في زمن انتهت فيه العنصرية والتفرقة بين الابيض والاسود في معظم اجزاء الكرة الارضية، تأتي الدولة العظمى الوحيدة في العالم الآن لتضرب واحداً من اكثر الامثلة وضوحاً على الاضطهاد والتمييز العنصري، في مجتمع يفترض انه يراعي حماية حقوق الانسان حسبما يدعى، بل ويقدم على معاقبة غيره بزعم انتهاك القيم الانسانية وعدم الالتزام بالمواثيق الدولية الخاصة بتوفير معاملة متعادلة لكل ابناء الشعب. المتتبع لاحوال المجتمع الاميركي لا يجد اي مبالغة في الادعاء بأن الولايات المتحدة الاميركية غدت من اكثر بلدان العالم التي يعاني شعبها عدم مساره في التعامل مع طبقاته المختلفة من قبل السلطات. وتعد الساحة التعليمية من ابرز الميادين التي تتغلب فيها صور التمييز العنصري بين البيض والسود وتفضيل المواطنون البيض على غيرهم سواء السود او هؤلاء من اصل آسيوي والذين يحملون مثل اقرانهم البيض الجنسية الأميركية. وليس هناك دليل على ذلك افضل من اعترافات منظمات حقوق الانسان العاملة في الولايات المتحدة والتي تؤكد ان المدرسين ومسئولي المدارس والادارات التعليمية لم يعودوا افضل حالاً من رجال الشرطة ومباحث المطار الذين لا يتورعون عن التعرض للمواطنين بصور متباينة على اساس انتماءاتهم العرقية ولون بشرتهم. فجولة بسيطة في المطارات الاميركية توضح كيف يتعرض المواطن الاميركي الاسود لمعاملة مختلفة كل الاختلاف عن المعاملة الكريمة التي ينعم بها المواطن الابيض، وكيف يتعرض رجال الشرطة للمواطن الاسود باسلوب يبتعد كل البعد عن قواعد الاحترام التي يتمتع بها نظيره الابيض. هذا التمييز العنصري في المعاملة إلى المدارس والمؤسسات التعليمية بالولايات المتحدة، حيث تشير التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الانسان هناك إلى ان نسبة الطلاب والطالبات السود الذين ينقطعون عن التعليم تزيد بكثير عن مثيلاتها بين اقرانهم البيض وذلك بسبب تعرضهم للفصل التعسفي على يد المسئولين او رغبة منهم في الهروب من المعاملة السيئة التي يلقونها على ايدي مدرسيهم والمسئولين في الادارات التعليمية بشكل عام. وتشير الاحصاءات إلى انه في مدينة موديستون بولاية كاليفورنيا على سبيل المثال، يتبين ان نسبة الطلاب والطالبات السود الذين يتعرضون للطرد من المدارس والمعاهد التعليمية تزيد مرتين ونصف المرة عن النسبة نفس بين اقرانهم السود. ولم تكن حادثة الطالب الاسود كينيث راسل الاخيرة الا احد الامثلة التي القت بالضوء على ما يجرى في الساحة التعليمية الاميركية، وكيف لا تتم معاملة جميع الطلبة بشكل متكافيء. فاحد لا ينكر ان الطالب راسل يعد من الطلبة الذين يتصفون ببعض الاندفاعية في سلوكه، ولكنه لا يختلف كثيراً عن نسبة كبيرة من زملائه سواء السود ام البيض. هذا الطالب البالغ من العمر 15 عاماً يدرس بالمرحلة الثانوية في احدى مدارس مدينة ساليدا بولاية كاليفورنيا، ويعرف عنه انه سليط اللسان. وحدث ان وقعت مشاجرة بينه وبين زميل ابيض له، بسبب امور لا دخل للعرق فيها، قام خلالها راسل بتبادل اللكمات مع زميله مما ادى إلى وقوع بعض الاصابات بينهما. وعلى الرغم من ان التحقيق في الامر اثبت ان الطرفين ارتكبا اخطاء متبادلة، الا ان زميل راسل الابيض نال عقوبة الايقاف عن المدرسة لمدة ثلاثة ايام، في حين ان راسل تم ابعاده عن المدرسة لمدة قلت قليلاً عن الشهر، فقد خلالها الطالب قدراً كبيراً من برنامجه الدراسي بدرجة قد تعيق نجاحه في المرحلة التي يدرس بها. وما كان من ابيه الا ان تقدم بشكوى إلى وزارة التعليم التي لا تزال تنظر في القضية. ولم يكن والد راسل هو الوحيد الذي تقدم بمثل هذه الشكوى ولكن المجتمع الامريكي يعج بالكثير ممن اقدموا على العمل نفسه بل خاطبوا منظمات حقوق الانسان للبحث في الامر. فقد تبين انه في عام 1998 ـ 1999 وحده قامت ولاية واحدة فقط وهي ساوث كارولينا بفصل وايقاف 9% من طلبتها البيض في حين ان 35 ولاية اخرى قامت بايقاف النسبة نفسها ولكن من بين الطلبة السود، وذلك طبقاً لاحصائيات توصل اليها القائمون على مشروع الحقوق المدنية بجامعة هارفارد. وخلال العامين الماضيين نشطت جماعات حقوق الانسان في عدد كبير من المدن الاميركية، وتبنت تلك الجماعات قضية الدفاع عن الطلبة السود في الساحة التعليمية الاميركية، الامر الذي دفع الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، (إن.إيه.إيه.سي.بي) إلى الطلب من كل ولاية ان تقدم خطة تستهدف اعادة النظام ومكافحة اي صور من صور التمييز بين الطلبة باقصى سرعة ممكنة. وفي الوقت نفسه، قامت الجهات التشريعية بولاية ميريلاند وجزيرة رود بانشاء قوات وفرق عمل خاصة لبحث سبل احلال النظام والامن ومكافحة التمييز في المدارس الواقعة تحت نطاقها الاداري. ولقد وجدت بعض تلك الفرق ان الفقر والمستوى الاقتصادية عاملان يضافان إلى تفاقهم ظاهرة العنف بين الطلبة في هذه المدارس لاسيما بين البيض والسود، وخلصوا إلى ان مشكلة التمييز العنصري وكذلك العنف التعليمي هي مشكلات اقتصادية بقدر ما هي قضايا اجتماعية شائكة. ولم تقتصر محنة السود على ما يعانيه ابناؤهم في المراحل التعليمية المختلفة، ولكن الامر يمتد إلى الساحات القضائية حيث يصعب، بل يستحيل في اغلب الاحوال العثور على دليل تقتنع به المحكمة للحفاظ على حقوق هؤلاء الطلبة الذين يتم طردهم من مدارسهم ووصل الامر إلى ان مسئول حركات حقوق الانسان طلبوا من اصحاب الشكاوى السود ان يتجنبوا الدخول في دهاليز المحاكم وان يخاطبوا المسئولين التعليميين مباشرة، وحدث في الفترة الاخيرة ان مسئولي هذه المنظمات كانوا يصاحبون اولياء الامور من السود في مقابلتهم مع المسئولين التعليميين كي يضمنوا تطبيق العدالة، فهي بلاد لا تتطابق فيها الافعال مع الاقوال. حاتم حسين