هي المرة الأولى التي يتجمع فيها هذا العدد من الفنانين الفطريين في معرض واحد بالقاهرة، وربما في الوطن العربي، تحت مظلة رسمية هي قطاع الفنون التشكيلية، حيث شارك أكثر من خمسين فنانا في (صالون الفن الفطري الأول) بقاعات عرض قصر الفنون، في ظل اشتراط عدم دراسة الفن أكاديميا، وعلى الرغم من أن الصالون تقدم للعرض فيه 218 فنانا، قبل القائمون عليه الربع تقريبا وهي الإشكالية التي تثير الكثير من الجدل، خاصة وإن العرض في الصالون يمثل للمتقدم آخر محطات الاعتراف بفنه! ترجع بداية الاهتمام والاعتراف بهذا النوع من الفن والذي لا يخضع لمعايير فنية، وينبع من القلب والغريزة مباشرة، دون أي أعداد أو تدريب مدروس مسبقا ، إلى المعرض الدولي الذي اقامته تشيكوسلوفاكيا، بالتعاون مع هيئة اليونسكو في العام 1966، على أن يقام كل ثلاث سنوات، في المتحف الوطني في مدينة براتسلافا حيث شارك في المعرض فنانون من كل أنحاء العالم، وسميت الجائزة الكبرى لهذا المعرض باسم (الجمركي روسو) نسبة إلى الفنان الفرنسي هنري روسو (1844 ـ 1910)، أول الفطريين وأشهرهم، والذي كان يعمل موظفا في الجمارك، فعرف طوال حياته بلقب الجمركي. وكانت مصر قد شهدت معركة في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات - خاضها المربي حبيب جورجي - أحد رواد التربية الفنية في مصر - عندما تنبه إلى الكامن الفطري، في داخل الإنسان المصري، وأجرى تجربة (الفن التلقائي عند الأطفال المصريين بتهيئة مناخ فني لأطفال قرية الحرانية - بالقرب من الأهرامات، وعزلهم بقدر الإمكان عن المؤثرات الحضارية والتعليمية، واكتفى بتلقينهم دروس القراءة والكتابة، وراح يراقب النماذج التي حققت نتائج باهرة، لكنه عندما نشر نتائج أبحاثه في العام 1952، واقام معرضا بلندن وباريس لإبداعات تلاميذه، يوضح من خلاله السبيل الذي سارت فيه التجربة ، قوبلت نظريته بالدهشة والشك وتحداه بعض النقاد في إمكانية تعميم هذه النظرية على النطاق العالمي، بعد أن وضعوا في الاعتبار أن الأطفال نجحوا لأنهم ينتمون إلى سلالة الفراعنة! ولايمكن تطبيق هذه النظرية في أي بلد آخر. وهو التحدي الذي دفع (حبيب جورجي) إلى الاستقرار في الريف الإنجليزي ستة أشهر، وأجرى التجربة ذاتها على أطفال لم يتأثروا بالدراسة الأكاديمية، وقد أثار نجاح التجربة الباهر ضجة كبرى في الأوساط التربوية هناك، ساهمت بتغيير مناهج التربية الفنية، في العديد من أنحاء العالم، من العناية بتدريس الفنون القديمة إلى الإتجاه لفتح منافذ على (لا وعي) الأطفال، لتفيض بإنتاج مذهل. وإذا كانت الحياة الفنية التشكيلية المصرية المعاصرة قد عرفت فنانين كثيرين، يمثلون هذه الظاهرة الفنية الفطرية، بل ووصلوا بفنهم إلى أن تبنتهم قاعات عرض محلية وأوروبية ، إلا أن صالون الفن الفطري يعد بداية الكشف الحقيقي عن هذا الفن الأثير لدى الكثيرين من المهتمين والذائقة، خاصة أن المؤتمر الذي أقيم على مدار ثلاثة أيام مواكبا لفعاليات الصالون ناقش العديد من الأبحاث والقضايا والإشكاليات التي تساهم في تكريس مفاهيم جديدة لهذا الفن، تضعه في دائرة الاهتمام والضوء، وترفع بعضا من الإلتباس الدائر حول مصطلح الفن الفطري. حظى خمسة من الفنانين الكبار في هذا المجال بتكريم الصالون الأول، حيث ضم المعرض أعمال (حسن عبد الرحمن الشرق 1951)ابن المنيا، والذي يعمل بالتجارة، والمقاولات، وتأثر بزكريا الحجاوي، وجمعت أعماله بين الحس الزخرفي الذي استمد من التراث الحضاري المصري المتعدد، والخط العربي في استخداماته اليومية التي نجدها على الجدران، وإن كان العمل الفني لا يخلو من الطرافة والتميمات الشعبية المأثورة. فيما شمل التكريم شيخ الفنانين الفطريين النحات (عبد البديع عبد الحي 1916) من المنيا أيضا، والذي كان يعمل طباخا لدى (هدى شعراوي) وشجعته على ممارسة الفن، وقدمته إلى الحركة الفنية أنئذ، ونال جائزة كبرى في مسابقة مختار للنحت، والتحق بمراسم الأقصر، حيث قضى عامين، كما حصل على منحه التفرغ لمدة 35 عاما، وتتسم أعماله بحس اجتماعي عال، يجعلها تقترب من مدرسة الواقعية الاشتراكية. أما المكرم الثالث في الصالون.. فهو (لويس توفيق 1929) ابن جزيرة سيناء، الذي تلقى تعليمه بمدرسة الصم والبكم بمدينة القدس على يد أستاذ هندي أصم وأبكم وذلك في الفترة من العام 1945 وحتى 1948، بعدها عاد إلى القنطرة شرق، وعمل في مهنة الخياطة، وتتمتع أعماله (لويس توفيق) بحس أسطوري،يعتمد على السرد القصصي والحكايات الخرافية، لكن بألوان مبهجة وساخنة جدا، ويشترك معه في ذلك الفنان محمود اللبان 1921 المكرم أيضا، ابن حي الغورية، بمنطقة الأزهر - حوش قدم - والذي كان يعمل لبانا متجولا في حى الحسين، وإرتبط بالشيخ امام والشاعر أحمد فؤاد نجم، واكتشفه الأديب محمد جاد الرب بالمصادفة بعد أن رأى عمله (الوجاء) أو مستوقد الفحم، وهي المسيرة التي لا تختلف كثيرا عن مسيرة الفنان محمد على (1930) الفنان الخامس الذي شمله التكريم في الصالون، والذي ترك صياغة الحلي ليعمل في الجوقة الصغيرة مع الملحن الشيخ أمام عيسي والشاعر أحمد فؤاد نجم، وتتميز أعماله بحس شعبي يحتفي بالألوان الطازجة. ضم المعرض أعمالا فنيه لـ 8 مهندسين، 3 أطباء 5 خريجيين كليات آداب، 4 محاسبين ونقيب شرطة، محررة صحفية، حيث إتسمت أعمال الجميع بالحرية والإنطلاق متجاوزة الأطر الأكاديمية والمنظور وحسابات اللون والمساحة، لكنها لم تتخل عن البساطة حيث نرى أعمال الفنان الفطري (جاد سلامة 1934) شيخ البلد بإحدى قرى الجيزة، تصور الحياة اليومية للناس في القرية، بدون تكلف، أو تعقيدات سواء في الشكل أو اللون، فالناس تقف إلى جوار بعض دون تقيد بالمنظور الهندسي وهكذا. أما لوحة إنتظار الحبيب للفنانه داليا عبد السلام مصطفى، فتتسم بالبناء المحكم، مما يذكرنا بأعمال فناني المكسيك، فيما لجأت ريهام غريب سليمان إلى عالم أسطوري خرافي (لمبة الجاز) فيه تتجاوز حجم الأشخاص، وإتجهت (رشا قرني) إلى أشكال سريالية للتعبير ، وتجاوز زكريا سليمان النسب الطبيعية للإنسان في لوحة عن فلسطين، وصور أحمد محمد عبد المريد مشهدا يوميا لست البيت وتغسل لكن في الهواء الطلق، واستخدمت إسعاد هانم حسن أحمد الألوان الساخنة وانحازت بثينة موسى إلى رسوم الوشم، وأشرف إبراهيم محمود إلى الطراز البدوي، فيما جسد صلاح حسونة العمل في الحقل في لوحة، وقدمت عصمت بدر لوحه عن الزهور، فيما قلد محمد جمال الدين محمد لوحة لغير مير، وجمعت نفيسه البقلي بين الصور الفوتوغرافية والرسم في لوحة تصور لحظة الزفاف وتجلت الرومانسية في أعمال ناهد سيد عبد العزيز وتميز إبراهيم عباس عبد اللطيف في الخزف، وكذلك شعبان محمد زكي، وعثمان وهبي، وفائق عبد القادر أما النحت فجسد ببراعه أحمد حسن مسلم افتراس حيوان أسطوري لفريسة، فيما جسد أيمن عبد القوي سعداوي العامل الحزين، واستخدم خالد عبد الواحد محمد نوفل الحديد الخردة في نحته، وقدم عبده رمزي رزق الله مجموعة كبيرة نفذها أيضا من الحديد الخردة،لكنها اتسمت بقوة التعبير، بينما تميز مجدي ميخائيل مقار في النحت على الحجر، ومحمد عبد الحميد السحار بحسه الشعبي. والمعرض في مجملة بداية جديدة لفن ظل يعاني طوال عقود من المعوقات، والإحساس بالدونية والتهميش، لذا، التواجد على الساحة التشكيلية بهذا النحو سوف يعيد مراجعة العديد من المفاهيم والتوجهات التي ربما تعدل ميزان التقييم لصالح الفن الفطري. القاهرة ـ سيد هويدي: