤكدة أن رعاية هذا الطفل لون من ألوان صلة الرحم الواجبة على الوالدين والأهل والأقارب لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (من أحب أن يبسط له فى رزقه وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه) وتضيف الدراسة ان تيسير الحياة على المعاق لون من ألوان الخير ونوع من تفريج الهموم التى دعت إليه السنة النبوية (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة والله فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه) مشيرة إلى أن واجب الدولة نحو المعاقين أن توفر لهم الرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية والمهنية وأن تعمل على تأهيل المعاق لعمل يتناسب مع قدراته العقلية. ويؤكد الدكتور عثمان في دراسته ان اجهاض الجنين الذى يثبت انه يعانى من اعاقة ذهنية أو أية أمراض خطيرة آخرى غير جائز شرعا اذا تجاوز عمر الجنين 120 يوما، مشيرا الى انه اذا تم اكتشاف أحد الأمراض التى لا تقبل العلاج قبل هذه المدة فانه يجوز الاجهاض أما اذا كان قد أكمل هذه المدة فلا يجوز اجهاضه لأنه يكون حينئذ انسانا كاملا دبت فيه الروح الانسانية باستثناء حالة واحدة تتمثل فيما اذا كان استمرار الحمل يؤدى الى وفاة الأم يقينا أو بغالب الظن برأى طبيبين مسلمين عدلين ماهرين. ويشير الى رفضه اجبار المقبلين على الزواج اجراء اختبارات وراثية لأن ذلك يؤدى الى تردد الشباب في اتمام الزواج بجانب عدم القبول النفسى لهذه الاختبارات تخوفا من ان تظهر النتائج عن شئ يهدد حياتهم وأسرهم فى الحاضر أو فى المستقبل موضحا أن هذه الاختبارات تحمل الشباب أيضا أعباء مالية قد تفوق قدراتهم فى بعض الأحيان مثل حالات الفحص الدقيق للكروموزومات والجينات. وتوضح الدراسة ان هذه الاختبارات ستدفع الشباب الى العزوف عن الزواج وهذا له أضراره الاجتماعية والأخلاقية ويتصادم مع اتجاه أحكام الشريعة الاسلامية الى حث الشباب على الزواج مشيرة الى ان هذه الاختبارات قد تؤدى الى التلاعب وانتشار الفساد الأخلاقى خاصة مع سهولة الحصول على شهادات طبية تثبت سلامة الأشخاص من العيوب الوراثية والصحية فى بلاد العالم الثالث ومنها العالم الاسلامى وهذا يتعارض مع الهدف من اجراء الاختبارات على المقبلين على الزواج كما ان هذه الاختبارات قد تفتح الباب للتلاعب والمجاملات والرشاوى من أجل الحصول على الشهادة التى يريدها الشاب أو تريدها الفتاة حتى يتم الزواج. وتدعو الدراسة الى ضرورة ان يكون اجراء هذه الاختبارات اختياريا لا اجبار فيه مع قيام الدعاة و أجهزة الاعلام بنشر الوعى فى هذا المجال وحث المقبلين على الزواج لاجرائها والتعريف بأضرار الزواج بالأقارب. ويؤكد الباحث ان المعاق ذهنيا لا يتمتع بالأهلية التى يتمتع بها البالغ الراشد من الأشخاص العاديين ولا تصح تصرفاته ولا يؤخذ بها فى أغلب الأحيان موضحا أن الأهلية لها عوارض سماوية مثل الجنون والعته والإغفاء والنسيان وعوارض مكتسبة كالسكر والسفه والجهل والخطأ لكن المعاق والمجنون لهما الحق فى الميراث والوصية والاستحقاق فى أموال الوقف فى حين يزيل الجنون أهلية الأداء فليس على المجنون شيء من العبادات ولا يصح أداؤها منه ولا يصح أيضا منه تصرف من التصرفات الشرعية ولا يترتب عليه أى أثر. ويضيف أما العته فهو ضعف فى العقل ينشأ عن نقص فى الادراك والفهم وهو نوعان، الأول : لا يوجد معه إدراك أو تمييز على الاطلاق وهذا النوع حكمه كحكم المجنون فى كل الأحكام أم النوع الثانى فيوجد فيه ادراك وتمييز لكنه لا يصل الى الادراك والتمييز الموجودين عند البالغين الراشدين العاديين وهذا يجعل صاحبه كالصبى الذى وصل الى سن التمييز ويحددها الفقهاء بسبع سنين وهذا النوع أيضا تسقط عنه العبادات لكنه لو أدى شيء منها بأحكامها الشرعية كان أداؤها صحيحا ويثاب عليها وإذا تصرف تصرفا كان من نتيجته حصول المنفعة له نفعا خالصا كان هذا التصرف صحيحا ولا تتوقف صحته على الاجازة من ولى أمره وإذا تصرف تصرفا من التصرفات التى تؤدى إلى الإضرار بماله كان تصرفه باطلا ولو كان ذلك بإجازة ولى أمره أما تصرفاته التى تدور بين النفع والضرر فإنها تكون موقوفة على إجازة ولى أمره فإن أجازها الولى كانت صحيحة وإن لم يجزها الولى كانت باطلة وهذه الأحكام تنطبق على المعاق ذهنيا. وترفض الدراسة فكرة تزويج المعاقين ذهنيا لأن هذا فى الغالب يؤدى إلى وقوعهم ضحايا للنصب والاحتيال والاستيلاء على أموالهم خاصة الأغنياء منهم مؤكدة أنه لا يجوز إجبار فتاة على الزواج من معاق ذهنيا حتى لو كانت تربطها به صلة قرابة ويرغب الأهل فى تزويجها منه لتقوم برعايته وتحفظ عليه أمواله لأن الأصل فى الزواج الاختيار بالاضافة الى ضرورة توافر الأهلية والكفاءة بين الزوجين. ويطالب الباحث بضرورة إعادة نظام الوقف الأهلى للإنفاق منه على المعاقين ذهنيا لأنه بمثابة الصدقة الجارية التى يجب أن نشجع المسلمين عليها لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) كما أن الوقف سنة عن الصحابة - رضى الله عنهم - فعن جابر بن عبدالله أنه قال : ما بقي أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مقدرة إلا وقف، مشيرا إلى أن الوقف يمكن من توفير مصدر مالى دائم للمعاقين ذهنيا يلبى احتياجاتهم ومطالبهم طوال حياتهم وهم فى أشد الحاجة لمثل هذا النظام الحضارى الذى وضعه الاسلام ويتميز به عن الأنظمة الوضعية الآخرى. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد