خلال الفترة التي اعقبت اتفاق أوسلو، اعتبر الفلسطينيون انهم هم الذين جاءوا بأفكار خلاقة لمخاطبة الاهتمامات الاسرائيلية. فهم بينما أدانوا المستوطنات الاسرائيلية باعتبارها غير مشروعة، تقبلوا المبدأ القائل ان اسرائيل ستقوم بضم بعض مستوطنات الضفة الغربية مقابل ما يعادلها من الاراضي الاسرائيلية التي ستنقل السيطرة عليها للفلسطينيين. وبينما اصروا على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى بيوتهم التي فقدوها في عام 1948، فقد ابدوا استعدادهم لربط هذا الحق بآلية تنفيذ تتيح خيارات بديلة للاجئين، بينما تحد من اعداد العائدين الى اسرائيل الكبرى. وعلى الرغم من اصرارهم على انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلت في عام 1967 كافة، فانهم ابدوا انفتاحا على تقسيم القدس الشرقية، بما يمنح اسرائيل السيادة على مناطقها اليهودية «الحي اليهودي، حائط البراق، ومناطق الجوار اليهودية» وذلك في انتهاك جلي لذلك المبدأ. على الرغم من هذه الحلول الوسط، فان الفلسطينيين لم يفلحوا في تخليص انفسهم قط من صورة العناد التي التصقت بهم، وربما العيب الرئيسي للفلسطينيين حقا هو انهم منذ بداية قمة كامب ديفيد فصاعدا لم يتمكنوا من ان يقولوا نعم للافكار الأميركية او ان يقدموا مقترحا محددا ومتماسكا من عندياتهم. وفي غمار عدم قيامهم بأي من هذين الامرين فانهم حرموا الولايات المتحدة من الفعالية التي احست بأنها بحاجة اليها لاختبار استعداد بارك المطلق لقطع الشوط كاملا، وهكذا فقد أثاروا غضب الرئيس الأميركي. وعندما رفض ابو العلاء، وهو مفاوض فلسطيني بارز، الاشتغال على خريطة للتفاوض على حل محتمل، ذاهبا الى القول ان اسرائيل يتعين عليها اولا ان تسلم بأن اي اتفاق حول الاراضي ينبغي ان يقوم على اساس خط الرابع من يونيو 1967، انفجر الرئيس الأميركي قائلا: «لا تقل للاسرائيليين فحسب ان خارطتهم غير مناسبة اعطني شيئا افضل من هذا!». وعندما عاد أبو العلاء مجددا الى تبني الموقف نفسه، غادر الرئيس الأميركي القاعة مندفعا، وهو يقول: «هذه خديعة، وليست قمة. لن أجعل الولايات المتحدة تتستر على التفاوض بنية سيئة. دعونا نغادر هذا المكان!». وقرابة نهاية القمة، مضى كلينتون، الذي استبد به الضيق، يقول لعرفات: «اذا كان الاسرائيليون يستطيعون طرح حلول وسط ولا تستطيع انت ذلك، فانني يتعين عليّ الذهاب الى داري. لقد كنت موجودا هنا على امتداد أربعة عشر يوما، وقلت لا لكل شيء. ان هذه الأمور لها نتائج تترتب عليها. والفشل يعني نهاية عملية السلام.. دعنا نطلق الجحيم من كل عقال ونتعايش مع النتائج المترتبة على ذلك!». الفخ الاسرائيلي كيف يمكن للمرء ان يفسر السلوك الفلسطيني؟ لقد تم اقناع عرفات، كما سبق القول، بأن الاسرائيليين ينصبون فخا. وهكذا فقد اصبح هدفه في المقام الاول ان يقلص خسائره لا ان يعظم مكاسبه الى الحدود القصوى. ولم يعن ذلك انه قد استبعد امكانية الوصول الى صفقة نهائية. ولكن ذلك الهدف بدا اقل من حيث امكانية تحقيقه من اهداف اخرى، وفضلا عن هذا فان هناك الكثير مما له علاقة بالمناخ السياسي الذي ساد المجتمع الفلسطيني. فعلى العكس من الموقف الذي ساد بعد اوسلو، لم يكن هناك ائتلاف مؤلف من الشرائح الفلسطينية القوية ملتزم بنجاح قمة كامب ديفيد. والجماعات التي كان تأييدها ضروريا لتمرير اي اتفاق اصبحت بعيدة عن تصديق امكانية التوصل اليه، وغدت مقتنعة بأن اسرائيل لن توقع اتفاقا منصفا ولن تنفذ ما توقع عليه. وقد مضى المفاوضون الفلسطينيون الى القمة، وقد وضعوا عينا عليها واخرى على موطنهم، متخذين وضعا يوشك ان يكون اقرب الى الاعتذار، وقد عقدوا العزم على ان يظهرو انه لن يجري خداعهم هذه المرة. وقد نظروا، وهم اكثر ميلا الى الحذر منهم الى الابداع، الى اي فكرة اميركية او اسرائيلية بتشكك، ولم يستطيعوا تقبل الصياغات الملتبسة التي طرحت لمد جسر عبر الخلافات في الماضي وحتى ذلك الوقت، والتي جرى من منظورهم تفسيرها على نحو تستفيد منه اسرائيل. وفي هذه المرة ما كان يجدي الا تفاهمات واضحة ولا موضع للخلاف بشأنها. لم يبد هذا واضحا اشد الوضوح كما ظهر في حالة الحرم الشريف، فقد امضى الأميركيون ساعات لا حصر لها ساعين وراء صياغات ذات خيال محلق للتعامل مع القضية المتعلقة بأي الاطراف سيحظى بالسيادة على هذا المكان المقدس ـ ائتلاف من عدة امم، مجلس الامن الدولي، بل والله ايضا، طرحوا كأطراف تحظى بالسيادة على الحرم الشريف ـ وفي نهاية المطاف لم يقبل الفلسطينيون شيئا من هذا كله، فالاتفاق ينبغي ان يمنحهم السيادة على الحرم الشريف، والا فلن يكون هناك اتفاق على الاطلاق. فاقم العداء الداخلي للقمة كذلك من التوترات السائدة في صفوف الاثنى عشر مفاوضا او نحو ذلك الذين شاركوا في القمة عن الطرف الفلسطيني، وهي التوترات التي لم تكن بعيدة عن السطح قط، والتي ازدادت مع ارتفاع معدلات المخاطرة ومع تزايد احتمال التوصل الى صفقة نهائية والصراع المقبل على الحلول محل القيادة الراهنة، فقد مضى المفاوضون يلتفتون وراءهم خوفا من تبني مواقف من شأنها ان تقوض وضعهم في الوطن. واعطى كل مفاوض فلسطيني، وقد بدا انه يتحرك بشكل متباين عن غيره من اعضاء الوفد الفلسطيني ومن دون هدف محوري، اولوية فائقة لقضية محددة، الامر الذي جعل من المستحيل القيام بالمبادلات التي يقتضيها بصورة حتمية التوصل الى حل وسط. وفي نهاية المطاف اختار معظمهم الخوض في غمار الاقتراحات بدلا من المضي قدما نحو ابرام صفقة. ومن قبيل المفارقة ان بركات، الديمقراطي، كان لديه تفاوت فردي قوامه ميل اعضاء وفده الى اتجاهه يفوق ما كان لدى عرفات، الذي يفترض انه حاكم اوتوقراطي. واذا افتقر المفاوضون الفلسطينيون الى التماسك الداخلي، فقد عجزوا عن التعامل مع قمة كامب ديفيد كتجمع حاسم دعا جانبا التعامل معها كتجمع تاريخي. لقد نظر الفلسطينيون الى قبول الافكار الأميركية حتى باعتبارها «اسسا للمزيد من المفاوضات» على انه يشكل اخطارا في حد ذاته، ونظروا الى مقترحات كامب ديفيد بحسبانها مقترحات غير مناسبة، فهي لا تتضمن شيئا فيما يتعلق بمسألة اللاجئين، وعملية مبادلة الاراضي غير متوازنة، وكل من الحرم الشريف وجانب كبير من القدس الشرقية سيبقى في ظل السيادة الاسرائيلية. ومن شأن قبول هذه المقترحات على أمل ان باراك سيقطع عندئذ شوطا ابعد من شأنه المخاطرة باضعاف الموقف الفلسطيني بطريقة اساسية، وذلك بنقل طروحات النقاش من الشرعية الدولية المتضمنة في قرارات الامم المتحدة بشأن الانسحاب الاسرائيلي وبشأن عودة اللاجئين الى افكار بعيدة عن الدقة تقترحها الولايات المتحدة. ومن دون ضمان التوصل الى ابرام صفقة، فان هذا يرقى الى المراهنة بما يعتبره الفلسطينيون ورقتهم الاثمن والاغلى اي الشرعية الدولية. وقد دعم تردد الفلسطينيين في قبول اي شيء قد يقلص دور قرارات الامم المتحدة التي تنطبق عليهم قرار اسرائيل بالتنفيذ على نحو دقيق لقرارات الامم المتحدة التي تنطبق على لبنان وانسحابها من طرف واحد من الاراضي اللبنانية في الاشهر التي سبقت عقد قمة كامب ديفيد، فالانسحاب الكامل الذي حصلت عليه مصر والذي عرض بصورة اساسية على سوريا يمنح الآن للبنان. واذا كان حزب الله، وهو ميليشيا مسلحة لا تزال تعتبر نفسها في حرب مع اسرائيل، قد حقق مثل هذه النتيجة، فمن المؤكد ان حركة قومية مضت تتفاوض طوال سنوات مع اسرائيل ينبغي الا تحصل على اقل من هذا. لقد افضى السلوك الفلسطيني الاجمالي، عندما ترادف مع اقتناع باراك بأن عرفات لا يريد الا انتزاع التنازلات من اسرائيل، الى نتائج كارثية. فقد كان معنى التشكك المتبادل، والذي كان قد وصل عند ذاك الى مرحلة التخندق بعمق، ان باراك سيخفي مقترحاته النهائية، اي نقلته الاخيرة على الرقعة الى ان يكون عرفات قد قام بنقلته وان عرفات لن يقوم بتلك النقلة الا بعد ان يرى النقلة النهائية من جانب نظيره. لقد بنيت استراتيجية باراك على اساس الفكرة القائلة ان تصلبه سيؤدي الى بعض المرونة من جانب الفلسطينيين، وهو ما من شأنه بدوره ان يبرر قيام اسرائيل بمزيد من التنازلات وبدلا من ذلك فان اسلوب باراك الجزئي في التفاوض جنبا الى جنب مع عدم استعداد عرفات للتراجع افرزا نتيجة مثيرة للحيرة، ذلك ان الاسرائيليين من خلال تقديمهم لمواقف مبكرة على انها خطوطهم النهائية اثاروا عدم الثقة في نفوس الفلسطينيين، وذلك من خلال تغييرهم لتلك المواقف، فهم بذلك فتحوا شهية الفلسطينيين، وفي نهاية هذه العملية كان من الصعب تحديد الخطوط النهائية للاسرائيليين باعتبارها كذلك من عدمه. ادوار أميركا المتناقضة كانت للولايات المتحدة ادوار عديدة ومختلفة في المفاوضات اتسمت بالتعقيد، وغالبا بالتناقض، فهناك دورها كوسيط اساسي في صفقة السلام المطروحة للابرام،وهناك دورها كراع لعملية السلام، وايضا دورها كحليف استراتيجي لاسرائيل، ودورها كشريك ثقافي وسياسي لاسرائيل. وقد حملت الافكار التي طرحت على امتداد العملية بصمة كل دور من هذه الأدوار. كان من المتوقع من الرئيس الأميركي باعتباره الوسيط في الاتفاق ان يقدم صفقة نهائية لا يستطيع عرفات ان يرفضها. وقد كان هذا المفهوم هو حقا المقدمة التي انطلق منها انجذاب باراك الى القمة. ولكن قدرة الولايات المتحدة على القيام بهذا الدور عرقلها دوران من ادوارها العديدة الاخرى. فأولا ترجم قرب أميركا السياسي والثقافي من اسرائيل الى حساسية حادة حيال الاهتمامات الداخلية الاسرائيلية وتقدير مبالغ فيه لخطوات اسرائيل الجوهرية. وقد دهش المسئولون الأميركيون بداية عندما اشار باراك الى انه بمقدوره قبول تقسيم المدينة العتيقة او السيادة الفلسطينية على الكثير من الاحياء العربية في القدس، وهو رد فعل لا يعكس تقديرا لما ينبغي لـ «الحل المنصف» ان يكون عليه بقدر ما هو شعور بما يمكن ان يتحمله الرأي العام الاسرائيلي. وغالبا ما مضى الفريق الأميركي يفكر فيما اذا كان بمقدور باراك ان يقنع الشعب الاسرائيلي باقتراح بعينه، بما في ذلك بعض الاقتراحات التي طرحها باراك نفسه. ولم يثر هذا السؤال الا نادرا في حالة عرفات، هذا اذا كان قد اثير على الاطلاق. واستمد كابح اخر فرض على الولايات المتحدة من علاقتها الاستراتيجية باسرائيل. وقد تمثلت احدى نتائح هذا في «قاعدة اللا مفاجآت» وهو التزام اميركي، حتى وان لم يكن واضحا وجليا، فعلى الاقل ان تشترك مع اسرائيل في مناقشة كل فكرة من افكارها مسبقا. ولأن استراتيجية اسرائيل استبعدت الكشف المبكر عن خطوطها النهائية لاحد بمن في ذلك الرئيس الأميركي نفسه، فان باراك كان يطرح «قاعدة اللا مفاجآت» ليجادل ضد المقترحات الأميركية الجوهرية التي كان يشعر بأنها تمضي الى ابعد مما ينبغي. وقد انتهت الولايات المتحدة (من دون رغبة منها غالبا) بطرح مواقف اسرائيل التفاوضية وتقديمها على أنها خطوط حمراء صخرية لا تراجع عنها من قبل اسرائيل. وفي مواجهة الرفض من جانب عرفات يبادر كلينتون الى الحصول على استجابة من باراك على اقتراح محسن الى حد ما، ويقدمه للفلسطينيين مجددا على انه افضل ما يمكن ان يتوقع من اي اسرائيلي القيام به. ومع قيام الولايات المتحدة بتبني استراتيجية النقلة النهائية (حيث تطرح القول: حسنا، هذه هي نهاية المطاف) في اطار ما كان في حقيقة الامر لعبة وسيطة.يقال فيها: حسنا، ربما ليست هذه هي النهاية، كانت النتيجة هي التقليل من قيمة الاصول التي اعتمد عليها باراك اكثر من غيرها في الوصول الى اللعبة النهائية الحقيقية، وهذه الاصول هي ثقة الفلسطينيين في كلينتون، مصداقية اميركا، وقدرة واشنطن على ممارسة ضغوط فعالة. كما لم يكن ميل الولايات لامتحدة الى تبرير افكارها بالاشارة الى الاهتمامات والمخاوف الداخلية الاسرائيلية هي الاسلوب الاكثر فعالية في اقناع الفلسطينيين بالقيام بتنازلات. وباختصار، فان «قاعدة اللا مفاجآت» حملت عودة مفاجآت في حد ذاتها نابعة منها، وفي اطار تأثير ارتدادي عجيب ساعدت هذه القاعدة على اقتناع الفلسطينيين بأن اي فكرة أميركية لها كانت مواتية انما هي فكرة اسرائيلية، وبالتالي فانها في آن موضع تشكك وقابلة للتفاوض بشكل بارز.وادت سبع سنوات من رعاية عملية السلام، في مواجهة ظروف صعبة غالبا، الى المزيد من تآكل فعالية الولايات المتحدة عند هذه المرحلة الحرجة، وكلما تعمق استثمار واشنطن في هذه العملية عظمت المصالح المرتبطة بنجاحها وتزايد الميل في مسايرة نزوات الجانبين كليهماو سلوكهما التدميري في غمار الحرص على انتشال عملية السلام من الغرق. وغالبا ما جرى تجاهل تهديدات الولايات المتحدة ومواعيدها النهائية مع ظهور الفلسطينيين والاسرائيليين بمظهر الواثقين من ان الاميركيين اكثر انشغالا في الركض وراء الطرفين من أن يفكروا بجدية في الابتعاد عن المسألة برمتها. مراراً وتكراراً وعلى الرغم من ذلك كله كان للولايات المتحدة دور في تشكيل فحوى المقترحات. وقد كان من التأثيرات الاكثر استنفاذا للتوحد الجلي للعيان بين اسرائيل والولايات المتحدة انه اضفى الغموض على الفوارق بينهما. ومرارا وتكرارا، وعادة من دون ادراك الفلسطينيين للامر، سعى الرئيس الأميركي لاقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي بقبول ما كان حق ذلك الوقت يرفضه، بما في ذلك مبدأ تبادل الاراضي والسيادة الفلسطينية على جانب على الأقل من القدس العربية بعد كامب ديفيد على الحرم الشريف بالاضافة الى ضم اسرائيلي للاراضي مقلص بدرجة يعتد بها. وقد ادى هذا الى قول باراك للرئيس الأميركي في معرض التعقيب عليه ان الولايات المتحدة فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية اقرب الى موقف الفلسطينيين منها الى الموقف الاسرائيلي. ولم يكن هذا الا انعكاسا واحدا لنمط اوسع نطاقا من التباين بين المواقف الامريكية والمواقف الاسرائيلية. ولكنه كان تباينا جرى تجاهله بصورة منتظمة من قبل الفلسطينيين والعرب الاخرين على السواء. لقد كلف هذا العجز عن ادراك العلاقة ا لمعقدة بين واشنطن وتل ابيب ثمنا باهظا، ذلك ان الفلسطينيين بعدم قيامهم بطرح اقتراحات واضحة حرموا الأميركيين من الاداة التي شعروا بأنهم بحاجة اليها للضغط على الاسرائيليين بصورة اكبر، ودفعوهم الى التساول عن مدى ما يتمتع به الجانب الفلسطيني من جدية وعما اذا كانت لديه رغبة اصيلة في ابرام صفقة مع الاسرائيليين وكما ابلغ الرئيس الأميركي عرفات مرارا خلال كامب ديفيد فانه لم يكن يتوقع منه ان يوافق على المقترحات الاميركية او الاسرائيلية، ولكنه كان يعتمد على امكانية ان يقول شيئا يمكن ان يحمله الى باراك يجعله يتحرك بشكل أكبر، وناشده قائلا: «حتى الآن ليس لدي شيء». في نهاية المطاف انعطف طريق المفاوضات الذي تخيله الاميركيون وقوامه: احصل على موقف قريب من النمط النهائي الاسرائيلي. اعرضه على الفلسطينيين، احصل منهم على اقتراح مضاد، واحمله الى الاسرائيليين ـ انعطف هذا الطريق اكثر من انعطاف خاطئ، فقد بدأ بغير خط نهائي اسرائيلي حقيقي، وتواصل من دون اقتراح مضاد، وانتهى بدون ابرام صفقة. صورة معقدة تحت الصورة السطحية ـ وقوامها عرض باراك ورفض عرفات لهذا العرض ـ تكمن صورة معقدة ومربكة معا. فتكتيكات باراك التي اعدت للحفاظ على الاصول المتاحة له حتى «لحظة الصدق» ساعدت في ضمان عدم وصول الطرفين الى تلك اللحظة. وقراره القاضي بالنظر الى كل شيء من منظور اما مفاوضات تضمن كل شيء أو لا تضمن شيئا على الاطلاق حول صفقة شاملة ادى الى النظر الى كل خطوة على انها اختبارات للارادات والى اعتبار كل اجراء لبناء الثقة اظهارا للضعف. وامضى عرفات الذي اصابه هوس تكتيكات بركات وقتا اقل بكثير في الانشغال بجوهر الصفقة من ذلك الذي قضاه في الشعور بالقلق حول خدعة محتملة. وفي غمار تركيزه على كمائن يمكن ان تكون قد نصبت له، لم يستطع تبين الامكانات المتاحة ولم يدرك قط الى اي حد كان رئيس الوزراء الاسرائيلي على استعداد للمضي والى اي حد كانت الولايات المتحدة على استعداد للضغط ومدى قوة اليد التي امتدت اليه بالعون. وبعد ان امضى عقدا من الزمان في بناء صرح علاقة مع واشنطن، برهن على عدم قدرته على استخدام هذه العلاقة في الوقت الذي احتاج اليها اشد ما يكون الاحتياج، وفيما يتعلق بالولايات المتحدة فانها لم يحدث ان سيطرت على الموقف بصورة كاملة قط، حيث تعرضت للتجاذب في اتجاهات مختلفة، فلم تتبين على وجه الدقة في أي طريق ينبغي ان تمضي، وغالبا ما سمحت لنفسها بأن تستغل بدلا من ان تبادر هي لاستغلال سلطتها. يشير كثير ممن يميلون الى توجيه اللوم لعرفات وحده وتحميله مسئولية انهيار المفاوضات الى الاشارة لعدم قدرته على تقبل الافكار حول الاستيطان التي طرحها كلينتون في 23 ديسمبر، اي بعد خمسة اشهر من انتهاء محادثات كامب ديفيد، وخلال هذه الاشهر اجريت محادثات اضافية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، واندلع عنف عارم بين الجانبين. واظهرت اقتراحات الرئيس الأميركي ان المسافة التي تم قطعها منذ كامب ديفيد كانت مسافة يعتد بها حقا، وكانت كلها تقريبا في اتجاه الفلسطينيين، وفي ظل التسوية التي حدد الرئيس الأميركي ملامحها العريضة ستحظى فلسطين بالسيادة على ما يتراوح بين 94% الى 96% من الضفة الغربية، كما ستحصل كذلك على ارض كانت تنتمي الى اسرائيل ما قبل 1967 تعادل نسبة 13% اخرى من اراضي الضفة الغربية. وسيكون للاجئين الفلسطينيين حق العودة الى موطنهم في فلسطين التاريخية، وهو حق من شأنه ان يضمن قدرتهم غير المحدودة على العبث في فلسطين مع اخضاع استيعابهم في اسرائيل لقرار سيادي من هذه الاخيرة. وفي القدس فان كل ما هو عربي سيصبح فلسطينيا، وكل ما هو يهودي سيصبح اسرائيليا وستمارس فلسطين السيادة على الحرم الشريف وستمارس اسرائيل السيادة على حائط البراق، الذي من خلاله ستحافظ على صلتها بموقع ما تسميه بالمعبد اليهودي. وخلافا لما حدث في كامب ديفيد، وعلى نحو اظهره الوقت الذي استغرقه في ابداء رد فعله وغموض ردود الفعل التي بدت منه، فان عرفات قد امعن التفكير قبل ان يبدي استجابته. ولكن في نهاية المطاف فان الكثير من السمات التي اثارت ضيقه في يوليو عادت لتطارده في ديسمبر. فكلينتون على نحو ما حدث في كامب ديفيد لم يكن يطرح شروط صفقة نهائية وانما كان يطرح «مقاييس» في اطارها ستجري المفاوضات النهائية التي سيتم التعجيل بها. ومثلما حدث في كامب ديفيد، فقد احس عرفات بتعرضه للضغط مع اعلان كل من كلينتون وباراك ان الافكار لن تطرح على المائدة، وانها «سترحل مع الرئيس الأميركي» ما لم يقبل بها الجانبان. وحيث انه لم تبق من رئاسة كلينتون الا 30 يوما ونحو ذلك من بقاء باراك في منصب رئيس وزراء اسرائيل، فان احتمال الوصول الى ابرام صفقة بدا احتمالا بعيدا في افضل الاحوال. واذا لم يتم ابرام صفقة فان الفلسطينيين خشوا من ان يتركوا بمبادئ مفصلة بقدر كاف لتجاوز القرارات الدولية، لكنها اكثر غموضا من ان تشكل اتفاقا. الى جوار هذا، وفي ضوء تاريخ المفاوضات، فقد عجز الفلسطينيون عن تجنب استنتاج ان هذه مواقف اسرائيلية جرى وضعها على نار حامية وانه لا يزال هناك اقتراح افضل لم يطرح بعد. وفي حقيقة الامر فان الولايات المتحدة في هذه الحالة قد قاومت محاولة اسرائيلية في اللحظة الاخيرة للتدني بالمقترحات المتعلقة بموضوعين اساسيين، هما السياسة الاسرائيلية على الحرم الشريف ونطاق اراضي الدولة الفلسطينية. وفي نهاية المطاف فضل عرفات مواصلة التفاوض تحت المظلة المريحة للمقررات الدولية على التفاوض في اطار مقترحات اميركية غير مؤكدة. وفي يناير ادى جهد اضافي من جانب المفاوضين الفلسطينيين والاسرائيليين في منتجع طابا المصري «وبدون حضور الأميركيين» الى تحقيق المزيد من التقدم وبعض الأمل. ولكن الاوان عند ذاك كان قد فات، على الاقل بالنسبة لبعض المفاوضين، ففي 20 يناير حزم كلينتون امتعته ومضى الى حيث القت. وفي غضون ذلك كان ارييل شارون في طريقه في اسرائيل الى مقر رئاسة الوزراء. العرض السخي هل كان هناك عرض اسرائيلي سخي في ضوء استعراض مسيرة الاحداث على نحو ما جرت وعلى نحو ما تبدو اليوم؟ عليك ان تطرح هذا السؤال على عضو في الفريق الأميركي، وقد تتمثل اجابة نزيهة في القول انه كان هناك هدف متحرك من الافكار والانطباعات المتضاربة عن الصفقة التي يمكن للولايات المتحدة ان تبيعها للطرفين، عمل يواصل تقدمه ويبدي ردود افعال (ومن هنا تأتي هشاشته) على ضغوط واغراءات الجانبين. واذا سألت باراك فانه قد يتطوع بالقول انه لم يكن هناك عرض اسرائيلي وبالاضافة الى ذلك فان عرفات رفضه. اما اذا سألت عرفات فان الرد سيتمثل في انه لم يكن هناك عرض، وبالاضافة الى ذلك انه لم يكن مقبولا. وبعد قول ذلك فانه كان من الافضل ان يبقى ذلك العرض على المائدة.سواء أكان هناك عرض أم لم يكن، فان المفاوضات التي جرت بين يوليو 2000 وفبراير 2001 تشكل فصلا يتعذر محوه من فصول الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي. وقد يكون من الصعب سبر اغوار هذا الفصل الآن وسط العنف المتواصل وعدم الثقة المتراكم، ولكن المحرمات جرى تهشيمها، والمسكوت عنه تم طرحه علناً، وخلال تلك الفترة توصل الفلسطينيون والاسرائيليون الى مستوى لم يسبق له مثيل من التفهم لما سيقتضيه الامر لانهاء صراعهم. وعندما يستأنف الجانبان السير في دربهما نحو الاتفاق النهائى ـ وهما سيفعلان ذلك يقينا ـ فانهما سيصلان حاملين ذكرى تلك الشهور الثمانية الحافلة، تجربة الشوط البعيد الذي قطعوه والشوط الذي لا يزال يتعين عليهما قطعه، وبالحكمة الداعية لليقظة النابعة من فرصة ضاعت على الجميع من خلال الخطأ على نحو يفوق ما كان التعمد والقصد سببا في ضياعها، ومن خلال اساءة التقدير بأكثر مما اصدرت من خلال الخبث وسوء الطوية. عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»