رغم آرائه وافكاره ذات الابعاد الفلسفية، فهو لا يعلن عن انتمائه لفكر محدد ولذلك هو اقرب الى فناني فلسفة العبث واللامعقول واذا كان رائدها صاموئيل بيكيت، قد رفض جائزة نوبل فإن خالد الشيخ لا يعترف بأنه فنان ولا مجدد وبرأيه ان التطوير قد يكون تخريباً وليس بالضرورة تقدماً ولكن البناء والتأسيس يستلزم بالضرورة النسف والتدمير! هذا هو الفنان البحريني خالد الشيخ الذي يصطدم بالثقافة والحضارة اصطداماً اخلاقياً فيثور على مقولات قديمة ويعلن بأن التراث صناعة بشرية ليست مقدسة والملحن في المدرسة التعبيرية عند الرواد هو عبد مكبل بالنص الذي يلهث خلف مفرداته ليعبر عنه بالموسيقى. خالد الشيخ فنان مثقف يتكئ على البنيوية التي يسميها بالتأسيس لكنه يقوم اولاً بتفكيك كل الثوابت ونسف المستقر ويعترف بأنها عملية تخريب جميلة يمكن ان تنتج لنا شيئاً جديداً وجميلاً. الحوار مع خالد الشيخ اشتباك وجدل وثورة على المألوف.. هو اول من لحن قصيدة النثر لمحمود درويش بعد مرسيل خليفة واتبعها بقصائد «وجوه» لقاسم حداد وسميح القاسم وعلي الشرقاوي وغيرهم لكنه كان قد ابحر في الاتجاه المعاكس اذ استلهم من التراث الكثير من الموسيقى والالحان الفلكلورية التي طورها وحدثها بشطحاته الابداعية كما في فن الغناء الصنعاني والاندلسي بالمغرب وفن الصوت بالخليج وهو الوحيد صاحب مدرسة التجريب في الموسيقى التي درسها في معهد الموسيقى بالقاهرة بعد ان ترك دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية بالكويت اوائل الثمانينيات. خالد الشيخ كان واحداً من نجوم ليالي دبي حيث التقيناه ودار هذا الحوار: ـ الحفلات الغنائية العربية على مدار العام وفي كل الاقطار والمناسبات والمهرجانات بدأت تتراجع في المردود المادي لمنظميها ومتعهديها ما مستقبل هذه الحفلات في ظل ثورة الاتصالات وانتشار الفضائيات ومنها الغنائية بالطبع وانت لا تحب الغناء بالحفلات؟ ـ رغم انني اشارك في مهرجان دبي للتسوق عبر ليالي تلفزيون دبي الغنائية الا انني توقفت منذ سنوات طويلة عن هذه الحفلات. ـ اسلوبك واتجاهك لتطوير الالحان والموسيقى وتحديث الرقص الفلكلوري الخليجي في عدد من اغانيك كيف بدأ والى اين وصلت؟ ـ انا لم اقم بأي تطوير حداثي لأي موسيقى او اي رقص ولا ارى هذا التطوير في الخليج! ـ وبماذا تسمي اعمالك اذن؟ ـ أسميها تخريب!! ـ كيف تصف لنا هذا التخريب؟ ـ اقوم بتخريب اي شيء مستقر وثابت وجميل، كما استمتع بأنه من هذا التخريب تطلع اشياء ايضاً جميلة وهذا جزء من التأسيس بنفس طويل لانك كلما تأتي لكي تؤسس لابد لك ان تنسف، وهذه سمة هذا الاتجاه الذي اتبناه وحتى مصطلح التأسيس عندي هو تأسيس لشيء لن يستقر لأنها معرضة للنسف يومياً وهي بالطبع الموسيقى والافكار والقناعات وسلوك وتوجهات الحياة كلها!! ـ وهل هذا ينتمي لاتجاه او مذهب فلسفي؟ ـ لا أنتمي لفكر فلسفي معين، ولكنني اتكئ على كل ما انتجته البشرية من افكار مبدعة وليس فكراً واحداً لأن هناك مليون لون ومليون طريقة في الحياة وفي الفن! ـ وهل تقوم بمزج هذه الألوان جميعاً لتشكل لنفسك هذا الكوكتيل الخاص بك؟ ام ماذا؟ ـ انا اشبه هذه العملية بماكينة خلط يومية تستقبل وتطحن وتخلط وتستخرج، هذا هو تفكيري مع افكار البشر الآخرين يتحرك ويمزج ويخرج شيئاً جديداً وحتى هذا الشيء لا يبقى لأنه سيخلط بفكر جديد كل يوم!! ولكن هل هذا جيد ام لا؟ فأنا لا أعرف وما أعرفه حقاً اني لست راضياً عن نفسي!! ـ ولماذا؟ ـ أشعر دائماً ان هناك حاجة أريد انجازها لكن ما زلت غير قادر على اتمام هذه الفكرة!! ـ من ماكينة خلط وطحن الافكار التي تحدثت عنها اعلنت بعض الآراء والمفاهيم المختلفة عن معنى المطرب غير المغني والملحن الذي يأتمر للنص وضرورة الثورة على النص وتأليف الموسيقى الحرة الخ.. هل من اضاءات حول هذه الآراء؟ ـ يا عزيزي طالما سمعتني وتعرف كل هذا ما جدوى الاعادة والتكرار؟ ـ حتى يتعرف القراء على آرائك؟ ـ بايجاز وللارضاء كما قلت الغناء حالة عامة الكل يمكنه ذلك اما المطرب هو الذي يطربني ولا يطرب الآخر بالضرورة والتلحين الذي يجري خلف الكلمات للتعبير عنها هو بمثابة العبد فأين شخصية الملحن؟ اذن التأليف الموسيقي هو الاصح وليس تلحين النص! ـ هذا ما قدمته من خلال العمل على قصائد قاسم حداد بالتحديد. وما الجديد في هذا السياق؟ ـ استعد لطرح ألبوم جديد بعد الصيف بعنوان: «له حصة في الوله» لقاسم حداد ويضم قصائد لمحمود درويش وعلي الشرقاوي والشاعر محمد الزهار من المملكة العربية السعودية. ـ انت كفنان جريء وصريح هل فعلاً الأغنية الخليجية سادت وانتشرت عربياً الآن؟ ـ يا استاذ انا لست بفنان!! يا ريت فعلاً اكون فنان انت تعلم ان الاعلام يفرض ويسيد المسألة التي يريد ان يسيدها!! ـ اغانيك من اشعار محمود درويش وسميح القاسم لماذا لا تقدمها كتجربة في الغناء الوطني منفصلة عن الاغاني الاخرى؟ ـ هو شيء من التنويع ليعتاد المستمع المهتم بغير الشعر الوطني ان يتعود على أغنيات من هذا النوع.. لكن لو قدمتها كما تقول منفصلة ستحدد جمهورها منذ البداية! ـ كثرت وانتشرت الاصوات الغنائية في المملكة العربية السعودية فما هي الاسباب والنتائج لهذه الظاهرة؟ ـ السعودية كبيرة المساحة ومركز مهم من مراكز الفن العربي وهي منذ زمن وهي مشهورة بالاصوات الجميلة وشيء جميل جداً أن يكون عندهم فضائيات خاصة بالانتاج والبث الغنائي هذا دورهم الرسمي وتشجيع فنانينهم هذا من حقهم وهم كفنانين يستحقون لأن لدى السعودية شعراء بمستوى جيد جدا صحيح توجد بعض المستويات الهابطة لكنها قليلة والاشياء المهمة جداً كثيرة. ـ هناك اشتباك فني بين بعض المتخصصين بالموسيقى وفنون التراث حول الأصل اليمني لمعظم اغاني الخليج فما رأيك بهذه القضية؟ ـ اليمن بالنسبة للخليج اهم منابع التراث هذه حقيقة وليست المنبع الوحيد اما الاطلاق في الحكم فعليه اكثر من تحفظ وهناك اقلام صحفية كثيرة قالت ان الخليجيين هم الذين طوروا الاغنية اليمنية وعلى فكرة كلمة تطورت ليس معناها انها تقدمت كما يفهمها البعض لأنه حالياً لا توجد موسيقى جيدة يمكن هناك صوت موسيقي جيد واقصد بذلك تسجيل الموسيقى اصبح افضل وهناك اغان موسيقاها ضعيفة المستوى لكنها في التقنيات الحديثة والتسجيل تبدو قوية ولهذا السبب فإن اليمنيين وحسب ظروفهم المادية والاقتصادية لا يستطيعون ابراز موسيقاهم بهذه الاستوديوهات الحديثة فلم يظهروا كالسعوديين مثلاً فالعامل الاقتصادي هو الذي يبرز الفنون لأي شعب! ـ ما نوعية المشكلات التي تواجه فناناً بحرينياً مثلك له تجربة مهمة خليجياً وعربياً لكنه تراجع مثل الكثيرين في السنوات الاخيرة؟ ـ اهم مشكلة بالنسبة لي وقد تكون بالنسبة للجميع هي اننا نحاول كفنانين ان نعيش بعيداً عن هموم العبء الاقتصادي المادي وهو الذي يؤرقنا جميعاً لأننا نشتغل بالفن لكي نعيش ولا نعمل بالفن للاستمتاع العقلي والروحي بالفن، وكلما ازحت هذا العبء المادي عن الفنان كان بالتأكيد ابداعه اجمل واكثر فالتفرغ مطلوب للمبدع لكن انغماس الفنان في هموم اكل العيش وتوفير المتطلبات الحياتية له ولبيته ولأهله من خلال الفن اثر هذا سلبياً على نوعية عطائه الفني وهذا هو العبء المخيف والذي يهدد الفن! ـ ارجو ان تحدثنا عن ساحة البحرين الفنية؟ ـ البحرين حالياً في حالة «مخاض» ما قبل الولادة هناك خلخلة قوية جداً وتحتاج لوقت لاخراج هذا الحمل الثقيل! ـ وهل هناك فعلاً ريادة بحرينية كويتية على صعيد الفن في الخليج كما يردد البعض دائماً؟ ـ بالنسبة لكم النشاط في هذا البلد او ذاك ممكن تطلع في الصحافة كلمة ريادة وهذا شيء طبيعي ويطلق دائماً على اكبر دولة مثلاً تطبع كتب او تنتج سينما او مسرح وما الى ذلك لكن هذا لا يعني انك وحدك المبدع في هذا المجال وممكن يكون افضل منك لكن في الكويت فعلاً حركة فنية قوية وتأسيسية ومسارح ومعاهد خاصة وكتب وفرق مسرحية ومجلس آداب وترجمة ونشر وكل هذا ثقافة فالكويتيون أسسوا لكن غيرهم يريد ان يقطف الثمرة على الجاهز وهذا لا يجوز فالثقافة صناعة ثقيلة تحتاج لتأسيس وعمل طويل النفس اما الاعلام فهو خبز يومي ونحن للأسف مهووسون بالاعلام وغير مهتمين بالثقافة او الأدب التي تحتاج لغرس وحرث وزرع والحصاد في المستقبل لكن نحن نريد ان نكون رقماً واحداً في كل شيء وبسرعة. ـ يتجه اي فنان عربي في مرحلة ما الى القاهرة بعد الغناء للبحث عن السينما او المسرح فلماذا لم تفكر بذلك؟ ـ (يضحك عالياً ويقول): كفاية والدي ذهب لمصر وتزوج من هناك، لكن انا لا أرغب بعمل: «آيس كريم في جليم».. مصر بلد كبير وحضاري عنده خبرة تراكمية في الثقافة والفن ولديها امكانيات وقدرات سينمائية ومسرحية وغنائية واي طفل مصري يشارك في اي عمل فني مسلسل او مسرحية يمتلك لساناً طليقاً ما شاء الله وهذه خبرات من المشاهدة والمعايشة ينتج هذا الابداع يومياً اما نحن في الخليج ما زلنا في البدايات! ـ صارت دبي ملتقى الفن والفنانين فما رأيك بها في السنوات القليلة الماضية؟ ـ اشكر الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع على انه يقدم لنا دبي في كل مرة بحلة جديدة وكأنها في كل مهرجان او مناسبة عروس جميلة لا تشيخ ابداً وهي في عيون العالم شيء رائع لكننا نطمع في ان تقوم دبي بتأسيس ما على صعيد الثقافة والفنون فهذه الامارة تستحق معهداً لصناعة الغناء العربي او معهداً لرعاية الفنون الغنائية والمواهب والتأسيس للجانب الثقافي في الانتاج الغنائي بعيداً عن الجانب التجاري! ـ هذه المعاهد رغم وجودها في عواصم عربية كبيرة مثل القاهرة الا ان اكثر من 90% من الموسيقيين الملحنين المشهورين لا يعرفون حتى كتابة نوتة موسيقية او حتى العزف على آلة فما رأيك؟ ـ اعتقد ان ذلك غير مطلوب لان الانسان يعبر عن نوازعه الموسيقية عن طريق الآلة الداخلية اكثر من الآلة الخارجية، لكن المهارة والمعرفة بجانب الموهبة افضل بكثير جداً وما ينقصنا نحن هو المعرفة وهنا نحصل على العملة ذات الوجهين والمعرفة هي التعليم والثقافة والاحتكاك والاطلاع على تجارب الآخرين والقراءة والدراسة وما الى ذلك