صوته الشجي يحمل عبق الجنوب، ورائحة الفرات وألحانه العذبة تدغدغ الروح، وتشدها حنيناً الى ماضٍ ليس بالبعيد، حيث تلفعت الأغنية العراقية في الستينيات والسبعينيات، بثوب الأصالة والصدق، وبنوع من الحزن الشفاف، الذي يشعر المرء بقدسيته. وحيث أصبحت هذه الأغاني مرحلة فاصلة بين الماضي والحاضر الذي يعج بالكثير والغريب من الألحان المصنعة والمستوردة ورغم غزارة تلك الفترة بالألحان العراقية المميزة وبالملحنين الكبار، مثل محمد جواد أموري، وعباس جميل، وكوكب حمزة.. وغيرهم.. يبقى لصوت العود الذي يعزفه طالب القره غولي نغم مميز، تستشعره الأذن فور سماع الأغنية، فقد وضع طالب القره غولي على ألحانه بصماته التي يؤطرها تراب الناصرية، وصوت داخل حسن، وحزن (الأبوذية)، وشفافية (الدرامية) ورغم الشفافية الشديدة والحس المرهف العالي في الحان طالب، يقال عنه أنه حاد الطباع، قليل الكلام، جرئ.. حتى أنه يترك دائما فاصلة بينه وبين محدثه، وكان هذا التناقض بين روح الفنان وطبعه مدخلا للحديث مع الملحن العراقي الكبير طالب القره غولي ـ من صفاتك العناد، والشراسة، كما يقال عنك، فهل هذا طبعك بالوراثة !؟ أم أنها محاولة للابتعاد عن الناس؟ ـ إنها حالة دفاع عن النفس أنا حذر بطبعي في تقبل العلاقات، وعندما دخلت الوسط الفني،كانت هناك محاذير كثيرة، وبحذر الجنوبيين، كنت مقلاً في الحديث، ولا أحب الإفاضة في التفاصيل، حتى مع أصدقائي.. وبالأحرى كنت مغلقاً جداً.. إلا مع القلائل الذين تربطني بهم علاقة حميمة.. ولكن هذه الحالة لا تنطبق على اللقاءات العفوية مع عامة الناس أنني أحيط نفسي «بسياج» في الوسط الفني فقط.. فمن طبعي أن تكون علاقات العمل بالنسبة لي محددة بإطار العمل فقط.. خصوصاً وأنني لا أحب السهر كثيراً.. وفي رأيي أن الفنان الموسيقي يختلف عن الفنان العادي، وعليه ضرائب يجب دفعها، ومنها التخلي عن العلاقات العديدة، والسهر، والاهتمام بفنه، وهذا ما أعطاني مسحة من الجدية حتى يراني البعض صارماً وشديداً.. أما داخلي فيختلف عن ذلك كثيراً.. ـ متى تركت الناصرية نهائياً وجئت إلى بغداد؟ ـ سنة 1968، ولكني لم أخرج منها تماماً.. فهي تتلبسني.. أحبها وأحملها معي أينما ذهبت.. ـ يبدو هذا الحنين واضحاً في ألحانك، هل هو الحنين إلى المدينة أم إلى ما تمثله؟ ـ الناصرية التي أحبها غير تلك التي أزورها.. لقد كونت لها في داخلي صورة مختلفة تماماً.. الأجواء التي عشناها في هذه المدينة سابقاً، تختلف تماماً عما هي عليه الآن. فعندما أذهب إليها أجدني غريباً لا أعرفها، فالناصرية إذن هي ما تمثله لي من ماضٍ وطفولة وجذور، وليست مجرد مدينة. ـ صوتك جميل، وربما أنت أفضل من يؤدي أغانيك، فلم لم تستمر في الغناء؟ ـ حينما دخلت الوسط الفني.. قدمت للاختبار كمطرب وملحن.. وقبلت كمطرب وملحن، لكني لم أستغل موضوع الغناء.. لم أغني الألحان التي وضعت.. إنما أعطيتها لمطربين.. وجدت أن هذه الألحان لا تتلاءم معي.. كنت أريد أن أكون ملحناً.. قائداً للعملية الفنية، وعندما أغني فانني أقود نفسي فقط، ولو أعطيتها لغيري فأنني سأبقى قائداً أو مشرفاً، ومن خلال ذلك أستطيع مراقبة نفسي، وتطوير عملي وهذا له علاقة بشخصيتي وقناعتي. ـ ربما يعود هذا أو يرتبط بعملك السابق كمعلم.. هل عزز المعلم فيك الشخصية القيادية؟ ـ ربما كل إنسان يخلق وفيه طبيعة معينة، أو ميزات خاصة به، وأشعر أن طبيعتي قيادية، ربما لدقتي الشديدة في العمل، واحترامي للنظام، فمثلاً عندما عينت وجدت نفسي مديراً لمدرسة، ثم نقلت إلى مدرستي وصرت مديراً لأساتذتي الذين درسوني، وهكذا في النشاط المدرسي للناصرية، وكذلك النشاط المدرسي لبغداد، وكذلك في الإذاعة.. والآن أنا معاون مدير عام لدائرة الفنون الموسيقية في وزارة الثقافة.. ـ هل ثمة علامة فارقة سجلها طالب القره غولي في بدء حياته الفنية؟ ـ أعتقد أن من يسجل علامات كبيرة في بدء حياته الفنية يربك فنياً، وقد حدث هذا لفنانين كثيرين.. معي سارت الأمور ببساطة وصعدت السلم بخطوات وئيدة. ـ ما هي أجمل ألحانك في بدايتك؟ ـ في البداية والنهاية (( ليل البنفسج )).. ـ ما هو سر ارتباطك بهذه الأغنية، وكيف بدأت معها؟ ـ أحبها كثيراً.. سمعتها كقصيدة مسجلة على «كاسيت»، أوصله إلي الدكتور سعدي الحديثي.. ومن هناك بدأت معها.. ـ هل كان هذا اللحن تحدياً بالنسبة إليك؟ ـ نعم، كنت أريد أن أكون متميزاً وكبيراً، ولذلك جاء اللحن فخماً وكبيراً.. ـ هل أخذت منك هذه الأغنية وقتاً طويلاً؟ ـ نعم.. بل هي أطول أغنية استغرقت وقتاً لتلحينها.. ـ وهل رضيت عن أداء ياس خضر لها؟ ـ نعم.. وأنا أتقبل ياس خضر في أغلب الأغاني التي يغنيها من الحاني.. ـ أقصر أغنية لحنتها؟ ـ إحنا مشينا للحرب».. لحنتها في نصف ساعة.. وأحبها كثيراً.. كانت وليدة اللحظة.. ـ هل هناك أغنية ما، لم تشأ التفريط بها؟ ـ نعم ( يم داركم ).. لم تكن لدي رغبة في إعطائها لأحد . ـ لماذا؟ ـ لأنني أحببت مطلع القصيدة.. ولم تعجبني بقيتها .. لذا لحنت المطلع.. وطلبت من الشاعر إعادة كتابة قصة القصيدة، ولم تعجبني أيضاً ولكنني أكملت تلحينها مضطراً، بسبب إلحاح حميد منصور، ووعدي له بإعطائه الأغنية.. لكني لم أقدم الأغنية كاملة يوماً.. ـ هل تشغلك المنافسة؟ ـ يجب أن تكون هناك منافسة بين الفنانين، لكي تكون هنالك الحان كبيرة.. بحيث تعيش حالة التحدي.. فأنا حين أشعر بركود موسيقي، أراني راكداً.. ـ هل أحببت قصيدة معينة ولم تلحنها؟ ـ ليس هناك قصيدة معينة.. ولكن يحدث أحيانا أن أسمع ألحاناً لبعض الفنانين أتمنى لو قمت بتلحينها.. ـ ما الفرق بين العود والولد؟ ـ تربطني بهم وشائج.. الوشائج التي تربطك بالولد ليست نفسها التي تربطك بالعود.. ولكنهما معاً يمثلان الحياة.. مع وجود فارق طبعاً. ـ والمرأة ؟ ـ المرأة هي القصيدة.. وحينما يكون الفنان بلا امرأة، فهو بلا قضية.. والمرأة هي شعر الملحن، ودافعه.. ـ من هي المرأة التي تشعر إنك تغني لها؟ ـ ابنتي أنعام. ـ ألحانك شجية، تضج بالحزن، فما الذي يحزن طالب القره غولي؟ ـ أشياء كثيرة.. تحزنني، ولكنني فخور بها.. الاعتداد بالنفس، عدم ابتذال الفن وجعله سلعة تباع في الأسواق وحالة الفوضى التي تمر بها الأغنية العراقية، وحتى العربية.. طبعاً .. هنالك محاولات ناجحة، ولكن الأغنية العربية بشكل عام، والعراقية بشكل خاص خرجت عن حدود الرصانة والمستوى الفني العالي. ـ أخيراً هل أنت مطرب أم ملحن؟ ـ ملحن مع سبق الإصرار. بغداد ـ بشرى الهلالي