يعني التقاعد بالنسبة لمعظم الناس فرصة للبقاء في المنزل والاسترخاء من اعباء العمل او للسفر الى الخارج لرؤية العالم. ولكن الاستراحة من عبء العمل تعني فرصة لمتابعة الجهود الابداعية التي طال تأجيلها. لقد كانت هذه هي الحال بالنسبة لـ «لي يونج منج» وهو مبدع للخزف من تايتونج في شرقي تايوان. فبعد خمسة وثلاثين عاما من ممارسة مهنة التدريس في المدارس الاعدادية والثانوية، وجد لي نفسه حرا في السنوات الاخيرة لمتابعة هوايته. جاء تعرف لي على فن الخزف في عام 1969 عندما كان يعمل مدرسا في مدرسة تايتونج الثانوية، حيث تعرف اثناء حضوره دورة في الدراسات المتقدمة لمدة ستة اشهر بوويانج نونج، وهو احد المتمرسين التايوانيين في فن الخزف. وقد ولد ذلك اللقاء شغفا واهتماما في نفس لي بفن الخزف ولكنه وجد ان من الصعب الابقاء على ذلك الاهتمام نظرا لبعد تايتونج عن تايبيه. غير ان لي واصل بحثه عن سبل لاكتساب فهم اساسي للمهنة ويتذكر كيف كان يركب دراجته الهوائية كل يوم احد الى محل لصنع الخزف وبيعه على امل ان يتعلم اسلوب قولبة الصلصال من حرفي خبير. لكن المعلم المفترض كان يعرف كيف يصنع الخزف بصورة افضل من معرفته للتعليم. ونتيجة لذلك، قضى ثمانية اعوام تقريبا يدرب نفسه بأسلوب التجربة والخطأ قبل ان يتمكن من تشكيل الصلصال بسهولة. وفي عام 1977، أنشأ ورشة عمل في البيت بعد ان قام بشراء تنور مستورد من الولايات المتحدة دفع فيه ضعف راتبه الشهري. وبعد سبعة اعوام افتتحت حكومة مقاطعة تايتونج مركزا ثقافيا وبدأت بتقديم دورة في فن الخزف. ودعي لي للتدريس فيها في السنة التالية وقد شجعه العمل الجديد على تكريس نفسه بعمق اكثر لهذا المجال. وشأن معظم الخزافين، بدأ لي عمله بانتاج خزفيات عملية مثل اواني الطعام وفناجين الشاي، ولكنه حول اهتمامه فيما بعد الى ابداع اعمال فنية خالصة. وبعد تقاعده من مدرسة تايتونج الثانوية في عام 1999، ركز على تصوير سكان جزيرة اوركيد، شعب تاو، المعروفين باسم قبيلة يامي. سكن هؤلاء السكان الاصليين الجزيرة الواقعة على بعد 44 ميلا بحريا من الساحل الجنوبي الشرقي لتايوان قبل فترة طويلة من دخول سلالة هان الصينية الى تايوان. ويقول لين يونج فا، مدير مكتب الشئون الثقافية في حكومة مقاطعة تايتونج: «تمثل الاعمال الخزفية الخاصة بلي الحياة النسانية وهو ما يجعله مميزا عن معظم الخزافين الآخرين. كما ان اعماله محببة لأنها ليست واقعية جدا ولا مجردة جدا». كان لي قد زار جزيرة اوركيد للمرة الاولى في عام 1975، وقد بهرته قوارب شعب يامي بأنماطها الفريدة وشكلها الانيق. وأعجب لي ايضا بالبيئة البرية للجزيرة، والجمال الجسدي لسكانها الاصليين وبالاحترام الذي يكنه رجال القبيلة لكبار السن وللطبيعة. لكن لم يركز على تحويل افكاره وانطباعاته عن الارض والناس الى ابداعات فنية الا بعد تقاعده في سن الثالثة والخمسين. حصل ذلك عندما بدأ اسمه يلمع خارج تايتونج. وفي عامي 1996 و1997، فاز لي بالجائزة الاولى لعامين على التوالي بأعمال حملت العنوانين التاليين: «مرثاة اليامي» و«طرد الروح الشريرة للحضارة» وذلك عن فئة الاعمال الخزفية المعاصرة في مسابقة وطنية نظمتها جمعية فنون الخزف التايوانية. ومن خلال فنه، يستطيع المشاهدون ان يستشعروا نضال «اليامي» ضد غزو الحضارة الاجنبية وكذلك توق الفنان لجزيرة اوركيد التي اختفت منذ زمن بعيد. ويشرح لي هذا الامر بقوله: «يؤمن «اليامى» بوجود الارواح الشريرة. وفي العصور الحديثة، يمكننا ان نرى تلك الروح الشريرة متجسدة في الآثار السلبية التي جلبتها الحضارة الى الجزيرة الصغيرة». ويستشهد على هذا الكلام بقيام شركة الكهرباء التايوانية بتخزين نفاياتها في الجزيرة منذ عام 1982. وفي غضون ذلك، ومع دخول وسائل الراحة الخاصة بالحياة الحديثة الى الجزيرة، اصبح سكانها تدريجيا ماديين اكثر من ذي قبل وبدأوا يهملون تراثهم الثقافي. وبينما كان لي ينتج قطعا من الخزف ترثي نمط الحياة الماضي لقبيلة يامي فانه عمل على تطوير اسلوبه الفني المميز بعنصر الوعورة الذي هو من سمات جزيرة أوركيد. ويعلق ووتشين فونج على ذلك قائلا: «لو كان لي نحاتاً، لربما شعر بأنه مضطر لوضع اللمسات الأخيرة على قطعة بخطوط ملساء ناعمة. ولكن ذلك لا يتوافق مع ما يصوره». بعد سنوات من نيل لي الاعتراف على الصعيد المحلي، في شرق تايوان في البداية ثم في جميع انحاء تايوان، بدأ يعمل مؤخراً، على تطوير سمعة دولية له. ففي عام 1999، عرضت اعمال لي في بكين الى جانب اعمال لخزافين تايوانيين آخرين. وفي الربيع الماضي، ارسل مجلس الشئون الثقافية الحكومي اعمالاً فنية لاثني عشر خزافاً محلياً الى باريس ومركز بارليتا الايطالي للخزفيات من اجل عرضها. وشملت اعمال لي المعروضة قطعتين حملتا العنوانين «تناقل التقاليد» و«الرقص مع الريح» وهما تعكسان صورة أقل تشاؤماً لجزيرة أوركيد التي عشقها الفنان الذي استطاع ان يطوع الخزف بين يديه بصورة رائعة. ضرار عمير