ربما تكون المدن التاريخية والأماكن المقدسة من أهم شواهد التاريخ الحي التي تقف نابضة بالحياة على التاريخ الإنساني، فهذه المدن والأماكن ظلت على الدوام مركز استقطاب للبشر لما تمثله من أهمية في جميع مجالات الحياة الإنسانية، التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية والمعمارية، وكان حرص الإنسان أبداً منصبا على كيفية إبقاء تلك المواقع على أفضل وأروع صورة ممكنة، بحيث ظلت عجائب خلابة حتى في العصر الحالي في ظل التطور الهائل للتقنية والهندسة والمعمار. فالحدائق المعلقة واهرامات الجيزة وسور الصين ومعبد آيسي في اليابان ما هي الاّ شواهد حية على عبقرية الاهتمام البشري يتشييد صروح تحمل في روعتها ومغزاها صوراً للتعبير عن شغف بني البشر بالأماكن التاريخية والدينية. بيد أن الكثير من الأماكن المقدسة والمدن التاريخية شرعت بالاختفاء والاضمحلال بصورة بدا كأن الوقت المعاصر والمدن الحديثة ليست على استعداد معها لاعادتها الى سيرتها الأولى، وكان للإنسان، وخاصة في الدول الفقيرة المعدمة، الدور الأكبر في محو صور تلك المدن والأماكن، وفي الوقت الذي كان فيه اختفاء بعض المدن عن بكرة أبيها وعلى درجة هائلة من السرعة بفعل كوارث طبيعية كالبراكين والزلازل والفيضانات، كما حصل مع مدينة بومبي الإيطالية عام 78 قبل الميلاد أو ما حل بمدينة أتلانتس المثيرة للجدل، فإن التدخل البشري المتمثل بالزحف الهائل صوب المدن والكثافة السكانية المتزايدة بشكل منفجر من دون تخطيط وضعف الاقتصاد قد أفضت جميعها إلى قلة الاهتمام بالمدن التاريخية والأماكن المقدسة. وفي الكتاب الذي نناقشه هنا يسعى المؤلفون للقول إن اعداد سكان المدن في الدول النامية ستتضاعف ثلاث مرات في القرنين المقبلين، لتصنف أغلبية البشر لأول مرة على أنها حضرية وليست ريفية وستكون لهذا التحول الديموجرافي عواقب اقتصادية واجتماعية من أهمها ان معظم المدن التاريخية والأماكن المقدسة ستكون عرضة للإهمال وتغيير الملامح وربما التدمير إن لم تتدخل السلطات بقوة لحمايتها، وإن لم تؤد المؤسسات المالية العالمية الكبرى دورها في الحيلولة دون حدوث ذلك، ففي الدول النامية وحدها ثمة 100 مدينة تاريخية وما يقرب 200 مكان مقدس وهي نسبة كبيرة جداً بالمقارنة مع إجمالي العدد العالمي، ومثل هذه المدن التاريخية تواجه معضلات كبيرة وكما يشير الكتاب والتي تتمثل بالتصدي للضغوط السكانية والبنى التحتية المتآكلة والقاعدة الإقتصادية الآخذة بالاضمحلال. جماليات فريدة يفيد الكتاب في معرض سياق الحديث عن المدن التاريخية والأماكن المقدسة أن المدن وفقاً للتقاليد الدينية الأصيلة قد ارتبطت بشكل روحي ونفسي مع الإنسان بحيث كانت المدينة مركز التقاء العوامل المادية والنفسية والروحية والعاطفية والفكرية، ومن ابرز الأمثلة التي يضربها لنا الكتاب ما يتعلق بمدينة مكة المكرمة باعتبارها المدينة الدينية المطلقة للمسلمين والتي تمثل فيها الكعبة المشرفة قلب المدينة ومركز المشاعر الانسانية، وعلى الرغم من أن الكثير من المعالم التاريخية لمدينة مكة قد توارت واندثرت بفعل المشروعات المدنية المتجددة والمتعاقبة الكثيرة فإن قلب المدينة أو مركزها يبقى من دون تغيير ليقيم علاقة مباشرة مع القلب الروحي ومع قلب المدينة ومع صميم العالم الإسلامي والمشاعر الإنسانية. ومن هنا فالمؤلفون يدعوننا إلى البحث عن السبب الذي يجعل من المدن والأماكن المقدسة كيانات ذات أهمية كبيرة جداً، فعندما يتجول المرء في الشوارع الضيقة لمدن كاركازون في فرنسا وفاس في المغرب وإصفهان في إيران وبينارس في الهند فإن الشعور الذي يراوده يكون قوامه إنه في محيط أو جو يحرك مشاعره بعمق، لأنها في الواقع فضاء آخر ومكان آخر، وهي علاقة كان الإنسان يفهم سرها ومحتواها حيث غنى لها الشعراء، وعبر عنها الأدباء، بيد أن العصر الحاضر لا يمنحنا على الدوام مثل هذه التجربة على نحو جدي. ومن جانب آخر يرى المؤلفون أن ثمة علاقة اعتماد بين بناء أماكن العبادة للأديان الموجودة في العالم وتميزت هذه العلاقة منذ القرون الأولى للعصر الإنساني عندما بدأ بالظهور بناء الكنائس الأولى وأماكن العبادة الأخرى، وكان التصميم الأول لمثل هذه الأماكن المقدسة يتمثل بقاعة منفردة تقسمها صفوف من الأعمدة التي تحيط بالجدران الداخلية للمبنى الضخم، وهذا الأمر يناقض المعبد الأغريقي ـ الروماني للامبراطورية الرومانية الذي كان فيه صف الأعمدة محيطاً بالجدران الخارجية للمبنى، وكان هذا الشكل الذي تجسد في الإمبراطورية الرومانية قد بات يعرف بالبازيلكا كذلك الذي كان موجوداً في مدينة بومبي (إيطاليا) قبيل تدميرها في عام 78 قبل الميلاد، وكان أهم ما يميز البازيلكا النوافذ العليا فوق الأعمدة والتي كان بوسعها أن تجلب الضوء إلى القاعة الرئيسية. وعند الحديث عن الجوامع يشير مؤلفو الكتاب الى إن بنّائي الجوامع الأولى قد أدركوا الأهمية الكبيرة للقاعة الرئيسية وتمكنوا من تصميمها بشكل يسير، كما حصل مع جامع دمشق الكبير 709- 715. فبدلاً من الجزء الناتيء نصف الدائري الموجود في الكنيسة كان المحراب ذو الشكل شبه الدائري الصغير إشارة لإتجاه القبلة، ومن جانب آخر كان هذا البناء البازيلكي ذو صفوف الأعمدة والمتجه جنوباً شطر مكة المكرمة قد تم تشييده كقاعة رحبة الفناء تحتضن أكبر عدد من الحضور الذين يصلون باتجاه القبلة. بيد أن البناء الداخلي صوب المدخل الرئيس لا يختلف كثيراً عن تصميم الكنائس في ذلك الوقت، ما عدا كون الواجهة الجانبية أوسع في الجامع مما كانت عليه الحال بالنسبة للكنائس. وهنا يشير المؤلفون إلى أن الانتشار السريع للإسلام خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين قد أسهم بدوره في نقل تصميم الجوامع إلى الأقطار والبلدان العديدة، وخاصة الأوروبية منها التي خضعت للحكم الإسلامي، فجامع قرطبة الكبير الذي بدأ بتشييده عبد الرحمن الأول في عام 784 ظل من أفخم الأبنية على مدى قرنين من الزمان، حيث كانت الأعمدة ذات الأقواس المزدوجة جزءاً من التصميم الأول للجامع بينما كان من السهل مشاهدة البناء الأساسي الواسع ذى المحراب المتجه شرقاً صوب مكة المكرمة حتى من فوق السطوح، أما المسجد الأقصى الأول الذي تم الشروع به في عام 705 فكان يظهر بناء مماثلاً على الرغم من توسيعه في عام 1035. ولا يختلف الشكل البازيلكي الذي يمكن ملاحظته عند المدخل الرئيسي عن أي شكل آخر للكنائس الفخمة ذات الطراز التصميمي الرائع. وقد ألهم تصميم قبة الصخرة المشرفة العديد من الكنائس التي تم تشييدها بحيث تعدى هذا الأمر مجرد الشكل ليشمل أيضاً القياسات والأبعاد، كما هي الحال عليه مع كنيسة سيلبتشري. وبالنسبة لأوروبا فيعتبر الكتّاب ضريح سانتا كونستانزا من أبرز المعالم المسيحية التذكارية، إذ تم بناؤها فيما بين الأعوام 337-354. ويماثل هذا الضريح قبة الصخرة، حيث تم تشييده على شكل بازيلكي ذي نوافذ تعلو الأعمدة، مما أسهم في جلب أكبر كمية ممكنة من الضوء إلى القاعة الرئيسية، وكان ذلك التصميم الذي قام عليه الضريح وفقاً لما يشير المؤلفون أصولاً لبناء كنائس مركزية دائرية فخمة على امتداد ما تلا من قرون. ومن جانب آخر يرى الكتّاب ان فخامة كنيسة أيا صوفيا قد أثر في الهيكل والتصميم المركزي للكثير من البنايات في الشرق والغرب على السواء فبعد الفتح الاسلامي للقسطنطينية وتحويل ايا صوفيا الى مسجد جامع تم تبني هذا الطراز المعماري ليكون إنموذجاً للمساجد الأخرى، فالجامع السليمي في أدرنة قد بناه المعماري المشهور سنان للسلطان سليم في الأعوام ما بين 1569-1575، ليحاكي في تصميمه أيا صوفيا بيد إن جامع قاعة الصلاة في سليمي تنعم بضياء أكبر من أيا صوفيا في الوقت الذي تحتوى فيه المنبر والمصلى والدكة، أما الجامع الأزرق الذي تم بناؤه في إسطنبول في القرن السابع عشر فإنه يشبه تلك الجوامع من الخارج ويختلف عنها من حيث مقدار الضوء الداخل إليه. وفي المحصلة يخلص المؤلفون للقول إن العلاقة بين المساجد والكنائس معقدة وكثيرة التشعب والتداخل تلعب فيها العوامل التاريخية والجغرافية والدينية والحضارية دوراً كبيراً في شكل تصميمها ورونقها. وفيما يخص مناطق العالم الأخرى التي لا ينتشر فيها الإسلام والمسيحية واليهودية لتشكيل دين غالبية السكان فإن الكتاب يتحدث عن بعض منها، خاصة الموجودة في دول ذات تاريخ حضاري وثقافي عريق ومعروف كاليابان والصين، ويعتبر الضريح الكبير لآيسي الموجود في اليابان من أكثر المواقع الدينية تقديساً هناك، حيث يعود تاريخه إلى أكثر من ألفي سنة، وتم تشييد بنايات الضريح جميعها من الخشب، وليس من الأحجار الصلبة القوية، مما جعل عملية صيانته صعبة للغاية ومعقدة في الوقت ذاته، ولكن ظل ذلك الضريح نابضاً بالحياة من دون تلف بفضل طريقة صيانته، حيث النظام المتبع هناك يتلخص في إعادة بناء المعبد بكامله مرة كل عشرين سنة، فيتم إعادة بناء الكنوز الدينية على شكل يماثل الأصل تماماً. وهكذا ظل المعبد يتمتع بعملية تجديد كاملة كل عشرين سنة، وتم تبني نظام إعادة البناء هذا عند نهاية القرن السابع وظل متبعاً من دون توقف على مدى 1300 سنة، وفي العام 1993، وفي المناسبة الدورية الحادية والستين لعملية إزالة معبد آيسي الكبير واعادة بنائه، كان العمل الضخم هو أهم سمات ما حصل في عملية إعادة البناء، إلى درجة بدا كأنه مزار جديد مفعم بالحيوية والنشاط. التاريخ وتحديات المستقبل من الامور التي يراها المؤلفون ذات أهمية لا حصر بالنسبة للمواقع التاريخية والاماكن المقدسة الموجودة في المدن طبيعة تلك المدن فيما يتعلق بكثافة السكان وعملية تراكم وانتاج الثروات وتمركز الثروة والسلطة في مكان محدود جدا، وتمثل القاهرة نموذجا معقدا يصعب فهمه للعلاقة بين المجتمع المدني والاماكن التاريخية، فتمركز الناس والسلطة والثروة يمثل بحد ذاته نقطة مركزية وجوهرية في دراما الحياة اليومية لاى مدينة، خاصة في بعض المدن التي تقف القاهرة على رأسها طالما لم تتوقف الموجات السكانية البشرية في النمو على مدى أكثر من ألف عام. زد على ذلك فان القاهرة شأن معظم المدن الاسلامية الاخرى، استوطن مركزها الأثرياء الذين سكن الى جانبهم الجنود وخلال تاريخها الطويل شهدت دورات متعاقبة انتقل فيها الأثرياء من المركز صوب الشمال أو الشمال الشرقي، في الأماكن الكائنة بين النيل وجبل المقطم. فمثلا عندما بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط عام 641 بعد الميلاد ترك الأثرياء تلك المدينة فيما بعد وانتقلوا شطر الاقصر في الشمال الشرقي، وبعد مائة عام انتقل الحكام مرة اخرى الى القطائع والى القاهرة أخيرا ،العاصمة الفاطمية التي تم تأسيسها عام 969 بعد الميلاد. واستمرت الموجات السكانية بالنمو فشملت المنطقة برمتها وعندما غادر الأثرياء المناطق القديمة الثرية التي شيدوا قصورا فيها تركوا وراءهم جوامع وأضرحة ذات بناء معماري جميل وفي الوقت ذاته لم يجد الفقراء والمحتاجون الذين انتقلوا الى المراكز المهجورة اية وسائل للعناية بذلك التراث، وهو الأمر الذي جعل الاماكن التاريخية عرضة دائمة للإهمال وفي المناطق المسكونة فأن حجم التدهور بقي ضئيلا طالما مكثت نسبة السكان صغيرة كما كانت عليه الحال في القاهرة حتى القرن التاسع عشر، وكان الانتقال من الفسطاط الى العسكر ثم القاهرة على مدى 600 سنة لم يوسع المنطقة المدنية أكثر من ميلين مربعين. وكان التحول الذي صاحب النمو السكاني للقاهرة لا يتعلق بمراكز السلطة والثروة، بل امتد ليشمل شكل الطبقات الاجتماعية، ففي القرن التاسع عشر تبنى المصريون الطراز الأوروبي في تصميم مدنهم فكانت القاهرة وكذلك مدن مصر الأخرى ذات شوارع واسعة وبنايات متعددة الطوابق، وكانت تلك رؤية الخديوي إسماعيل حاكم مصر في منتصف القرن التاسع عشر، الذي شاء أن يقلد أوروبا في عدة جوانب من جوانب الحياة وأن يجعل منها قطعة من اوروبا. وانتقل الخديوي أيضا من القلعة التي كانت مركز السلطة لثمانية قرون إلى قصر عابدين ، وأفضى هذا الانتقال إلى ولادة العديد من الأحياء الجديدة مثل الزمالك والمعادي وجاردن سيتي وغيرها من الأحياء الجديدة الأخرى والتي كانت بدورها جميعا نتيجة للتطور الذي شهده القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وحصل التغير الكبير الآخر في منتصف القرن العشرين خلال عهد ثورة يوليو عام 1952 حين ظهرت طبقة أخرى جديدة وهي الطبقة المتوسطة وسعت هذه الطبقة إلى جعل مصر بلدا عصريا صناعيا ، فتم إنشاء أحياء جديدة لتعكس الفكر الصناعي والآفاق الجديدة للطبقة الحاكمة وكان المهندسين الحي الجديد الذي نسب الى المهندسين الذين قاموا ببناء بيوتهم فيه، فكان هذا الحي صورة أخرى لحجم التطور الهائل في منتصف القرن العشرين حيث تم تشييده على الجانب الغربي للمدينة القديمة بينما احتلت مدينة نصر هي الأخرى الجانب الشرقي، وبفعل الزيادة الهائلة للسكان في الفترة الكائنة بين 1952-1970 فإن حجم المدينة تضاعف ثلاث مرات من ستة أميال مربعة إلى 18 ميلاً مربعاً. قاد هذا الأمر، وكما يبين مؤلفو الكتاب، إلى أن يهجر الأثرياء مركز المدينة ليسكنوا في الأطراف، لتستقبل المدينة القديمة الفقراء على نحو خاص، وكان للتجمعات السكانية الكثيفة التي نشأت هناك، وتقسيم البنايات القديمة لتحتضن العائلات المتزايدة والمهاجرين الجدد، والفعاليات الاقتصادية الجديدة كالمصانع الصغيرة أن تحل محل النسيج المدني للمدينة التاريخية القديمة، زد على ذلك انه لم يعد الفراغ الروحي والفضاء المادي والحقائق السكانية ذات تناسق دائم وأفضت نسبة السكان المتزايدة إلى لجوء معظم الناس الفقراء للعيش في الجبانة وداخل الأضرحة التاريخية وفي مدينة القاهرة التاريخية وعلى أطراف مناطق الطبقة المتوسطة أو في أي محل يجدون فيه ملجأً أو سكناً رخيصاً ولأن معظم المواقع التاريخية هي أماكن عامة لم يتردد هؤلاء الناس في الانتقال إليها، فبات من الصعب اخراجهم من تلك المواقع بمرور الزمن. ويخلص المؤلفون للقول بعد طرح مشكلة مدينة القاهرة المستعصية أن الحياة اليومية لمتطلبات المدينة القديمة ينبغي دمجها ضمن خطط مستقبلية للمدينة الجديدة، وتتطلب عملية التطوير تغييراً يساهم فيه الجميع ليستفيد منه الجميع فالتعامل مع المدن التاريخية ـ من دون استثناء ـ يتطلب معرفةً بالجوانب الاجتماعية والمادية، بينما ستؤول عملية التجديد من أجل الحماية والمحافظة إلى إخفاق محتوم إذا ما كانت تلك العملية تجهل النسيج الاجتماعي للمدينة وإذا لم يساهم أبناء تلك المدينة بدورهم في العملية. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية والتي تشهد بدورها نمواً سكانياً فإن المؤلفين يدعوننا، عند الحديث عن تطور المملكة المعماري، للمقارنة بين تأثير التمدن والتحضر على المدن والمواقع التاريخية المقدسة هناك مع واقع التطور في الدول المتقدمة، ففي مثل هذه الدول، كالنرويج والدانمارك والمملكة المتحدة واليابان، وعلى العكس مما يحصل في اندونسيا والهند وباكستان ومصر، لا تكاد نسب الزيادة السكانية تشكل أية نسبة ملحوظة، ولأن الدول الأوروبية تنعم بنسب ثابتة وغير مضطربة في النمو السكاني، فإن المحافظة على الأماكن التاريخية والمواقع المقدسة، حسب رأي المؤلفين، تمثل عملاً واقعياً من اليسير القيام به والاستمرار على ذلك. وبعد أن يتحدث الكتاب عن الأهمية الدينية المقدسة والعظيمة لمكة المكرمة يقول المؤلفون إن نسبة نمو السكان كانت هناك مستقرة في الألف سنة الماضية، بحيث لم يحدث سوى تغير طفيف في المدينة القديمة حتى العام 1950 وفي أواخر الخمسينيات، وعندما بدأت أعداد الحجاج بالتزايد قررت المملكة العربية السعودية البدء بأكبر عملية توسعية للحرم الشريف، بحيث شمل ذات المستويات الأربعة: السفلي والرئيسي والأول والثاني: لقد كان التوسع الحديث الأول للحرم الشريف يهدف إلى أن يستوعب أكبر عدد من الحجاج وليكون كافياً لما يلي من قرون، ولكن الزيادة السريعة في أعداد الحجاج (ما يقرب المليونين كل عام) ونمو سكان مكة المكرمة، كل ذلك جعل من عملية التطوير فاشلة حتى قبل إكمالها، مما تطلب جولة أخرى من تدمير البنايات التاريخية لتجعل من عملية التوسع ممكنة. الحفاظ على المدن والمواقع يتطرق المؤلفون في الكثير من فصول الكتاب الى الحديث عن الأهمية في المحافظة على المدن التاريخية، باعتبارها رمزاً لتاريخ الشعوب والأمم وقبلة دينية أو سياحية يقصدها الملايين من الناس سنوياً، ناهيك عن كون هذه الأماكن بحد ذاتها تجسيداً لفن الشعوب ورقيها وتحضرها وترتبط هذه المحاولات للحفاظ على الأماكن المقدسة بالدعم المالي من جانب مؤسسات عالمية كبرى كصندوق النقد الدولي أو اليونسكو، خاصة في المناطق التي تتعرض للكوارث الطبيعية مثل الهزات الأرضية والزلازل وانجراف التربة أو الكوارث الأخرى كالحروب وعمليات التدخل البشري المدمر. ومن جانب آخر يتطرق الكتاب إلى أهمية الدور الذي يلعبه القطاعان الخاص والعام في المحافظة على الواقع التاريخي لأن مثل هذا الأمر سيسهم بالمحصلة في تحقيق درجات أفضل من العناية والاهتمام بالأماكن المقدسة، بالإضافة إلى توعية الناس بالأهمية الكبيرة التي تعنيها هذه الأضرحة والمعابد والنصب. ومن المدن العديدة التي يشير إليها المؤلفون في معظم دول العالم كالوطن العربي واليابان وأمريكا والبرازيل والنرويج تقف مدينة البندقية في إيطاليا كنموذج مثالي، وهذا الأمر في حقيقته نتيجة لأهمية البندقية عالمياً وتاريخياً، ولأن عملية المحافظة عليها جديرة بالاهتمام والملاحظة. فمدينة البندقية وفقاً لما يقول دكتور إسماعيل سراج الدين والكتاب الآخرون هي احدى عجائب مدن العالم المشهورة وجوهرة معمارية تم تشييدها بشكل أشبه بالمعجزة في وسط بيئة طبيعة شديدة التعقيد والصعوبة(بحيرة البندقية) وباتت هذه البحيرة عرضة لخطر شديد بفعل عدة عوامل، فالمنطقة الصناعية التي تم انشاؤها عند أحد الموانيء المجاورة، والقنوات العميقة التي تم حفرها في أجزاء عديدة من البحيرة لنقل الحمولات الكبيرة ولمرور ناقلات النفط، والضغط الذي نجم عن بناء مستوطنات بشرية على أطراف البحيرة، وكذلك المشكلات البيئية المتزايدة بفعل تلوث الأنهار المجاورة قد أسهمت جميعاً في تغيير تلك الصورة الجميلة عن المدينة الساحرة، زد على ذلك أن التغيرات المناخية التي شهدتها العقود الأخيرة قد أفضت إلى حالة من ارتفاع مستوى البحر المصحوب بانخفاض نسبة التربة، مما جعل مدينة البندقية تعاني من ظاهرة التيارات العالية غير الاعتيادية. وشهدت هذه المدينة أيضاً حالة من التدهور فيما يخص النسيج الاجتماعي والهيكلية الديموجرافية حيث هاجر الكثير من الشباب من المدينة التاريخية صوب المدن الساحلية ويعود السبب في ذلك إلى الكلفة الباهظة لإعادة تصميم البنايات القديمة كي تواكب مستويات الحياة العصرية، وكذلك الضغط الهائل للسياحة على سوق العقارات والخدمات العامة، ناهيك عن سوق العمل المحدودة التي تهيمن عليها المؤسسات العامة والسياحة شيئاً فشيئاً وشهدت الخمسون سنة الأخيرة تحولاً ديموجرافيا جذرياً فيما يخص نسبة السكان المقيمين حيث انخفضت بما يقرب 55%، من 150 ألفا في أواخر الأربعينيات إلى 68 ألفا في عام 1998 وحسب المعايير الإيطالية فإن البندقية ذات نسبة كثافة سكانية واطئة، 90 ساكنا للهكتار بالمقارنة مع 200 أو 300 في الهكتار في المدن الإيطالية التاريخية الأخرى. ولمواجهة ضياع القاعدة الاقتصادية والصناعية وأكثر من نصف السكان وللحد من الأخطار البيئية فإن الإدارة المحلية قد اتخذت خطوات عديدة في السنوات الأخيرة السابقة وكان من بين تلك الإجراءات تطوير أنظمة للسيطرة على التيارات المائية العالية وانشاء نظام تصريف مياه جديد وتنفيذ مشاريع تجديد مدنية وتنويع اقتصاد المدينة وايجاد مناطق سكانية مقبولة التكلفة لجذب سكان جدد إلى البندقية. وضمن هذه الإستراتيجية احتلت عملية إعادة تطوير وتحويل منطقة الترسانة في البندقية احدى الأولويات الرئيسية فهذه المنطقة التاريخية والكائنة على أطراف المركز التاريخي للبندقية قد تم تأسيسها في القرن الثاني عشر بهدف تشييد أولى الأساطيل البحرية، لتكون بعدها نقطة انطلاق الحملات الصليبية ومركز قوة للغزوات في الحوض الأبيض المتوسط من جهة الجنوب الشرقي وعند نهاية القرن السادس عشر احتلت منطقة الترسانة 26 هكتاراً لتكون من أول نماذج الإنتاج الصناعي القائم على أساس تجميع الأجزاء واستطاع 3000 عامل كانوا يعملون هناك في ذلك الوقت انتاج 7 سفن حربية كل شهر. أفكار وخطط في الثمانينيات بدأت بالظهور أفكار لعمليات وخطط تطوير شاملة على أساس نظام أوسع من العلاقات المدنية عبر البحيرة حيث سيؤدي مجمع الترسانة خليطاً من الاستخدامات المتعددة وفي العام 1991 تم تشكيل اتحاد من الشركات الخاصة والعامة بهدف تطوير المشروعات التقنية وبناء مجمع للشركات والمؤسسات هناك، ويضم المركز 4500 متر مربع من المناطق المغطاة و6500 متر مربع من المناطق المفتوحة، لتبلغ ما إجماله 3% من مساحة الترسانة الإجمالية، وأدخل المشروع مجموعة من الوسائل والمرافق التقنية المعاصرة إلى هياكل المستودعات التاريخية، التي تم بناء أحدها في القرن السادس عشر، في الوقت الذي حافظ المشروع على اللحمة المادية للبنايات القديمة. وبالإضافة إلى ذلك وكما ينوه المؤلفون فإن التصميم قد انتهج مفهوماً قابلاً للعدول عنه بحيث إن المستودعات القديمة يمكن إعادة تحويلها إلى استخدامات جديدة لدى انتهاء المشروع الحالي، أما مركز مجمع الشركات فقد تم بناؤه ليستضيف شركة هندسية جديدة تقوم بتطوير المنتجات الإبداعية والتطبيقات التكنولوجية في ميدان التقنيات البيئية والبحرية، ومرافق الفحص المخبري، وسلامة النقل، وأنظمة المراقبة وأنظمة الحماية البيئية للمدن الساحلية، وصيانة أنظمة المعلومات وتقدم هذه الخدمات للأسواق المحلية والقومية والدولية. وفي المحصلة يرى المؤلفون ان عملية إعادة تعمير الترسانة قد مثلت فرصة عظيمة لتحديث مدينة البندقية والبيئة المحيطة بالبحيرة، فكانت (الثيتس، أو مجموعة الشركات المشتركة) نموذجاً ناجحاً بشكل استثنائي لعملية إعادة الاستخدام التكيفية، ومن العوامل التي أسهمت في نجاح (الثيتس) التخطيط عالي الاهتمام بالجوانب العملية والمادية والإدارية للمشروعات، بالتعاون مع وكلاء القطاعين العام والخاص، قبل الشروع بالتصميم المادي الفعلي، وثانياً مكن الهيكل العملي الذي تم انشاؤه قبل تشكيل المركز الشركات من الإستفادة من سندات العملاء والعقود الموجودة أصلاً، وثالثاً تبني مفهوم هيكل ودي للتصميم المعماري على أساس فكرة قابلية التحويل. وأخيرا يخلص مؤلفو الكتاب للقول ان القيمة الحقيقية لمشروع (الثيتس) تكمن في إعادة الحياة لفكرة المناطق التاريخية، التي هي ليست مجرد مركز استقطاب أو ذات توجه سياحي، بل في حساسيتها البيئية، مما أسهم في ولادة أعمال ونشاطات إنتاجية جديدة ونمو ثقافي أكثر ثراء وذي ثقافة متنوعة المشارب.