في الصحراء الجرداء التي تذرو رمالها الرياح والواقعة عند سفح جبل «ثييرو بلانكو» أو «الجبل الأبيض» في شمال غربي البيرو، تجثم رابيتان قديمتان معا في وجه العواصف الصحراوية وتغطيهما قطع الفخار المتناثرة، وهاتان الرابيتان هما عبارة عن منصتين احداهما للقمر والاخرى للشمس. وحتى وقت قريب، لم يكن هناك دليل على مدى أهميتهما بالنسبة لحضارة عريقة منسية. واليوم يتضح شيئا فشيئا ان المنصتين كانتا محور مجتمع يملك معرفة تقنية متقدمة على نحو مذهل وأنظمة ري متطورة للاراضي الزراعية وهيكلية لدولة تمثل مكان الصدارة فيها سلطة دينية كانت تطالب بطقوس قربانية غريبة تتضمن شرب دم الانسان. ومنذ ان بدأت عمليات الحفر في منصة القمر قبل احد عشر عاما، تم العثور على مجموعة مذهلة من قطع الفخار والنقوش قليلة البروز. ولكن روعة الاكتشاف لم تحدث الا في عام 1999. وفي اعماق منصة القمر، اكتشف فريق تنقيب يقوده عالم الآثار سنتياغو اوسيدا، حقيبة صغيرة من القصب. وبينما كانوا يرفعون غطاء الحقيبة ببطء، انكشفت طبقات من المادة وظهر الوميض المفاجئ للذهب. وكانت هناك حلي مزخرفة داخل القماش واقراص ربما كانت قد خيطت بالملابس وببغاوات لها خصلات من الريش على رؤوسها تشبه اكواز الذرة ووجوه بشرية معبرة مرصعة عيونها وأفواهها بحجر محلي شبه كريم يبدو مثل اللازورد. لكن التحفة التي اثارت اعجاب أوسيدا كانت عباءة احتفالية للموتشي يعلوها رأس حيوان سنوري ومزينة بعرق اللؤلؤ. ويقول اوسيدا معلقا على تلك العباءة: «انها نوع من العباءات التي كان يرتديها الفائز بنزال طقوسي تعبيرا عن الشرف او النصر». اما الرأس السنوري، فانه مرتبط بالامساك بأسرى الحرب وبالتضحية وكذلك بالآلهة التي كان يعبدها شعب الموتشي. وفي الحقيقة ان هذا الاكتشاف يثير الدهشة لأن الغزاة الاسبان منحوا حقوق نهب واسعة في القرن السادس عشر، وتم استخراج كميات كبيرة من الذهب من منصة القمر. ويوضح اوسيدا ما جرى بقوله: «لقد تركوها بعد ان خلفوا فيها خروقا اكثر مما هو موجود في الجبن»، بل ان الغزاة الاسبان قاموا بتحويل مجرى النهر لاذابة منصة الشمس جزئيا، في محاولة منهم لا ستخراج المزيد من الكنوز. ولهذا السبب، دهش اوسيدا حيث وجد شيئا بهذه القيمة لايزال على حاله. وكانت عملية ترميم العباءة الذهبية عملية مضنية وبطيئة بسبب التعقيد الذي صنعت به أصلا. ويسود الاعتقاد بأن قالبا من الصلصال جرى صنعه وتم وضع طبقة بسمك ثلاثة ميلليمترات من الصمغ النباتي لتشكيل قاعدة الوجه السنوري. ثم جرى بعد ذلك تزيينه بعناية بعرق اللؤلؤ للعيون والاسنان والنحاس للهاة واللسان، وبالصخر الاردوازي من اجل قزحية العين وبأذنين خشبيتين. وجرى بعد ذلك خياطة اعداد كبيرة من الاقراص والاقراط الذهبية في قماش العباءة لكي تومض وتتلألأ تحت اشعة الشمس بشكل يومي بالابتهاج بالنصر. وقد عرضت التحفة الأثرية بعد ترميمها للجمهور في يوليو من عام 2001. كان أول علماء الآثار الذين عملوا في المنصتين لبضعة اشهر في عامي 1899 و1900 هو العالم الألماني ماكس أوهلي، الذي ينسب اليه الفضل في الكشف عن حضارة الموتشي للعالم أجمع. لكن الحضارات المدنية الفنية التي سبقت حضارة الإنكا لم تحظ باهتمام جاد من قبل الباحثين إلا قبل عقود قليلة. وفي عام 1974، سيطرت الامكانيات الهائلة الموجودة في المنصتين الضخمتين على مخيلة سنتياغو اوسيدا، وكان في حينه طالبا بيروفيا يدرس عن حضارات ما قبل التاريخ في تروجيللو، التي تبعد خمسة كيلومترات فقط عن المكان. وقد درس على يد الاستاذ الفرنسي كلود كوشات. وفي عام 1982، ذهب أوسيدا الى بوردو من أجل اعداد اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه، تحت اشراف الاستاذ كوشات ايضا، قبل ان يعود الى البيرو في عام 1986. وبتشجيع من الحلي القليلة التي وجدها في منصة القمر، اصبح بحلول عام 1991مقتنعا بأن الحلي الثمينة لم تنهب كلها. واطلق مشروعا يهدف الى جمع الأموال اللازمة للحفر في المنصة بصورة ملائمة وكان مقدراً له ان يندهش من النتائج. ويقول اوسيدا «ان ابناء شعب الموتشي يتمتعون بأهمية تضاهي أهمية الاغريق، من حيث الطريقة التي ادخلوا بها تغييرات وحسنوا التقنيات التي طورها اسلافهم». ولابد انه كانت لديهم سلطة وثروة كبيرتان لكي يتمكنوا من تشييد المنصتين اللتين بنيتا باستخدام طوب صلصالي خام. وتتصل المنصتان بواسطة «بلدة حقيقية» بطول 500 متر يعتقد الآن بأنها كانت العاصمة السياسية والروحية لدولة الموتشي بعدد سكان وصل الى 30 الف نسمة في اوج عظمتها. طوال شهر يوليو من عام 1991، تولى أوسيدا رئاسة عمليات الحفر وعمل مع فرق من علماء الآثار كانت تنطلق مع الساعات الأولى للفجر. وطلب اوسيدا من كوشان ان يساعده في فك رموز الموقع، وكان الاثنان يقضيان شهرا ونصف كل عام في عمليات الحفر. وتوصل الاثنان الى نتيجة مفادها ان منصة القمر يبلغ ارتفاعها 20 مترا. ومن خلال الحفر الرأسي، كشفا النقاب عن بعض الفرق ذات المستوى الاخفض والتي لم يدمرها الطقس الصحراوي على مدى القرون. وبعد سنوات من الحفر، اتضحت تماما معالم المنصتين، وبدأت تتكشف يوما بعد يوم أسرار معتقدات وطقوس شعب الموتشي الذي اقام حضارة عظيمة في البيرو. ولكن لا يزال هناك الكثير من الامور المجهولة حول طقوس وحياة الناس الذين عاشوا في تلك الحقبة ـ كيف فازوا بالسلطة ومن ثم خسروها، ومن كان عدوهم وكيف كانوا يحاربونه؟ ضرار عمير