مثل أي عمل درامي عظيم، يعج الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين بالمواقف الحزينة بين ثناياه ويتجلى أحد هذه المواقف في انه بينما تجتاح الدبابات الاسرائيلية الضفة الغربية، بدأت عمليات مناقشة وتحليل الصراع تأخذ شكل قصص رعب تدور حول أي الطرفين هو العدو، فالأوامر جاهزة لتنفيذ الانفجارات، والمسرح مليء بالمنازل والسيارات المهدمة وهناك طفل يولد لتوه عند احدى نقاط التفتيش، واناس يفجرون أنفسهم في الطريق لقتل مزيد من الأشخاص. الوضع لم يصل بعد الى حرب شاملة خرجت عن نطاق السيطرة، فنحن يجب ان ننبه ونذكر أنفسنا قبل ان نستسلم كلية الى اليأس، فهناك بالفعل عدد كبير من الناس يموت يفوق بكثير عدد من مات في اسرائيل وفلسطين في بداية الانتفاضة الثانية، ولكن الموقف أقرب الى ان يوجد هذا النمط من التفكير الذي يفضي الى الحروب، ألا وهو الاعتقاد المتبادل بأن الطرف الآخر قد تعدى الحدود المسموح بها على المستوى الأخلاقي. من الصعب بالنسبة للأميركيين ان يتخيلوا طريقهم الى الشرق الأوسط، فالأمر يبدو كأننا أمام قصتين متباريتين حول الدوافع الأخلاقية المطلقة لشعب (سواء بالمعنى التاريخي العام أو بالمعنى الخاص بالأعمال العسكرية التي تحدث يومياً). ويطلب منا ان نختار أياً منها لكي نصدقها.. لكن الأميركيين غير معتادين على القيام بمثل هذه الاختيارات، غير انه ربما يبدو الأمر مفيدا إذا حرصنا على ان نفكر ونحلل بعض المواقف المماثلة ـ التي تبدو تاريخياً غير مطابقة، ولكن لها صدى على المستوى العاطفي ـ والتي وقعت في احدى الفترات الكئيبة في تاريخنا: اعادة البناء في الجنوب بعد الحرب الأهلية. في عام 1965 حققت الولايات المتحدة نصراً ساحقاً على الولايات الكونفيدرالية لأميركا تماماً مثل النصر الساحق الذي حققته اسرائيل في حرب يونيو 1967، ثم بعد ذلك بدأت الحكومة الاتحادية باحتلال الأراضي التي غزتها بشكل عسكري. وتماماً كما كان للحرب الأهلية سببان منطقيان متداخلان ومرتبطان ببعضهما، وهما الوحدة والتخلص من العبودية، كان للاحتلال أثناء فترة الإعمار سببان منطقيان، وهما الأمن القومي وضمان حصول من كانوا يعانون نير العبودية على حقوقهم كمواطنين أميركيين (أحد أوجه المقارنة هنا هو انه إذا كان الجنوب هنا يمثل الضفة الغربية لأميركا) فإن مستوطني القوة الغازية الذين هم في هذه الحالة أبناء الشمال الأميركي الذين شخصوا الى الولايات الجنوبية وليس معهم غير ما حملوه التماساً للربح الشخصي عقب الحرب الأهلية الأميركية، يمثلون اليساريين وليس أحزاب اليمين. جانب آخر من المقارنة يتمثل في ان أكثر الناس تعرضاً للظلم بشكل واضح في التاريخ الأميركي وهم الذين عانوا نير العبودية، كانوا أكثر اهتماماً بالحصول على حقوقهم الاقتصادية والسياسية من الحصول على وطن. وبعد ان فقدوا القدرة على استخدام قوتها العسكرية التقليدية التي فقدتها نتيجة خسارتها للحرب تحولت الولايات الكونفيدرالية الى استخدام ورقة الارهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية. وطوال فترة التعمير واعادة البناء، لاسيما خلال الفترات الأخيرة من عملية اعادة الإعمار تلك، دخل الجنوب في دوائر مفرغة من أعمال العنف الارهابي، الذي مارسته جماعات مثل كوكلوكس كلان، وبعد ذلك منظمة «العصبة البيضاء» والعديد من المنظمات المماثلة ضد ذوي الاخراج والاميركيين من أصل أفريقي الذين كانوا نشطاء على المستوى السياسي، وتلت تلك الأعمال عمليات مداهمة عسكرية من قبل تلك الجماعات. وخلال الجانب الأكبر من تلك الفترة، كان يقود أميركا رجل عسكري غير محنك من الناحية السياسية وشارك بنفسه في غزو الكثير من الأراضي المحتلة وكان متعاطفاً مع أهداف المستوطنين وهو أولييس اس جرانت. وتواصل الاحتلال بشكل مفجع، وكلما طالت مدته ازدادت جرأة وجسارة (الارهابيين)، وقل التأييد الشعبي الذي كان يتمتع به في بدايته وفي خريف عام 1875 رفض جرانت توسلات اديلبرت ايمس الذي كان يشغل منصب عمدة المسيسبي من ذوي الأخراج، بشأن ارسال قوات لمراقبة حملة انتخابات هناك في منطقته. وخلال أقل من سنتين بعد هذا التاريخ، وفي اطار اتفاق تم التوصل اليه لحل مشكلة انتخابات الرئاسة المتنازع عليها عام 1875، تم سحب جميع القوات الفيدرالية من الجنوب، ولم تعد الى المنطقة حتى أزمة مدرسة لينك روك عام 1957. وكانت عودتها بغرض حماية الحقوق المدنية. ونتج عن ذلك تأسيس نظام جيم كرو، فقد قررت الولايات المتحدة ان تدع الجنوب يتخلص من احدى نتائج الحرب الأهلية، وهي حقوق المواطنة للسود، في مقابل بقاء النتائج الأخرى، وهي الوحدة وانهاء العبودية. وما كان انهيار عملية الإعمار إلا مثالاً واضحاً لانتصار الارهابيين. وكانت عملية تدعيم هذا النصر السياسي بمثابة قصة سردت وقائع هذا النصر في الوقت الذي انتشرت فيه الرواية المفضلة لأهل الجنوب بشأن قصة الإعمار في الثقافة الأميركية والحياة الفكرية. الاستقامة السياسية في تلك الأيام كانت تسير في الاتجاه المضاد للشكل الذي هي عليه الآن، حتى إلى ما بعد منتصف القرن العشرين: قام المقاتلون من أجل الحرية من البيض باسقاط نظام غير قانوني وأعادوا تأسيس المباديء المقدسة لتقرير المصير، وإذا عدنا للوراء حتى عام 1956 بعد دعوة المفكر مارتن لوثر كنغ لمقاطعة حركة مونتجمري، خصص الرئيس الاميركي الراحل جون كيندي بأسلوب ينم عن رغبة لوضع نفسه في مرتبة الأشخاص الوطنيين البارزين في تاريخ أميركا، فصلاً في كتابه المعنون «لمحات شخصية في الشجاعة» الى العقل المدبر وراء انهيار عملية الإعمار في المسيسبي وهو السيناتور لوسيوس كوينتوس سينسيناتوس لامار. الأمر الذي تمثله ترجمتنا الطويلة ومفهومنا للحل الخاص بوجود دولتين في أرض واحدة بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية هو ان تاريخنا كان أصعب مما كنا نود ان نتذكره. وبالنسبة للعالم الخارجي، يمثل الأمر انه لو انك نلت ما ناله أهل الجنوب وهو حق عرقي قومي فهو ان يكون لهم وطن واستعداد للجوء الى العنف والارهاب ورواية يجدها العالم مقنعة لأنها تنطوي على تعاملات عرقية في جزء منها لأصبح لك اذن اليد العليا لحققت النصر سواء كانت الأهداف التي تسعى لها نبيلة أم لا. أما بشأن الوضع في الشرق الأوسط، فلأننا بالفعل مضطرون الى التفكير في تدابير غير مثالية ربما تؤدي الى تجنب كارثة أكثر من التفكير في حلول لن يجدها أي طرف مرضية على المستوى الأخلاقي، فإن التجربة الاميركية تقدم بصيصاً من الأمل على الرغم من انه أمل بعيد، فقوات الاحتلال في الجنوب انسحبت لأن البقاء هناك قد أصبح أمرا غير فعال من الناحية السياسية. وكانت النتيجة ان الجنوب أضحى تقريباً دولة منفصلة مرة أخرى، ثم تغيرت ببطء سماته الأساسية من دعم العنف والثأر والانتقام الى اعادة تشييد البنى الاجتماعية والاقتصادية، وعلى المدى الطويل أدى هذا الوضع، عندما ظهرت حركة الحقوق المدنية بأبناء الجنوب من البيض الى ان يبدأوا في الاعتراف بانسانية أعدائهم، وهو الأمر الذي لم يكن لهم ان يعترفوا به اثناء عملية اعادة الإعمار. إن انسحاب القوات الاسرائيلية والمستوطنين والاعتراف بدولة فلسطين ربما يبدو ايضاً مكافأة لـ «الارهاب» ولكن ليس هناك أي خيارات نظيفة في الوقت الحالي. على الأقل بعد ذلك ستتعرض الحكومة الفلسطينية الى خسارة عناصر أكثر بكثير، ومثل هذا الرهان له تأثير صحي ومفيد، إن لم يكن للأسف سريعاً على السلوك. نيكولاس ليمان عن «نيويوركر»