بيان الكتب: تؤكد الشاعرة لينا الطيبي في مجموعتها الجديدة «أهز الحياة» انها تمتلك ذاكرة مستفيضة تضوع بياسمين الشام وشفافية بردى وطعوم فاكهة الغوطة فيأسرك كل ذلك، وانت الذاهب في زمن الحداثة وكرنفالاتها الصاخبة، الغارق في لجة الاستهلاك الفتاكة، والمطالب على الدوام ان تلهث وراء احلام زينتها لك اساليب الدعاية والاعلان المعاصرة، فتتساءل مراراً وانت تقرأ هذه الاشعار الموغلة في شاعريتها، عن جدوى كل هذا الجنون الذي عصف بنا باسم الحداثة وسلعها البلاستيكية التي وضبتنا في ما يشبه الزنازين الصغيرة ليعيش كل منا غربته منفرداً حتى الادمان، واذا ما اتيح له قليل من الاوكسجين لتجديد هواء الزنزانة فإن الحنين الى تلك الايام سيعصف به، سيهزه من اعماقه، فما يني يفكر في الفردوس الذي اضاعه والخطيئة التي ارتكبها بحق نفسه وبحق احبائه وبحق ثقافته التي امست تنزوي في حيز ما خجلا من الظهور للعلن! لينا الطيبي ستشق عصا الطاعة على زمن الحداثة هذا، بل على ازمنة بعينها وستسعى الى طعنها بالصميم عبر ما ستبدعه من نصوص ودروب جديدة سعيا الى ذلك الفردوس المفتقد، الى حاضنة ملأتها ذات يوم بالدفء والغبطة والسرور، ومن هنا من كل توقها الى استعادة ما يمكن استعادته سنبدأ: نعناع الاهل «من بعيد، نهتدي بالاهل نشم روائحهم كأنا من غرفنا من ثواب غير اصواتهم في حناجرنا» بهذا الاستهلال الموغل في الشفافية تبدأ الشاعرة نصها المعنون بـ «نعناع الاهل».. النعناع ذلك النبات السحري والذي دون غيره من النباتات تجتمع فيه خواص عديدة: الرائحة الجميلة والطعم الخاص والقيمة العلاجية، وبالاضافة الى ذلك فإن له خصائصه وطقوسه الشامية التي نحن الى شايها ابدا برفقة الاهل او الاحبة في البيوت والمقاهي ومن هنا سيكون التخصيص. في العنوان بمثابة تعميم، والاهل قد يكونون الاسرة الصغيرة، وقد يكونون الاسرة الكبيرة، أو الجغرافيا بذاتها، والنعناع بذلك سيكون باعثا للحنين الى «فردوس» افتقدته الشاعرة ذات يوم، فنأت المسافات بينها وبينه، فراحت من بعيدها تسعى لاستعادته، ولكن دون ان تتساءل لحظة واحدة ان كان هذا الفردوس قد بقي على حاله، ولم تنتهكه عوارض التقدم والتطور، أو لم يصب بأزمات المدينة العربية وتعقيداتها. سيبدو لنا هنا ان الشاعرة غير معنية بالواقع ومتغيراته، وذلك لان «فردوسها» حالة خاصة تكمن في اللاشعور ما تلبث ان تبرز كلما تزايد الحنين على شكل «روائح وملاعب وبشر مفعمين بالطيبة» على العكس تماماً مع ما يجري في الواقع من علاقات شائهة بين بشر مملوئين بالخطيئة، وبالتالي فإن الحنين الى اهل ذلك الفردوس الذين باتوا بعيدين، وربما في الاعالي حيث المكان الطبيعي للفراديس، والذي يقتضي الوصول اليها صعوداً او انتقالاً، بحسب الميثولوجيا الشائعة من المستوى الارضي الدنس، الى المستوى الطهراني: فنرتفع اليهم وننحفر على امتداد حبالهم، هكذا نتعرف الى تاريخ بصمتنا..». وتلك هي حال الشعر في سعيه الى تكرار حالة الطرد من الجنة، والسعي من جديد للعودة اليها خلاصاً من الألم الذي سببته حال الافتراق والى ذلك فإننا في كثير من النصوص سنقع على مثل هذه الرغبة من الشاعرة في الصعود الى الاعالي: عاليا عاليا اريد ان اموت برفة وحيدة وعلى جناح مائل في سماء عطوف تمد لي بين الغيمة والغيمة سريراً وتوسدني في ارتجافتي الاخيرة جناح غبطتها.. ومما يلفت في اشعار المجموعة انها لن تسعى الى اتهام احد بالتسبب في معاناتها، ولن تكبل التهم للذكورة على النحو الذي نشهده في الادب النسوي عادة، وذلك لانها غير معنية إلا بإطلاق رغباتها واشواقها عبر الصور والرموز التي تقطفها من حديقتها الفردوسية، كي تغزل اثوابها الوجدانية منها، فتتحول الى اثير وتطير بلا جناحين هناك في السماء مثل قوس قزح وحيداً، لليلة واحدة اضيء ومن ثم يحرقني المغيب. والمواظبة على قراءة المجموعة ستكشف لنا الايقاع الخفي لذلك الألم الذي استوطن النفس، فبان على الجباه، ولم يعد بمقدور الشاعرة احتماله، فهو ليس ألما عارضا يمكن للمرء تحمله لايام معدودة وانما هو الم دائم طالما ظلت حالة الانفصال قائمة بين الشاعرة واهلها أو بين الشاعرة وفردوسها.. ألم يمزق النفس، ولكنه على حد تعبير هيدجر لا يحيل ما يمزقه الى اشلاء مبعثرة انه يميز، ولكنه اذا يفعل ذلك يجذب في الوقت نفسه كل شيء في اتجاهه، ويجمع كل شيء فيه! «الألم في ما يتبدى من الالم في الصور وفي خطوة تشكل موطنها كان لابد من سيف عاجل، ومن ممر طويل، ومن سخرة سوداء تجرح ماضيها، كان لابد من احزان تمس الشواطيء وتلازمها، ولابد من رمل ينزاح كلما اكتمل..» اطياف ايلول في هذا النص الطويل المؤثر تستعيد الشاعرة اسطورة الغروب، فتستلهم حكايتها من الطبيعة التي عبر تعاقبها في فصول، تتشابه وحياة الانسان بدءاً من طفولته وحتى موته مروراً بالشباب والشيخوخة وبحسب «نورثروب فراي» انه اذا كان طور الفجر يتمثل في الربيع والميلاد واساطير مولد البطل والازهار والبعث وانهزام قوى الظلام، فإنه في طور الغروب يعني الخريف والالم المحتضر وانعزال البطل، والشعر في تعبيره عن كلتا الحالتين، فإنما يخضع بالضرورة للحالة النفسية المتوازية مع حالة الطبيعة، ومن هنا فإن النموذج النمطي لقصيدة الفجر او الربيع سيكون فرحا وحماسيا وعاطفيا، بينما سينقلب مأساويا في طور الغروب، الى ذلك فإننا سنشعر بذلك التوتر والقلق اللذين يغشيان النص ويغلفان بالحزن صوره ورموزه فالخريف الذي يتساقط في ايلول، يأتي في موعده المحدد، وكأنه حالة قدرية لا فكاك للانسان منها، وبالتالي ليس لديه القدرة على تغييرها، انها لحظة الاحتضار التي تنتاب الطبيعة، فكما تغيب الزرقة عن السماء وتختفي الشمس بين طيات الغيوم وكما تنتاب الاشجار وسائر النبات عوارض الاحتضار والاستسلام لموت مقبل فإن الشاعرة سوف تعبر عن كل ذلك من خلال التعبير الرمزي المكثف عن حالة الاحتضار التي تعيشها بطلتها وكأن الطبيعة والبطلة هنا ذات واحدة، ذات قلقة وحائرة، والى ذلك قانعة بأن تلك هي سيرورة الحياة «اسلمت لهن جميعا اقداري، ورحت اصلي خفية» والضمير هن يعود الى اربع نساء ذكرن في النص: «سالومي، بينيلوب، تسبين، وهيرا» ولاشك ان لكل واحدة منهن حكاياتها الخاصة، والاحالة هنا اليهن كانت موفقة برأينا لان الشاعرة دفعت بهن لمشاركتها احداث حكايتها، للربط بين حالتها والعبرة المستفادة من حضورهن الرمزي المكثف، هذا على الرغم انه كان بإمكانها ان تنشغل بتفعيل الحدث سردياً على طريقة بناء الملحمة الهوميرية، وليس الانشغال باقامة جملة من الانشاءات الاستفهامية الضعيفة الاغراض، وذلك لان بنية النص كانت تحتمل البناء الملحمي، وتفترق الى حد ما عن بنية القصيدة الغنائية: «من رسمه هذا الايلول؟ من ذا الذي قسم لي ارثا فيه؟ من ذا الذي خطف ضحكتي واشعلني كنار قديمة تداعت بالمرايا وانطفأت بالرماد؟ اتعرفينها تلك الحائكة العمياء؟ هل كانت هي نفسها بينيلوب.. حاكت لك شالاً طويلاً وزينتك لليلة العرس؟ هل كنت انت تعرفينها وهي تغرز ابرتها في دمك وتسهر طويلا؟ هل كنت تعرفينها لما امتدت يد «تسبين» بمنديل بيرام؟ أهز الحياة افكار كثيرة تحملها نصوص «أهز الحياة» وتمتاز في عمومها بشفافيتها المعبرة عن نفسية الشاعرة الذاهبة في الرقة، بل الساعية الى التماهي مع الطبيعة في اوج لحظات عطائها وبعاطفة امومية لا يمكن وصفها بالطارئة، وانما كشجرة الحياة، كالنخلة التي تعطي ثمارها في وقت انكسار الاشجار الاخرى امام الخريف، انها الانوثة فياضة بالماء والظل والثمر المتفهمة لحالات انكسار الذكورة في هذا الزمان الصعب، ولذلك فإنها بكل وداعتها ولطافتها تتفهم أو تتألم، وعندما تتأزم فالرغبة بالخلاص والصعود الى الاعالي ستغويها، ولكن بينيلوب الحاضرة، كرمز للوفاء والصبر، في ذاكرتها القصية، ستعيدها الى سيرة الحب: «كأنها واحدة وانت الكثير ندى يرعش في طلاوته واذ تناديك تبسم ظلالها صوتك يرسم ابتسامتها». لينا الطيبي تغزل شعرها بدقة الصانع ومهارة الفنان، وان اصاب نسيجه بعض الهشاشة او التكرار في بعض المواضع، فإن ذلك يعود بالتأكيد لانشغالها بالحكاية اكثر من انشغالها باللغة التي من المفترض ان يكون حضورها مشعاً كحضور افكارها وصورها ورموزها. عزت عمر ـ في هذا الصدد انظر الصفحة 18 من كتاب «انشودة المنادي» قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، لمارتن هيدغر، ترجمة بسام حجار، منشورات المركز الثقافي العربي بيروت