بيان الكتب: «صديقة حميمة هذه الـ (أميركا).. لكن ليتها تقلع عن ادمانها على قتل الشعوب وتستقيل من نادي مصاصي الدماء، وتعلن للمرة الأولى والأخيرة انها اقتنعت بما سفكت وفتكت». هذه الرسالة ـ التمني ـ اختصرها ميشال بوغنون موردان في كتابه «امريكا التوتاليتارية، الولايات المتحدة والعالم: الى أين؟» وقدم له بيار سالينجر، وعرّبه الاستاذ الجامعي اللبناني الدكتور خليل أحمد خليل، وقد صدر مؤخرا عن دار الساقي في 288 صفحة من القطع المتوسط. مشكلة تلك الحميمية ان الصديقة الصدوقة! تعلن ما لا تخبئه وتضمر ازدواجية يسقط فيها الخير لصالح الشر بالضربة الساطعة: لكن كيف وصلت الى ذلك هذه الأمة الصديقة رمز الحرية الحليفة الوفية! في أيام الشدة فتزعم انها تصلح للكرة الأرضية كلها، لكنها تفرض وتأمر وتقرر وتستملك من دون اعتبار لأشخاص وبلدان أو لقوة قيمة مهددة هذا بالهجمات وذاك بالخنق عن طريق الحصار وذلك بحرب اقتصادية كاسحة؟ الجواب بسيط من حيث ادراكه للمسار التاريخي وأكثر من معقد من الناحية الايديولوجية للشعب الاميركي والتي لم تتغير قيد أنملة منذ 1607، تاريخ تأسيس مستوطنة «فيرجينيا». ليس في ذلك التاريخ سوى مسيرة مصممة على الاستيلاء «الكلي» على المشهد الدولي تارة بالحيلة، وطوراً بالقوة أو باختراق الأفكار والمفاهيم والمسالك. لا شيء أكثر اثارة من مثل أطروحة كهذه، المعروضة بصرامة وانفعال والتي تقلب المحرمات (التابو) والأفكار الزائفة (حسب قول الناقد السياسي في الدورية الفرنسية الدولية لوموند دبلوماتيك). وفي تقديره ان الوقائع التي يقدمها الكتاب عن توتاليتارية الولايات المتحدة وما يسرده من أحداث تصدم لهولها الاميركيين أنفسهم. إنهم لا يستذكرونها دائماً بسرور (يقول سالينجر)، وان كانوا لا يفسرونها بالطريقة نفسها التي اتبعها الكاتب: «فالشعوب الكبرى لا تحب ان تعطى لها الدروس...»، ببساطة، يتخيل الاميركيون ان العناصر التي تكون هويتهم القومية موجودة لدى الآخرين أو ان لم تكن موجودة فإنهم يتخيلون ان الآخرين يتوقون الى استيرادها». وهم يدركون أكثر من ذلك: «الأمة الاميركية مستوردة أساسا، وترافقت ولادتها وتطورها ضمن مرادفات تبريرية وتوسعية للأوروبيين عادت وتشابهت سياسياً مع اخرى استخدمها اليهود ليزرعوا كيانهم العنصري المغتصب في فلسطين. لا تختلف أحلام الاوروبيين وآمالهم في الأرض الموعودة والواعدة والمعطاءة (أميركا) عن تلك الرائجة لدى اليهود في أرض الميعاد (فلسطين). لذا لا غرو ان تتكرر مرادفات كتلك بعد قرون مثل: «المستعمرون، الغزاة، المستوطنون الجدد، الاستيطان والتوسع، أرض الفردوس، التوحش العنصري، العرقية، التوتاليتارية، ابادة الشعوب المقيمين أو أصحاب الأرض المستهدفة بالغزو، وهم كانوا الهنود الحمر بالنسبة للمستعمرين الاوروبيين في أميركا وسموهم بـ «الابالسة»، نهب الاقتصاد والثروات (توضحه أكثر أفكار آدم سميث وعقيدة مونرو.. الى ما هنالك من مرادفات ومقولات سياسية وفكرية متشابهة. الاستيطان والتوسع كان التعطش المادي ـ المالي ـ الاستغلالي والربحي السبب الأوحد تقريباً لاندفاع الاوروبيين نحو الأرض الأميركية الموعودة بحثاً عن ملاذ مثالي، واماكن رسملة ذات ربحية، خاصة بعد المنافسة التجارية بين الانجليز والاسبان على أسواق جديدة لتصريف النسيج. يومها ظنّ الاوروبيون، خاصة الانجليز منهم، ان انشاء مستوطنات متزايدة في العالم الجديد (أميركا) كان يمكنه تقديم حلول أو مخارج للمصاعب الاقتصادية. لم يتوان «الكواكرز» أو الرواد الاستيطانيون للأرض الجديدة عن جعل ايديولوجيتهم الاستعمارية في بناء مستوطنات شبيهة ببنسلفانيا أو جورجيا، أو فرجينيا على نحو ثقافة قطع واستئناف في آن واحد، تستضيف في صفوفها الطهرانية الاستغلالية، فإذا كانت المساواتية ظاهرة في تجردهم اللفظي، وفي علاقاتهم مع بعضهم البعض، فإن ذلك لم ينقذهم أو لم ينقذ تواضعهم المصطنع من التشدد النظري اللصيق بهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ساهمت مستوطنة فرجينيا في تكوين العقلية الاميركية مساهمة كبيرة، مستوطنة ارستقراطية وأرض صفوة للانجليز الأثرياء الباحثين عن مكان يواصلون فيه حياة طفيليي الأراضي، الذين جعل تطور مجتمعهم الانجليزي الاصلي ومستقبلهم مجهولاً. شكل هؤلاء مجتمعا مغلقاً قائماً على المال وحب الكدح وروح المقاومة والاحساس الذرائعي (البراجماتي) والشعور بالمسئولية. وبمرور السنوات وعلى خلفية ثقافة الاستيطان بدأت أمة المستوطنات الاوروبية المجمعة الأمة الاميركية خطط التوسع. المستوطنة مثل صالة مفتوحة لاستقبال الزائرين كلما تكاثروا صار البحث فيه عن فروع أخرى لها، أو توسيعها على الأقل. وترجمت تلك الخطط بحرب المكسيك في منتصف القرن التاسع عشر، ثم ضم أقاليم عدة (كوبا، بورتوريكو، الفلبين) منذ 1890، مروراً بالسياسة الحمقاء، كما يقول سالينجر تجاه أميركا اللاتينية والتدخلات المكشوفة أو الخفية على مدى القرن الماضي، وصولاً الى ما نشهده مع بدايات القرن الحادي والعشرين. يتوقف صاحب المقدمة عن الابرز في ذلك، فمنذ بضع سنين ارتكبت الولايات المتحدة أخطاء بليغة، أولاً «قانون هلمز ـ بورتون» الذي يعزز الحصار ضد كوبا: «وفق ذلك، يطال في كل الأرض، حلفاءنا الذين يتاجرون مع هذه الجزيرة، بدءا من كندا. وثانيهما قانون معاقبة ايران وليبيا، وكذلك الأمم التي تتعاطى تجارياً معهما. أما الخصومة الاميركية لشركة «توتال» التي أبرمت عقداً مع طهران فمن الممكن ان تخف وطأتها». كذلك يؤكد موردان على انه: «من الصواب القول ان الغزو الاميركي لبنما عام 1989 كان عملاً لا شرعياً على الاطلاق، ذلك ان ادارة بوش كانت تطارد شخصاً واحداً (نورييجا) وتتهمه بالتورط في تجارة المخدرات فأنهت العملية بمقتل ثلاثة آلاف بنمي. طبعت الايديولوجية الاستيطانية التاريخ الاميركي حتى الآن بسمة التوسع والعدوان. بهذه السمة وبين الثورة الاميركية وحرب الانفصال انكبت الولايات المتحدة على تكوين مجالها القومي الدقيق وتعزيزه. ولأنها تعتقد انها أمة معززة بايديولوجيتها فلن يزعزعها شيء قط، وهي مستعدة للنظر الى ما وراء أفقها المباشر. لذا يرى بنيامين فرانكلين انها ستكون «مولّدة لمجتمع عالمي، فالمؤسسات والعادات والمباديء الاميركية مخصصة وجاهزة للتطبيق في كل مكان». الامة المستوردة (بفتح الراء) صارت قادرة على التصدي. ومع هذه الوظيفة النموذجية الفريدة (دائما حسب موردان في كتابه) تلازمت ضرورة التوسع الارضي. لا تتصور امريكا نفسها من خلال القانون الدولي، فلديها انه ليس للارض القومية حدود غامضة، متحركة، قابلة للتوسع في استمرار بغية محو البنى السياسية والاجتماعية والثقافية لكل كيان غير أميركي. ومر توسعها الاراضي عبر دوائره ومراحل عدة: 1 ـ غزو الدائرة الاولى: جرى تطويب ذلك في عقيدة مونرو عندما أقدمت الولايات المتحدة على شطب حدود جيرانها (المكسيك أولا) للتوسع في اتجاه فلوريدا، ومن ثم باقي الاراضي مثل تكساس التي كانت ولاية تابعة للمكسيك فاستوطنها الاستعماريون الجدد حتى ضمها عام 1845 من الرئيس جيمس بولك. ـ سنة 1803، تعاظمت الامة حين ابتاعت لويزيانا من نابليون. وفي العام 1823 قدم الرئيس مونرو العقيدة التي تحمل اسمه «وتقدم القارة الجديدة بوصفها كلا، تحميه الولايات المتحدة بامتياز». صفق رجال الاعمال الامريكيين طويلا لهذه المقولة، «فالتجارة ناشطة مع امريكا اللاتينية ومربحة، والرساميل أخذت تتوظف فيها». 2 ـ امتلاك الدائرة الثانية: بدأ غزو الولايات المتحدة لأمريكا اللاتينية في منعطف القرن الثامن عشر، ضمن مشروع ميراندا لتحريرها والذي وضع عام 1783. وتوالت الاحداث والتطورات: سنة 1806 جرت الانتفاضة الاولى في فنزويلا. بين 1803 و1823 لم تصمد الوحدة المصطنعة في القارة الاميركية اللاتينية امام تطور العقليات. في 7/7/1898 اعترفت واشنطن بجمهورية هاواي المنتصرة على اسبانيا. واعلن الامريكيون بالاتفاق مع الحكومة المحلية ضما مبرمجا على مدى طويل. وثمة محطات تاريخية ـ جغرافية توسعية امريكية عدة توقف عندها موردان. وهنا يذكر سالينجر بان الامم الاوروبية بذلت قصارى جهودها من اجل تدخل الولايات المتحدة في شئونها: «وكان ذلك من افدح اخطائها». كما تستوقف الناقد السياسي وضاح يوسف الحلو في الكتاب اعتباره ان الامة الامريكية الجديدة جاءت كوارثة للحضارة الاوروبية في شقها السياسي فقط من دون الفكري، وهو السبب الذي جعلها أمة ذات خطاب مزدوج، فهي لم تعرف الحضارة الاوروبية في شموخها الثقافي، خاصة عندما أعلنوا براءتهم من كل تاريخ سابق، ومن كل تعاقب زمني، ليقيم المستوطنون الاوروبيون، المواطنون الامريكيون ركائزهم على الاستعباد والعنصرية. الارض المقترحة ارضا للحرية والتسامح هي ايضا ارض الاستعباد والاقتصادي والاثني. كما طلعت اوروبا الحديثة من رماد سقوط روما هكذا طلعت الامة الامريكية من وراء انجلترا بسمعة توحشية، عرقية توتاليتارية بدأت مع الحقبة الاسطورية الاولى، حين رأى المستوطنون في الهنود الحمر ابالسة: «قدموا الى هناك لكي يمنعوا الاناجيل من تدمير سلطانها المطلق عليهم». ثم جرى «تسليع» كل شيء في الولايات المتحدة كاقرار علني لتطوير المبادئ الموروثة عن ليبرالية اقتصادية انجليزية. انه امر يشبه الداروينية الاجتماعية ـ الاقتصادية. فكما في الطبيعة البقاء للاصلح، هنا في الاجتماع البقاء للاصلح ايضا. مع حلول منتصف القرن التاسع عشر كانت القومية الامريكية قد بلغت اوجها أو ذروتها، الامر الذي حدا بوالت ويثمان الى تبني خطاب قومي متطرف ومواكب لصعود الامبريالية الامريكية التي حملت في نفسها بذور توتاليتارية لانها من اصل شمولي. وحين اندفعت اوروبا عبر توتراتها الى حربها العالمية الاولى لم تشأ الولايات المتحدة الانتحار معها فوقفت من عليائها الحضارية تتفرج وتتاجر، الا ان موقفها الممانع هذا لم يطل كثيرا لان المماحكة العسكرية الالمانية في البحار اكرهتها على دخول الحرب، من يومها، حلم الامريكيون بالعولمة، أو تحديدا بـ «الامركة». فمن خلال المذابح رأوا مستقبل بلادهم، والصهاينة الجدد في فلسطين يستلهمون كل ارث «الكواكرز» الصهيوني الاوروبي مع بدء استيطانه للارض الامريكية الموعودة، والموقف الامريكي من الطفل الفلسطيني العاري شبيه بموقفهم من الطفل الهندي الذي قتلوه يوما لكونه مكروها إلهيا. كل طهرانية القوانين الإلهية لا تفشل جرائم المستوطنين الاوروبيين الصهاينة الذين تحولوا الى اميركيين يكرهون العالم كله من اجل «اميركا المختارة». كل السياسيين الاميركيين، ماضيا وراهنا، مكائديون، استعباديون لا يحبون احدا، ان لهجة أي زعيم اميركي معاصر تشبه لهجة مونرو أو روزفلت. يعارض الاميركيون الآن رؤية أي مركزية امبريالية ظاهرة لهم، لذا طرحوا مفهوم العولمة انطلاقا من ضخامة شركاتهم العابرة للقوميات التي طبعت العالم بطباعها. البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة تتحكم في مصائر العالم على مزاجها، احترقت الثنائية القطبية لترسو على انفجار الاستثمار. من هنا فإن الولايات المتحدة حالة اقتصادية نهمة لا تعرف الشبع. انها مشروع مذبحة بشرية منذ كيانها الاول على ايدي الكواكرز والاوروبيين. ليقرأه الأوروبيون أولاً باختصار، يبدو كتاب «اميركا التوتاليتارية» لموردان بانوراما اصيلة وصارمة، يمكن من خلالها مقاربة ادراك السلوك الاميركي الماضي والحاضر، وبالتأكيد المستقبلي، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وما شابه. وليد زهر الدين