بيان الكتب: «ادنا أوبريان» ـ 1932.. روائية، قاصة، وكاتبة سيناريو ايرلندية تميزت أعمالها بتجسيدها القوي لواقع الحياة التي تعيشها المرأة الايرلندية بأسلوب شديد الاثارة والصراحة على المستوى العاطفي، ونابض بالحياة، لكن بعض أعمالها ظلت محظورة في بلادها، فيما يشبه انضمامها الى قائمة الكتاب الايرلنديين الممنوعة أعمالهم من قبل، ومنهم جيمس جويس وفرانك أوكنور، فيما يشبه الاعتراض على تلك المكاشفة. مؤخراً، صدرت لادنا أوبريان عن دار ويدنفيلد آند نيكولسون رواية «في الغابة» التي رحب بها كثيراً نقاد بريطانيون مهمون، منهم المسرحي والروائي هارولد بنتر الذي اعتبرها رائعة أدبية شديدة المعاصرة رغم تطرقها لجزئيات تتعلق بالمجتمع الايرلندي القديم. ورواية أوبريان الجديدة ليست أكثر حظاً من أعمالها السابقة بالنسبة لما تعرضت له من الهجوم العنيف في ايرلندا، وفيما تعيد المؤلفة أحداث رواية حقيقية مرعبة وقعت في سنة 1994 قتلت خلالها امرأة شابة وطفلها ورجل دين من المنطقة نفسها التي تنحدر منها أصول عائلة المؤلفة كاونتي كلير، أما القاتل فهو رجل مريض يعاني من اضطرابات نفسية حادة ومع ذلك فقد أحبته ايلي ولقيت حتفها على يده. أبطال رواية أوبريان «في الغابة» لا يختلفون عن أبطال رواياتها السابقة، وعلى وجه التحديد رواية «الريفيات» وهي ثلاثية كتبتها في الستينيات وسلطت من خلالها الضوء بجرأة استثنائية على حياة أولئك النسوة المأخوذة هي بتصوير حياتهن العاطفية البائسة، فيما يبدو وكأنها سيرة شخصية لهؤلاء النساء المفروض ان نموذجهن قد انقرض منذ سنوات طويلة. ايلي بطلة أوبريان في رواية «في الغابة» لا تختلف عن هؤلاء، فهي امرأة بسيطة تستغرقها علاقة حب غير مشروطة، وتضيع في لحظة من لحظات العشق مع رجل مريض يعاني من انفصام في الشخصية. في الوقت الذي لقيت أعمال أوبريان الأولى ترحيباً حاراً من قبل النقاد، كان لأعمالها صدى آخر من عدم الاستحسان من قبل الكثير من مواطنيها الايرلنديين، الأمر الذي أثار حولها موجة من الانتقادات بدأت بصدور روايتها الأولى «الفتاة الوحيدة» ـ 1962 التي أشاد بها النقاد. بعد مرور أربعين عاماً على نشرها رواية «الفتاة الوحيدة» تبدو أوبريان وكأن شيئاً لم يتغير في حياتها الكتابية أو بالاحرى من سيرتها الأولى كروائية تتميز أعمالها بالخصوصية والاثارة والصدامية وبالتركيز على جزئيات محظور عليها كمواطنة ايرلندية تناولها بالبحث والتقصي والتفسير دون التعرض الى نوع من الاقصاء الاجتماعي ذاته المفروض على بطلاتها. شخصيات هذا العمل الروائي هي الأم الضحية ايلي ريان وميتشن أوكين القاتل المريض بالذهان منذ طفولته الذي حولته الى وحش سلسلة من الاعتداءات الجنسية والنفسية منذ تعرضه للأذى على يد عدد من الرهبان الى تعرضه للاغتصاب على يد شلة من الزملاء يشاطرونه مكان الاقامة. على الجانب الآخر، تظهر شخصية ايلي المرأة الطيبة الساذجة التي تجسد ملامح البراءة التي تعرف بها المرأة الايرلندية. وبعيدا عن مظاهر الحياة المادية تعيش في كوخ قديم آيل للسقوط في احدى المزارع هي وابنها مادي (3 سنوات) حياة بسيطة على الطراز البدائي حياة البوهيميين المتشردين. أما أوكين فيقترب من هذا المشهد المتحرر من الأعراف التي تقيمها الحياة الاجتماعية التقليدية فيجد نفسه مشدوداً اليه بفعل تلك الجاذبية التي تشكلها امرأة مثل ايلي ويظل يراقبها من خلال النافذة في الليل مطلقاً عليها تسمية شديدة الغرابة «فتاتي الضحية» وبعد تدبيره خطة لخطفها هي وطفلها يجرجرهما الى الغابة ويبقيهما تحت تهديد السلاح، ثم يقوم باغتصابها وبعد ذلك قتلهما معاً. تستمد أحداث رواية أوبريان الجديدة قوتها من الديناميكية التي تسير عليها أحداث الرواية المفجعة التي تدور حول تحرك شخصيتين هما بطلتها ايلي وبطلها أوكين. هذه الديناميكية التي تصل الى ذروتها أو بالأصح حيويتها ونقطتها الحاسمة بشكل بطيء موزع على فصل واحد طويل مليء بالتفاصيل المثيرة التي تستحوذ على الذهن. يبدو ان هذا الفصل الذي تقع أحداثه في الغابة شديدة التميز، شديد الكشف عن موهبة مؤلفته في الامساك بالأحداث بإحكام وجعلها قابلة للتأثير في نفس القاريء وايقاظ الهلع والشعور بالتعاطف مع شخصياتها على نحو غير عادي، ففي هذه الاحداث يظل القاريء متتبعاً لخطوات أوكين غير المعلنة، غير المرئية، من قبل ضحيته وظهوره المفاجيء التي تراها بعد ذلك من مطبخها الى المكان الذي تموت فيه وتدفن في الغابة الى تذكره طفلها وهو يتشبث بها ويبكي. ثم مشهد آخر أكثر اثارة حين تنطلق صرختيهما اليائستين لتصطدما صعوداً برؤوس الأشجار العالية نزولاً برؤوس الأعشاب المنداة الباقية ما بعد زوال الظلام، ارتفاعاً وهبوطاً، موتاً ودواماً الى الأبد في قبر تحت الأرض بعيداً.. بعيداً في مكان قصي من العالم حيث تسجى أرواح الضحايا. في مقابلاتها تقول أوبريان باستمرار انها تجد دائماً الموضوعات المهمة التي تكتب عنها، وبالاضافة الى هذا فهي دائمة البحث عن مادة تفي بما يتطلبه فن كتابة الأعمال الروائية وتقنياتها سواء تعلق ذلك بالبناء اللغوي أو التقنية السردية أو ذلك الخيال الخصب المنطلق بسرعة خاطفة، كما ان روايتها الأخيرة هذه تجسد التناغم التام بين العناصر الروائية المهمة كالأسلوب والموضوع الذي تتمحور حوله الأحداث الرئيسية. في هذه الرواية يتطابق الموضوع الرئيسي مع الواقع، ولذا فإن شيئاً كاستغلال أوبريان رواية حقيقية تقع في بلدة ايرلندية لا يبدو متنافياً مع الرواية في شيء، وحسب أوبريان فإن ذلك ما يجسد الواقع الحياتي الذي تعيشه المرأة الايرلندية الشابة الضعيفة المغلوبة على أمرها التي تلتقي شاباً سيئاً يدمر حياتها. الكثيرون يقارنون بين ادنا أوبريان في رائعتها «ايرلندا الأم» ـ 1976 وبين كتّاب ايرلنديين كبار من أمثال فرانك مكورث في روايته «رماد انجيلا» وبين نوالا أو فاولين في «هل أنت شخص مهم»؟ وفي الأساس فإن هذا العمل الحافل بالذكريات عن طفولة المؤلفة في ايرلندا وعن حالة الفقر والمعاناة المادية والنفسية للكثيرين من أبناء شعبها يجسد قدرة مؤلفته على الامساك بجوهر الحياة في المجتمع الايرلندي وتحركات الناس فيه. ويشتمل هذا الكتاب على سبع مقالات نجحت أوبريان في تحويلها الى سيرة ذاتية. من أعمال أوبريان الاخرى التي أشاد بها النقاد رواية «في الأسفل قرب النهر» وهي رواية اجتماعية أخلاقية تعالج وضع المرأة داخل الأسرة والعلاقات الأسرية من خلال مأساة فتاة تتعرض للاغتصاب من قبل أحد أفراد أسرتها وتعيش حالة تهميش قاسية في المجتمع الايرلندي الكاثوليكي