عندما اخل ايهود باراك بالتزامه بتسليم القرى الثلاث القريبة من القدس الى الفلسطينيين وهو التزام كان رئيس الوزراء الاسرائيلي قد قام على وجه التحديد بتخويل بيل كلينتون ابلاغه باسمه، اي باسم الرئيس الاميركي، الى ياسر عرفات، استبد الحنق بكلينتون وكما عبر عن الامر فإن تلك هي المرة الاولى التي تم فيها تحويله الى «حامل وعود زائفة» بالنسبة لزعيم اجنبي وفي لحظة غير عادية في كامب ديفيد عندما عدل باراك عن بعض مواقفه واجهه الرئيس الاميركي مفصحا عن كل احباطه المتراكم، قائلاً: «ليس بوسعي الذهاب لرؤية عرفات حاملاً معي خبر اعادة تعديل المواقف، يمكنك القيام بذلك، اما انا فلا سبيل امامي للتمكن من فعل ذلك، هذا ليس امراً واقعياً، هذا ليس امراً جدياً لقد مضيت إلى شبردز تاون لاجراء المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية، ولم تبلغني بشيء على مدار اربعة ايام، وذهبت الى جنيف لعقد مؤتمر قمة مع الرئيس السوري حافظ الاسد، وشعرت بأنني هندي متخشب يرتب لك فراشك، انني لن ادع هذا يحدث هنا! مع ذلك فإنه في نهاية المطاف وفيما يتعلق بكل هذه الاحكام التكتيكية موضع التساؤلات فإن الولايات المتحدة اتخذت احد موقفين فإما انها اقرت بعجزها او استسلمت فتقبلت بصورة مترددة طريقة باراك في انجاز الامور تقديراً لما كان يحاول القيام به، حيث كان هناك خير اسمى واعلى شأنا، تمثل في اصرار باراك على الوصول الى اتفاقيات سلام مع سوريا والفلسطينيين. وفي وقت مبكر يعود الى يوليو 1999 وخلال اول اجتماع يضم باراك وكلينتون كان باراك قد حدد للرئيس الاميركي معالم رؤيته لسلام شامل، حيث قدم تفاصيل حول استراتيجيته واجندته، بل والتمويل «الفلكي» الاميركي الذي سيكون مطلوبا لامن اسرائيل والمساعدة الاقتصادية للفلسطينيين والسوريين وتسوية وضع اللاجئين ولم تكن هذه كلمات رجل يمارس خدعة وانما كلمات رجل يؤدي مهمة. تتحدى العلاقة بين كلينتون وباراك اي محاولة للتصنيف السهل فالرئيس الاميركي وهو سياسي محترف كان مفعما بالتقمص العاطفي والانفعالي والدفء والجاذبية الشخصية ورئيس الوزراء الاسرائيلي الذي اقتحم مجال السياسة حديثا كان في الاساس يشعر بالارتياح في غمار الجدل المنطقي البارد، وحيثما كانت تكتيكات الرئيس مرنة وقابلة بلا انتهاء للتوافق مع ردود فعل الآخرين، فإن كل خطوة من خطوات باراك بدت كما لو كانت قد تم امعان التفكير فيها وتجميدها في ذهنه. وفي كامب ديفيد قدم كلينتون نصيحة لباراك، حيث قال له: «إنك اكثر حنكة وتجربة مني في الحرب. ولكنني أقدم عهدا في السياسة، ولقد تعلمت من أخطائي». لكن الرجلين كانا في علاقاتهما السياسية متقاربين بصورة أصيلة. فعلى الرغم من كل سمات شخصية باراك، المعقدة، ساد الاعتقاد بأنه شريك مميز بسبب اصراره على التوصل الى صفقة نهائية والمخاطر التي كان على استعداد لخوض غمارها للوصول الى ابرام تلك الصفقة. وعندما وضعت هذه السمات في مواجهة افتقار عرفات الجلي للمرونة وتشديده على الالتزامات المؤقتة، فإن الادارة الاميركية وجدت أن من المتعذر ألا تستجيب لمطالب باراك. وكما ابلغ الرئيس الاميركي عرفات قبل بدء قمة كامب ديفيد بثلاثة اسابيع فإنه يتفق الى حد كبير مع المسئول الفلسطيني في توصيفه لباراك بأنه على الصعيد السياسي تعوزه البراعة، ويدعو الى الاحباط، ويفتقر الى اللمسة الشخصية ولكنه اختلف مع عرفات حول نقطة جوهرية، فقد كان مقتنعا بأن باراك يريد بصورة أصيلة ابرام صفقة تاريخية. إضاءة يقدم قرار الرئيس الاميركي بعقد قمة كامب ديفيد الثانية على الرغم من احتجاجات عرفات اضاءة للكثير من الجوانب فيما يتعلق بالسياسة الأميركية خلال هذه الفترة ـ ففي شهر يونيو ابلغ باراك ـ الذي كان يدعو بالحاح منذ بعض الوقت الى عقد قمة على وجه السرعة ـ الرئيس الاميركي ووزير خارجيته مادلين اولبرايت بأن المفاوضين الفلسطينيين لم يتحركوا بوصة واحدة وأن مفاوضيه قد وصلوا الى نهاية الحلول الوسط المتاحة لهم، وأن أي شيء آخر لن يتحقق الا من خلال عقد قمة. كما حذر كذلك من انه من دون القمة فإن حكومته (على الاقل في تشكيلها الراهن آنذاك)، سيطاح بها في غضون أسابيع قلائل. في الوقت نفسه، طرح عرفات عدة شروط للموافقة على المضي الى القمة. فقد سعى اولا لاجراء محادثات تمهيدية اضافية لضمان ان قمة كامب ديفيد لن تمنى بالاخفاق، وطلب ثانيا ان يتم تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي الثالث من الاراضي قبل كامب ديفيد، وهو طلب تحول عندما رفضته الولايات المتحدة الى مطلب قوامه ان «تضمن» الولايات المتحدة الانسحاب حتى اذا لم تسفر كامب ديفيد عن الوصول الى اتفاق (وهو ما أسماه بـ «شبكة الامان») وتمثل مطلب ثالث للجانب الفلسطيني تطوع به كلينتون بأكثر مما طالب به عرفات في ان تظل الولايات المتحدة محايدة في حالة فشل القمة وألا تلقي اللوم على الفلسطينيين لفشلها. شاركت الادارة الاميركية عرفات، بشكل او بآخر، في وجهات نظره ومن المنظور الاميركي فإن اكثر المخاوف الفلسطينية مشروعية تمثل في انه من دون عمل تمهيدي اضافي فإن المخاطرة بالتعرض للفشل تظل كبيرة وفي يونيو ابلغ كلينتون باراك في غمار حديثه عن قمة محتملة بقوله: «انني اريد القيام بهذا، ولكن ليس في ظل ظروف من شأنها ان تقتل اوسلو». كما اتفق كلينتون مع عرفات في الاقتناع بالحاجة الى تحرك فيما يتعلق بالقضايا المؤقتة. وقد انتزع التزاماً من باراك بأن الانسحاب الاسرائيلي الثالث سيتم سواء اعقد صفقة نهائية ام لا في شهر يونيو، وقد ابلغ عرفات في حديث خاص دار بينهما انه سيدعم انسحاباً «يعتد به» اذا قدر لكامب ديفيد ان تمنى بالاخفاق، وفي غمار قيامه بتوصيف كل الاسباب التي تدفع عرفات الى التخوف، اهاب بباراك ان يضع نفسه «في موضع عرفات» وان يفتتح القمة بسلسلة من ايماءات حسن النوايا نحو الفلسطينيين واخيراً اكد كلينتون لعرفات قبيل عقد القمة انه لن يقع عليه اللوم اذا لم تنجح القمة وتعهد له بأنه «لن يكون هناك توجيه لأصابع الاتهام». مع ذلك، وبعد الاتفاق مع القناعات الفلسطينية حول مزايا ما اقترحوه، فإن الولايات المتحدة مضت قدماً بصورة فورية لتضرب صفحاً عنها، وفي نهاية المطاف لم يجر تحضير اضافي قبل القمة كما لم يتم تنفيذ عملية اعادة الانتشار الثالثة للقوات الاسرائيلية، كما لم يجر اتخاذ اي خطوة فيما يتعلق بالقضايا المعلقة وجرى القاء اللوم على كاهل عرفات بصورة مؤكدة. لماذا هذا التضارب بين الوعد والاداء على الأرض؟ انه يرجع بصورة اكثر اهمية الى طرح باراك وجدول اعماله وتمتعهما بمنطق لا سبيل الى مقاومته اذا لم يكن ثمة شيء سيحدث في المفاوضات السابقة على القمة ـ ولم يحدث شيء بالفعل ـ واذا كانت حكومته على حافة الانهيار واذا كان سيطرح على طاولة كامب ديفيد تنازلات لم يطرحها من قبل فكيف يمكن للرئيس الاميركي ان يقول لا؟ ما الذي سيتم كسبه بالانتظار؟ بالتأكيد ليس الاحتمال الذي يطرحه عرفات وهو اجراء مفاوضات اخرى متقطعة حول انسحاب اقليمي متواضع وربما في الغالب الاعم كما تنبأت تحليلات عديدة مواجهة وشيكة اذا مضى عرفات قدماً بخطته لاعلان دولة من طرف واحد في 3 سبتمبر عام 2000، او اذا قدر للاحباط السائد في صفوف الفلسطينيين، والذي رأى العالم لمحة منه خلال احداث مايو عام 2000، ان يصل الى نقطة الغليان مجدداً. اما فيما يتعلق بالقضايا المؤقتة، فقد اعتقد المسئولون الاميركيون انه أياً كان الغضب الفلسطيني الناجم عن العثرات الاسرائيلية، فإنه سيتبخر في مواجهة صفقة نهائية جذابة وكنتيجة طبيعية وابتداء من الرئيس الاميركي فما دونه، فإن المسئولين الاميركيين اختاروا استخدام نفوذهم لدى الاسرائيليين للدفع باتجاه تحرك حول القضايا التي يتعين التعامل معها في الاتفاق الدائم وليس اهداره على اتفاقات مؤقتة. ويشير قرار الرئيس الاميركي تجاهل التزامه لعرفات والقيام بالقاء اللوم على كاهل الفلسطينيين بعد القمة الى عامل آخر، يتمثل في كيف نظر الى الجانبين خلال المفاوضات، فكامب ديفيد على نحو ما ينظر اليها من واشنطن تمثل شجاعة باراك السياسية وسلبية عرفات السياسية، اي المخاطرة من ناحية والاحجام عن المخاطرة من ناحية اخرى، وكان اول شيء طرأ في ذهن الرئيس الاميركي بعد كامب ديفيد هو ان يساعد رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي عرضت تنازلاته للخطر مكانته السياسية في بلاده. ومن هنا جاءت عملية توجيه اصابع الاتهام وكان آخر ما في ذهن كلينتون هو الاصرار على المزيد من الانسحاب الاسرائيلي، ومن هنا غياب شبكة الامان وهذا يعيدنا الى لب المسألة وجوهرها، فحوى المفاوضات ذاتها والواقع الكامن وراء المفهوم السائد عن ان عرضا اسرائيلياً سخياً قد قوبل باستجابة فلسطينية صارمة. العرض السخي هل كان هناك عرض اسرائيل سخي واذا كان الامر كذلك فهل رفض عرفات هذا العرض في التو فأجهضه؟ اذا كانت هناك قضية يجمع الاسرائيليون عليها فهي ان باراك قد انتهك كل محرم يمكن تصوره ومضى الى ابعد شوط يمكن لرئيس وزراء اسرائيلي ان يمضي اليه فهو قد تولى منصبه على اساس وعد للناخبين بالاحتفاظ بالقدس باعتبارها «العاصمة الابدية وغير المقسمة» لاسرائيل وانتهى به الامر الى ان يبدو موافقا على السيادة الفلسطينية، اولا على بعض القطاعات العربية في القدس الشرقية ثم على هذه القطاعات جميعها وكان باراك اصلا شديد التصلب في رفض الطرح القائل ان اسرائيل ينبغي عليها ان تبادل بعض اراضي الضفة الغربية المحتلة لقاء ارض واقعة في داخل حدودها كما كانت في 1967 وقد قام في نهاية المطاف برحلة دائرية ليعود الى وجهة النظر تلك وبعد ان كان في البداية قد تحدث عن دولة فلسطينية تغطي على وجه التقريب 80% من الضفة الغربية انتقل تدريجيا إلى اوائل الـ 90% وصولا الى منتصف الـ 90%. حتى على الرغم من ذلك فان من الصعب القول بيقين الى اي مدى كان باراك على استعداد للذهاب بالفعل فقد كانت استراتيجيته قائمة على الاعتقاد بان اسرآئيل لاينبغي ان تكشف النقاب عن مواقفها النهائية ـ حتى للولايات المتحدة ـ الى ان تغدو اللعبة النهائية قاب قوسين او ادنى وتتراءى جلية للانظار، ولو ان اي عضو من اعضاء فريق السلام الاميركي طلب منه توصيف مواقف باراك الحقيقية قبيل قمة كامب ديفيد او حتى خلالها ولو ان ايا منهم طلب منه القيام بذلك اليوم حقا لكان من المتعذر عليه القيام بذلك. وقد تمثلت اسوأ مخاوف باراك في انه سيطرح تنازلات اسرائيل ويدفع الثمن على صعيد السياسة الداخلية لا لشيء الا ليرى الفلسطينيين يستخدمون هذه التنازلات كمنطلق جديد للحركة السياسية. ولم تكن ثقته بالاميركيين تتجاوز هذا النطاق، حيث خشي من انهم قد يكشفون للفلسطينيين ماكان حريصا على اخفائه. وكنتيجة لذلك فان كل موقف اسرائيلي قد طرح على انه موقف لا سبيل الى التخلي عنه وباعتباره خطاً احمر يقترب من «عظم» المصالح الاسرائيلية وقد افاد هذا كوسيلة لاجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات وفي الحفاظ على مواقف اسرائيل التساومية في حالة عدم تقديم الفلسطينيين لتنازلات وعشية قمة كامب ديفيد وصف المفاوضون الاسرائيليون خطوطهم الحمراء الوهمية لنظرائهم الاميركيين بانها ضم مايزيد على 10% من الضفة الغربية والسيادة على اجزاء من شريط يمتد على ضفاف نهر الاردن ورفض اي عمليات تبادل للأراضي وحذر باراك في افتتاح قمة كامب ديفيد الاميركيين من انه ليس بمقدوره قبول سيادة الفلسطينيين على اي جزء من القدس الشرقية بخلاف «موطيء قدم» رمزي بصورة خالصة. وكان في وقت سابق قد زعم انه اذا طلب عرفات 95% من الضفة الغربية فلن يتم ابرام صفقة ومع ذلك فانه في الوقت نفسه المح تلميحات واضحة الى ان اسرائيل على استعداد لاظهار المزيد من المرونة اذا كان عرفات على استعداد لـ «التفكير في» النقلة النهائية على الرقعة. هكذا فقد كانت هناك على الدوام خطوط اخيرة وخطوط زائفة وكان هناك توتر وغموض على الدوام. ويمكن تفسير انتقالات باراك التدريجية كذلك من خلال الحقيقة القائلة ان كل اقتراح بدا كما لو كان يقوم على اساس اقل ثباتاً على تقدير ما يتحتم على اسرائيل التشبث به وعلى اساس اكبر على التقديرات المتغيرة لما يمكنها الاحتفاظ به وقد تبنى باراك فيما يبدو وجهة النظر القائلة انه في مواجهة اقتراح جذاب بما فيه الكفاية وبديل غير جذاب بشكل مناسب فان الفلسطينيين لن يكون لهم خيار الا ان يقولوا نعم . ومن الناحية العملية فان «اللاءات» الفلسطينية المتتابعة قد اخفيت للتقدير الاسرائيلي الافضل التالي لما لايستطيع الفلسطينيون بحسب تفكيرهم هم اي تفكير الاسرائيليين ان يرفضوه. لقد كانت النتيجة النهائية، والتي لم تتم ملاحظتها الى حد كبير، للمنهاج الذي اتبعه باراك، هي على وجه التأكيد، انه لم يكن هناك عرض اسرائيلي قط، فقد عقد الاسرائيليون العزم على الحفاظ على الموقف الاسرائيلي في حالة فشل القمة واصروا على الا يدعو الفلسطينيين يستفيدون من حلول وسط احادية الجانب، ومن هنا فقد توقفوا على الدوام قبل خطوة واحدة، ان لم يكن قبل خطوات عديدة من طرح اقتراح بعينه والافكار المطروحة في كامب ديفيد لم تقدم كتابة قط، وانما نقلت شفاهة فحسب، وقد نقلت بصفة عامة على انها مفاهيم اميركية، وليست اسرائيلية وعلى الرغم من ان باراك قد طلب الفرصة للتفاوض وجها لوجه مع عرفات، فانه قد رفض ان يعقد اي اجتماع جوهري معه في كامب ديفيد خوفا من ان يسعى الزعيم الفلسطيني الى تسجيل التنازلات الاسرائيلية في مضبطة الجلسة، كما لم تكن الاقتراحات تفصيلية. ولو ان الافكار الأميركية في كامب ديفيد سجلت كتابة لما تجاوزت صفحات قلائل، فقد اجبر باراك والاميركيون على ان يقبلها عرفات باعتبارها «اسس للتفاوض» تتصف بالعمومية قبل الانطلاق الى مزيد من المفاوضات الشاقة. ووفقا لتلك «الاسس» فان فلسطين سوف تحظى بالسيادة على 91% من الضفة الغربية، وستقوم اسرائيل بضم 9% من الضفة الغربية، وبالمقابل فان فلسطين ستكون لها السيادة على اجزا من اسرائيل كما كانت قبل 1967 تعادل 1% من الضفة الغربية، ولكن من دون ان يكون هناك مؤشر الى مكان اي من الاراضي التي تشكل هذه النسب المئوية، وفي ما يتعلق بالقضية فائقة الحساسية المتعلقة باللاجئين لم يتحدث الاقتراح الا عن حل مرض فقط، وحتى فيما يتعلق بالقدس حيث توافر القدر الاكبر من التفصيل فان هناك العديد من الخانات ظلت خالية ويتعين ان تملأ. وقيل لعرفات ان فلسطين ستحظى بالسيادة على الاحياء المسيحية والاسلامية من المدينة العتيقة، ولكنها لن تحظى الا بـ «اشراف دائم» محدد بشكل غير دقيق على الحرم الشريف، ثالث اكثر الاماكن قداسة في الاسلام، اما وضع باقي المدينة فانه سوف يتذبذب بين السيادة الفلسطينية، والحكم الذاتي الوظيفي، واخيرا حرص باراك على الا يقبل اي شيء، وكانت تصريحاته حول المواقف التي يمكن ان يؤيدها مشروطة، ومطروحة باعتبارها استعدادا للتفاوض على اساس مقترحات اميركية طالما ان عرفات يبدي الاستعداد نفسه. الورطة الفلسطينية ايا كان الدأب الذي حاول به القادة الفلسطينيون ان يدافعوا عن قضيتهم فان هذه المحاولة برهنت على انها لم تكلل بالتوفيق، فهم يصورون بشكل دائم في اسرائيل والولايات المتحدة على انهم متصلبون وعاجزون عن الاستجابة لجهد باراك الفائق، ومع ذلك فانهم في نظرنا هم الذين قدموا التنازلات الرئيسية. وعلى الرغم من كل الكلام الذي يساق عن السلام وعن المصالحة، فان معظم الفلسطينيين كانوا اكثر ا ستسلاما للقبول بحل على اساس دولتين منهم الى ارادة تقبل هذا الحل، وكانوا على استعداد للقبول بوجود اسرائيل ولكن ليس بشرعيتها الاخلاقية، لقد انتهت الحرب من اجل كل فلسطين لانهم خسروها، واوسلو على نحو ما رأوها لم تكن متعلقة بالتفاوض على شروط السلام وانما بالتفاوض على شروط الاستسلام، ومن شأن وضع هذا المنظور موضع الاعتبار ان يفسر وجهة النظر الفلسطينية القائلة ان اوسلو ذاتها تعد حلا وسطا تاريخيا اتفاقا على تسليم 78% من فلسطين كما كانت تحت الانتداب البريطاني لاسرائيل، وهو يفسر السر في أن الفلسطينيين كانوا شديدي الحساسية تجاه اللغة التي تستخدمهااسرائيل. فقد بدا لهم المفهوم القائل ان اسرائيل تقدم الارض لهم وانها «سخية» أو تقدم «تنازلات» مفهوماً خاطئا بصورة مضاعفة، حيث يؤكد في ضربة واحدة حق اسرائيل وينكر حق الفلسطينيين. وبالنسبة لهم لم تكن الأرض تعطى لهم وانما تعاد إليهم. عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»