يلقبها المختصون في الموسيقى الكلاسيكية بـ «سيدة النوبة الاندلسية» عندما غنت الفنانة بهجة رحال بصحبة فرقتها مؤخراً في هولندا كان جمهور أمستردام لا يعرف شيئا عن فن النوبة الأندلسية الذي تؤديه، وهي بدورها بدت خائفة و مترددة، ولكن عند اختتام الحفل وقف الحاضرون وصفقوا طويلا تعبيرا عن الانسجام مع الألحان وإعجابا بالأداء والصوت المميز. بهجة رحال مطربة جزائرية هادئة جدا تقيم بباريس وبها تعمل على نشر تراث إحدى أهم المدارس الموسيقية في المغرب العربي وهي الموسيقى الأندلسية وهي أيضا أول امرأة تجرأت على غناء النوبات فأبدعت فيها وزادتها جمالا. نزلت في الأيام الأخيرة ضيفة على الجمهور الجزائري في جولة فنية لترويج انتاجها الجديد وهو نوبة الغريب خصصت عائداتها لمنكوبي كارثة السيول والفيضانات التي أصابت الجزائر في العاشر من نوفمبر الماضي. «البيان» التقتها في هذا الحوار السريع: ـ يلقبك أهل الفن المهتمين بالموسيقى الأندلسية بـ «سيدة النوبة» هل لكونك أول امرأة تقتحم هذا العالم الذي كان رجاليا صرفا أم ثمة دافع غير هذا؟ ـ أود أن أشير أولا بأن النوبة الأندلسية أصلها من بغداد وهي سليلة زرياب و ابراهيم الموصلي لم تكن بهذا الشكل لكن في قرطبة تطور الايقاع بفضل الاحتكاك، وقد ألف زرياب 24 نوبة بعدد ساعات اليوم، أي كل نوبة تحمل اسما و تغنى في ساعة من ساعات اليوم، ولكن للأسف ضاع نصفها واندثر ولم يبق منها اليوم غير 12 نوبة وظلت أجيال من الفنانين تتناقلها شفهيا و لم يفكر أحد في كتابتها اعتقادا أن ذلك يفقده روحه للأندلسية، وتشتمل النوبة على خمسة إيقاعات تبدأ بإيقاع ثقيل ثم تتدرج نحو الخفيف،ولكل واحد من هذه الإيقاعات اسم خاص به فنجد :المصدر ـ البطايحي ـ الدرج ـ انصراف وأخيرا الخلاص، ومدة كل نوبة لا تتعدى الساعة، ولكن يمكن للمؤدي اذا أراد تنميق مجلسه إضافة إيقاعات أخرى منها توشية ـ انقلاب ـ استخبار ـ وليدة و القادرية، وعندئذ تتعدى النوبة ساعتين. ـ ولماذا سيدة النوبة ؟ ـ الحقيقة التي أعرفها أن النوبة نشأت في قصور الأندلس، وأول من أداها كانت مجموعة من النساء تتلمذن على يد زرياب وبعد سقوط غرناطة وانتشار هذا الطابع الموسيقي في شمال افريقيا و لظروف معينة، غابت الحناجر النسوية لتحتل الأصوات الرجالية الصدارة، وتاريخيا لم يسبق لأي مغنية أن أدت نوبة أندلسية كاملة. ـ وبكل تواضع دخلت هذا الميدان لأني أملك مساحة صوتية شاسعة و شجية، ومتسلحة بدراسة أكاديمية و ثقافة موسيقية، فصعوبة النوبة في ترابط أنغامه و انسجام ايقاعاته وفصاحة كلماته فهو حقل لا يتسع للتجريب الا لمن يمتلك أدواته و أصوله و طقوسه. وعلى كل أردت تقديم مساهمة لاسترجاع هذا المجد الضائع. ـ هل تطور فن النوبة أم بقي كما غني منذ قرون، وما هي اجتهاداتك الشخصية في هذا المجال؟ ـ أحبذ الحفاظ على الطقوس التي عرفت بها هذه الموسيقى سواء في نوعية الأداء أو في طبيعة الأوركسترا.ولكن رغم هذه الصورة التقليدية أقول بأن هذا الفن تطور من ناحية الأصوات، اليوم مع اقتحام المرأة لهذا الأداء سيكون هناك تنويع و اثراء، الى جانب دخول بعض الآلات كالكمان و المندولين في الجوق. وفيما يخصني فقد قلصت عدد العازفين بالقياس الى الفرق التي تعمل الآن و اكتفيت بستة، وهذا العدد ذاته الذي شكله الموصلي وزرياب، وتتكون الأركسترا الحالية من الآلات الموسيقية التالية: العود، الكمان، القويترة، مندولين، القانون، رباب، الناي، والدربوكة التي دخلت في القرن 19 وآلة الطار. ـ بماذا تفسرين ارتباط أداء هذا النوع الموسيقي بالزي التقليدي؟ ـ نقرأ في التاريخ أن الموسيقى الكلاسيكية الأندلسية ارتبطت بالقصور و طبيعي أن المغنيات كن من الطبقة الأرستقراطية وحتى الآن لا يمكن أن نتصور مؤدية لهذا الفن في غير اللباس التقليدي الفاخر، فهو بصمة الأصالة و الروح وجزء من هذا الكل . ـ تعيشين منذ 1992 في فرنسا، وداومت على إحياء حفلات في إيطاليا و إسبانيا و ألمانيا و غيرها، كيف استقبلك الجمهور الأوروبي ؟ ـ يختلف الجمهور الأوروبي عن الجمهور العربي الذي عادة ما يكون أكثر تفاعلا باظهاره الاعجاب بالهتاف و التصفيق أثناء العرض، لكن الجمهور الأوروبي جمهور يسعى الى المعرفة الجديدة فهو يسمع في صمت لساعات الأداء و في النهاية فقط يعبر عن استحسانه وعموما أنا مسرورة جدا بجمهوري في كل مكان. ـ يحظى الشعر الأندلسي بمكانة كبيرة في كل البلاد العربية لكن القليل من يعرف عن الغناء الأندلسي خارج منطقة المغرب العربي . هل لديك تصور لنقل هذا الفن الى المشرق والى الخليج تحديدا ؟ ـ هناك صيغة واحدة هي الترويج واشراك مطربي الأندلسي من المغرب العربي في الفعاليات الثقافية والفنية التي تنظم بالمناطق العربية الأخرى. وبهذا يكون مكانه بالتأكيد وإن على المدى البعيد. ـ أنت حاملة شهادة ليسانس في العلوم البيولوجية لكنك استسلمت للنوبة الأندلسية ألا ترين في ذلك مفارقة ؟ ـ في هذا المجال أود أن أقول إنني أعتز كثيرا بالنوبة، ولا أنوي أداء نوع آخر، وعندما أغني هذه النوبات الأصيلة التي لا تقل شأنا عن الموسيقى الكلاسيكية العالمية في بنيتها و قواعدها أشعر بمتعة لا نظير لها، وقد أخذت عهدا أن أسجل أكبر عدد من النوبات الـ 12 بصوت نسائي. الموسيقى التي تعلقت بها منذ دخولي المعهد الموسيقي البلدي وأنا لا أتعدى العاشرة من عمري هي الآن في دمي وساكنة في روحي. أما البيولوجيا، فكانت رغبة والدي فنفذتها ونلت فيها شهادة عليا، ومارست التدريس لعدة سنوات، الى أن سنحت لي الفرصة للذهاب الى فرنسا ففصلت تماما في أمر الاختيار. ـ لكن لماذا فرنسا، هل هي أرحب من الجزائر لإيواء فنك ؟ ـ طبعا لا. فهذا الفن الكلاسيكي ـ ولا شك أنكم تعلمون ـ متقدم في الجزائر ويمكن القول بلا مبالغة ان الجزائر هي موطنه الثاني بعد الأندلس ولكن باريس هي ملتقى الثقافات و نقطة اتصال كل الأجناس و الفرصة متاحة ووجدت أمامي امكانات الانطلاق، فلم أتردد، كونت في 1993 فرقة، وأديت أول حفل لي في معهد العالم العربي وحضرته الجالية الجزائرية والعربية، وشيئا فشيئا توسع نشاطي الى مدن أخرى. ولابد من الإشارة إلى أن باريس تبقى المدينة التي تعطي أكبر قدر من فرص النجاح لكل فنان يريد التألق والولوج الى العالمية . ـ كيف ترين مستقبل فن النوبة الأندلسية وسط موجة الراي و الراب؟ ـ لا أشك في أن الأصيل دائما يبقى أصيلا، وأغاني الراي و الراب هو فن الراهن القريب الى الموضة، فهو فن لا يعمر طويلا في حين أن الفن الأندلسي وجد منذ قرون ويستمر في الوجود وهو بالتأكيد صامد . ـ لمن لا يعرفك من أنت ؟ ـ بهجة رحال من مواليد 8 جويلية 1962 بالجزائر العاصمة مشواري يتميز بالوصل بين الأداء الفني والبحث و التعليم، أعزف على آلة المندولين والقويترة وهي آلة موجودة في الجزائر فقط في شكل غيثارة صغيرة الحجم «تتلمذت على يد مشايخ الأندلس» أمثال محمد خزناجي، وفخارجي، في سجلي 5 نوبات هي نوبة زيدان عام 1995، نوبة مزموم في 1997، نوبة رصد في 1999، نوبة ديل في 2001 و نوبة الغريب الشريط الذي نزل في الفاتح من ديسمبر الماضي، وحاليا فتحت قسمين للصغار و واحد للكبار في المركز الثقافي الجزائري بباريس لتعليم أصول فن النوبة للمهاجرين الجزائريين . حوار: مراد الطربلسي