اذا كان النور يعرف بالظلمة، والقوة تبدو اكثر فعالية امام القوة المضادة فإن فن بابلو بيكاسو يفهم على نحو افضل امام فن هنري ماتيس. والعكس صحيح ايضا هذا هو على الاقل المفهوم، الذي يحرك فعاليات معرض «ماتيس ـ بيكاسو» المميز الذي يقام حاليا في متحف الـ «تيت مودرن» بلندن، ويستمر حتى الثامن عشر من اغسطس المقبل، وهي فكرة كان سيرتاح اليها عملاقا الفن في القرن العشرين. اذ ينقل عن بيكاسو قوله في آخر ايام حياته: «عليك ان تتصور اعمالي جنبا الى جنب مع اعمال ماتيس، لم يتقمص احد اعمال ماتيس بعناية اكبر مما فعلت انا ولم يتفحص احد اعمالي بعناية اكبر ما فعل ماتيس». وكانت هذه العبارة هي التي الهمت القيمين على المتحف اليزابيث كاولينج وجون جولدنج فكرة اقامة هذا المعرض الذي يقدم فيه اعمال بيكاسو جنبا الى جنب مع اعمال ماتيس ويتذكر كاولينج انها قالت لجولدنج في عام 1994 اذا كانت الفكرة تروق لبيكاسو فلاشك في انها تروق لنا، وكانت الفكرة جيدة للغاية بحيث ان اتحاد المتاحف الوطنية ومتحف بيكاسو ومركز بومبيدو في باريس ومتحف الفن المعاصر في نيويورك ومتحف الـ «تيت مودرن» بلندن تعاونت جميعها على مدى سبعة اعوام حتى تحقق هذا الامل. وعندما يسافر معرض ماتيس ـ بيكاسو الى باريس في وقت لاحق هذه السنة، والى نيويورك في اوائل السنة المقبلة سيضيف كل من هذه المتاحف لوحاته الخاصة وتركيزه الخاص الى المعرض. كان الرسام والنحات الفرنسي ماتيس فناناً معروفاً على الرغم من كونه مثيراً للجدل في السابعة والثلاثين من عمره عند التقى بالرسام الاسباني الشاب الذي يصغره بـ 12 عاماً، في باريس عام 1906. لكن خلال تلك السنة كان بيكاسو قد اكمل لوحته «الفتيات» التي غيرت كل شيء بما في ذلك اهمية الفنان الاصغر سناً بالمقارنة مع ماتيس. وعلى الرغم من احتدام تنافسهما وبطبيعة الحال تنافس اتباع كل منهما فقد اتفق ماتيس وبيكاسو على تبادل اللوحات، واختار ماتيس لوحة حديثة لبيكاسو في ذلك الوقت، هي لوحة «الابريق والطاس والليمون» في حين وقع اختيار بيكاسو على لوحة ماتيس التي يصور فيها ابنته مارجريت وهي في الثانية عشرة من عمرها. ومن اشهر الايضاحات لهذه المقايضة توصيف جيرترود شتاين التي انكبت مع شقيقتها ليو على جمع اعمال للفنانين كليهما وفي حين تظاهر كل منهما باختبار اكثر لوحة اثارت اهتمامه في اعمال الآخر فإن الاثنين، كما كتبت شتاين عام 1933. اختارا في حقيقة الامر العملين الاقل اثارة للاهتمام اذ كان كل منهما يجد متعة بالغة في الاشارة الى نقاط الضعف في لوحات الآخر، حتى ان اصدقاء بيكاسو كانوا مولعين برمي السهام الصغيرة الزائفة على لوحة مرجريت لكن بيكاسو شعر بالندم لاحقا ازاء تلك الاحداث المضحكة التي كانت على حساب جودة اللوحة التي احتفظ بها حتى مماته. وقد تلذذ الوسط الفني الباريسي بالمنافسة بين الفنانين العملاقين وشجع عليها، لكن هذا المعرض ينطوي على قدر من الاحترام المتبادل لايقل عن قدر المنافسة الشديدة، ويتجلى في اللوحات المعروضة افتتانهما المشترك بالفن القبلي الافريقي وفن اللصاقات والعلاقة بين الفنان والموديل، لاسيما الشكل الانثوي العاري، وكذلك التأثيرات الواضحة لكل منهما على الآخر، ففي لوحة «المرأة ذات الخمار» التي رسمت عام 1927، كسا ماتيس المرأة بملابس من طراز يذكرنا بطراز الملابس في لوحة بيكاسو الشهيرة «المهرج» التي رسمت عام 1915. وكذلك يبدو تأثير اسلوب ماتيس واضحا في لوحة بيكاسو بعنوان «فتاة أمام المرآة» عام 1932. وتقول كاولينج يعطي هذا المعرض انطباعاً فريداً عن الطاقة الاستثنائية التي امتلكها الفنان ورغبتهما في العيش على امجاد ماضيهما وكيف استخدما علاقتهما الثنائية كمحفز على الابداع الفني. ومن المؤكد ان لكل فنان منهما اسلوبه، او بالاحرى اساليبه المميزة فقد ساهم بيكاسو من جانبه في ايجاد المذهب التكعيبي في الرسم وتظهر لوحته «امرأة تحمل مروحة» مدى شغفه في تبني هذا الاسلوب في حين ان ماتيس، المعروف ببراعته في توظيف الالوان والخطوط، تبنى المذهب التكعيبي عندما كان يلائمه، لاسيما في لوحته «طبيعة صامتة» وقال ماتيس ذات مرة: «بيكاسو يحطم الاشكال، وانا خادمها». لكن عندما غامر بيكاسو والذي يتوقف عن التجريب، في الدخول الى عالم السريالية، قرر ماتيس ألا يسير في خطاه. حتى ان الاثنين لم يلتقيا البتة خلال تلك الفترة من 1924 الى 1930 لكن في عام 1931 كان، كل منهما قد تقدم مهنيا، وكلاهما اقاما معارض هامة في باريس استأنفا صداقتهما وظلا يلتقيان بشكل منتظم الى ان اندلعت الحرب. في حين بقي بيكاسو في باريس المحتلة، ومكث ماتيس في مدينة نيس ظل الاثنان على اتصال، ومن اكثر ازواج اللوحات اثارة للاهتمام في معرض الـ «تيت مودرن» لوحتان رسمتا في الاربعينيات كلتاهما تتعلقان بموضوع الطعام، الذي كان هاجساً ايام الحرب في لوحة ماتيس «طبيعة صامتة بالمحار» المثيرة للشهية يظهر طبق الطعام في شكل تتداخل فيه المستطيلات الفنية بالالوان التي تبدو وكأنها تمتد الى خارج فضاء اللوحة، بالاسلوب الماتيسي المعروف، وبالمقابل فإن لوحة بيكاسو «طبيعة صامتة بالنقانق» المرسومة بالرمادي والاسود تصور مائدة مروعة، فالنقانق تبدو كالامعاء والحراشف كالايدي المبتورة. في حين تبزغ السكاكين والشوك في المائدة مثل ايد تلتمس الرحمة. وعندما انتهت الحرب انتقل بيكاسو ايضا للعيش في جنوب فرنسا ووصلت قصة اعظم فنانين في العالم على قيد الحياة في حينها الى فصولها الاخيرة وتوفي ماتيس عام 1954 بعد ان عارك مرض السرطان طيلة سنين. وينسب الى بيكاسو وماتيس قولهما: يجب ان نتحدث سويا قدر الامكان فعندما يموت احدنا ستكون هناك امور لن يستطيع الآخر التحدث فيها مع اي شخص آخر. واحدى الطرق العديدة التي عبر بها بيكاسو عن اجلاله لنظيره الوحيد في العالم كانت لوحته «كاليفورني» التي تظهر فضاء بسيطاً مستطيلاً بنافذة تطل على حديقة كما في لوحة ماتيس «الحجرة الحمراء». لكن بخلاف الالوان النابضة بالحياة في لوحة ماتيس، فإن حجرة بيكاسو معتمة كئيبة. لوحة الوانه موضوعه على الكرسي بلا غاية. النوافذ مغلقة والاشجار في الخارج فقدت معظم أوراقها وحتى التمثال الصغير يبدو حزينا، وابلغ من هذا كله ان الالوان غائبة كليا عن اللوحة. لقد رحل احد عملاقي التجديد الفني وتابع الآخر مسيرته حتى مماته عام 1973. علي محمد