البساطة والاختصار في التعبير والوصف التفصيلي الدقيق لما يحدث داخل النفس البشرية هي اهم سمات جماليات اسلوب الكاتب الروسي الشهير انطون تشيكوف! وعلى المستوى الاجتماعي وكما في قصته المسرحية «النورس» وغيرها يكرر مراراً بأن على الشخص دائما عدم الاخذ بنصائح الآخرين لان خطأك يعود اليك وحدك ولا حل للانسان سوى ان يعمل وان يكون في عمله مقداما جسوراً... ولهذا تجرأ تشيكوف وتمرد على كل الاسس والاشكال المسرحية السائدة في عصره في القرن التاسع عشر والتي كانت تعتبر آنذاك قواعد لا يمكن المساس بها او تجاوزها وتمكنت مسرحياته من فرض نفسها باشكالها الجديدة وقد اثارت روح التمرد والثورة على المعتاد والمألوف لدى الناس. ولان تشيكوف سيد القصة القصيرة قام الكاتب الانجليزي نيل سيمون والذي جاء بعد أكثر من نصف قرن بمسرحة بعض قصصه ومنها «طالب زواج» التي قدمتها فرقة المسرح الجامعي بالجامعة الاميركية في دبي مؤخراً في عرضين يتميزان بالرقي وبمستوى فني وفكري راق لطلاب وطالبات من الهواة وهم في الحقيقة افضل كثيرا من المحترفين في عالم المسرح بكافة المقاييس. بطلة هذا العرض اللبنانية نتالي نكاد والتي قامت بدور الام أو المرأة الممتلئة وكريستين أرزو المرأة الغريقة ـ مها الخواجه في دور الكاتبة ومشاركة اخطاب خالد لطيفة الجناحي، فرح انوي، اميرة سامي، دنا الناصر، ميلفي جورج وغيرهم ومن اخراج اخطاب خان. والمسرحية من اربعة فصول وتعتمد على كوميديا الموقف والتي تتكيء عند تشيكوف على الصدفة اليومية في اللقاءات الانسانية واهميتها في صنع الاحداث الدرامية التي عادة ما تكون مثيرة للسخرية والضحك مما يحدث في الحياة! وتدور الاحداث في المسرحية حول شاب بسيط جداً يقع في قصة حب لفتاة حسناء لكنه يتردد في طلب الزواج منها ويفتعل المشكلات حتى لا يتحمل اي مسئولية تجاه هذا الارتباط بينما تقوم الأم «المرأة الممتلئة» بحل جميع هذه المشكلات لتذليل اي صعوبات امام اتمام هذا الزواج ولكن كان لها بعض الشروط الامر الذي جعل الفتى والفتاة يتزوجان سراً وبعيداً عن الام ثم يرحلان معا ويؤسسان منزلاً خاصاً بهما وبالتالي تبتعد البنت عن امها وتحدث جفوة وهنا يحتدم الصراع بين الام وزوج ابنتها فهي اصبحت تكرهه لكنه في الواقع اصبح زوجاً لابنتها.. وفي مواقف تحدث بالصدفة في المشاهد المسرحية عبر الفصول الثلاثة الباقية يلتقي الجميع مرة في السينما ومرة على شاطيء البحر وثالثة في عيادة طبيب اسنان.. وهكذا فإن القدر والصدفة تحتم على الناس اللقاء عنوة وعليهم ان يكونوا متحابين ومتسامحين لكنهم كفقراء وبسطاء فهم يلوذون دائما بعزة النفس والكبرياء الذي يمنعهم من النفاق أو الكذب او استغلال الآخرين لانهم لا يملكون غير هذه القيمة الاخلاقية والانسانية والتي يتشبثون بها ومن هنا تبرز قيمة العمل الذي يدعم هذا المبدأ لديهم وبالعمل وحده يتموضع الانسان اجتماعياً في الحياة خصوصا في الطبقة الدنيا لان الطبقات العليا والوسطى لديها الكثير من المقولات والتبريرات!! المسرحية باللغة الانجليزية ولكنها اجتذبت اعداداً كبيرة من الجمهور معظمهم اجانب والقليل من العرب الوافدين والمواطنين بسبب أداء الممثلين وكلهم من الطالبات وهناك طالب واحد فقط فهم يتمتعون بخفة الظل والقدرة على التمثيل بشكل طبيعي وتلقائي ويعبرون عن فكرة النص بسهولة ودون انفعال ولهذا جاءت الكوميديا سلسة وفي سياق الحوار والديالوج المبني على الموقف نفسه وتألقت بشكل خاص البطلة نتالي نكاد وهي اقرب الى ان تكون نجمة مسرحية بكل المقاييس فحركتها واداؤها للشخصية معبر ومضحك دون تكلف كما برزت ايضا كريستن ارزو ومها الخواجه رغم ابتعادهن عن المواقف الكوميدية في المسرحية وقد جاء الاخراج كلاسيكيا ويعبر عن اجواء القرن التاسع عشر باستخدام مفردات وعناصر العرض من ديكور وآثاث واضاءة لكن الملابس لم تكن قط تناسب هذه الفترة الزمنية وانما تعبر عن حياتنا المعاصرة وهذه السلبية التي سقط فيها المخرج قد تكون بسبب التكاليف الباهظة للحصول على مثل هذه الملابس التاريخية بينما ساعدت التقنيات الحديثة والمتوفرة بمسرح الجامعة الاميركية في دبي على تقديم العمل بأسلوب المحترفين لا الهواة ونظراً لتعدد الجامعات في الامارات في السنوات الاخيرة فإنها بالفعل تمثل كما ارى مركز اشعاع ثقافياً وفنياً يجب ان يلتحم بالمؤسسات الثقافية ويرفدها بمثل هذه المواهب والتي اراها مؤهلة لدفع الحركة المسرحية بالدولة الى النمو والازدهار. ومسرح الجامعة كان دائما المنبع والرافد الاول لاي حركة فنية حقيقية في اي مجتمع. مسعد النجار