بيان الكتب: يعتبر كتاب «تاريخ الفنون الاسلامية» للباحث محمود يوسف خضر من اهم الدراسات والابحاث المستفيضة والعميقة التي انجزت في مجال الفنون التطبيقية والزخرفية الرئيسية في العصر الاسلامي. يقع الكتاب في «230» صفحة من القطع الكبير ويحتوي على صور لـ 160 تحفة ولوحة، ويتناول الكتاب تاريخ الفنون الاسلامية الدقيقة منذ نشأة الاسلام الى نهاية العصر المملوكي، مع الاشارة الى عمليات التأثر والتأثير مع الحضارات الاخرى، وقد اشتملت الدراسة على اربعة فصول وكل فصل ارتبط بعصر بدأه بالاموي الذي امتد من661-750م، شارحاً فيه بتكثيف واضح وعميق الظروف التاريخية والسياسية التي مرت على الامويين منذ بداية عصرهم الى انتهائهم بضمور حركة الموالي التي ناهضتهم فتحالفت مع الشيعة وايدت العباسيين الذين سيطروا وبالتالي اسقطوا الدولة الاموية، وفي هذا الفصل اورد الباحث كل ماله علاقة نشاط اعمال البناء والعمارة في العصر الاموي بدءاً من النحت على الحجارة والحفر على الخشب والعظم وصناعة الخزف وصناعة الزجاج والبلور والتحف المعدنية والنسيج والبسط. ويتناول الباحث في الفصل الثاني العصر العباسي «750م1258-م» حيث تابع الخلفاء العباسيون مجمل النشاط العلمي والفكري والادبي والفني، الذي وضعت اصوله وبدت بوادره في العصر الاموي بالرعاية والتشجيع، واسهم العباسيون في تطعيم الحضارة الاسلامية، التي ازدهرت في عصرهم بالدراسات والآداب والعلوم والفنون التي ولدت في عصرهم، نتيجة لشتى نواحي التفاعل بين العالم الاسلامي والبيئات المختلفة التي اتصلوا بها عن طريق الحرب او التجارة. لقد عاشت الخلافة العباسية خمسة قرون زاهرة حتى قضى عليها المغول سنة 656ه، وكان اعظم فضل يعزى الى العباسيين هو حفظهم للتراث اليوناني بترجمته ودراسته ونشره، الى جانب بحوثهم وتجديداتهم في شتى العلوم والفنون والآداب، كما اهتم الخلفاء العباسيون خلال فترة حكمهم بالنحت على الحجر والحصى والحفر على الخشب والعظم والعاج، فضلاً عن صناعة التحف المعدنية والخزف حيث ظهرت في العصر العباسي حركة نشطة لصناعة الخزف في كل بلاد العالم الاسلامي، واشتهرت بصناعته بلاد كثيرة، كما ظهرت انواع والوان من الخزف في هذا العصر تعتبر من التحف الفاخرة. وافرد الباحث الفصل الثالث للعصر الفاطمي الذي امتد من 969م-1171م، حيث تناول في هذا الفصل ما ظهر في تلك الفترة من مبان ومنشآت شارحاً فيه كل ما يتعلق بأشكال وهندسة تلك الابنية ومنها صناعة الزجاج والبلور حيث يشير الى انها شهدت تطوراً ملموساً في هذا العصر، فقد حوت ثروة الخلفاء والامراء وسراة القوم الشيء الكثير منه، كما تطورت ايضاً صناعة النسيج في العصر الفاطمي عما كانت عليه في العصر الطولوني من ناحية الدقة وجمال الزخارف ورقتها. واخيراً تحدث بإيجاز عن سقوط الخلافة الفاطمية. اما الفصل الرابع من الدراسة فقد تناول فيه منشآت العصرين الايوبي والمملوكي وما ميز هذه المنشآت وفنهما ايضاً نحتاً وحفراً وصناعة، فأشار الى ان صناعة السيوف قد ازدهرت فيهما، كما اشار الى اضمحلال انتاج الخزف في نهاية العصر الفاطمي لضعف الخلافة وما تبع ذلك من حريق الفسطاط التي كانت مركزاً هاماً من مراكز صناعة الخزف، وتوقف انتاج الخزف ذي البريق المعدني الفاخر الذي فاق جماله والوانه سائر انواع الخزف وكذلك سائر الاواني الذهبية والفضية. يذكر دكتور ثروت عكاشة في تقديمه للكتاب بأن جهد الباحث لم يقتصر على الافادة مما جاء في المصادر والمراجع الزاخرة بالمعلومات في موضوع دراسته، بل تعدّى ذلك الى اثبات اضافات اصيلة غير مسبوقة، وبخاصة ملاحظاته الهامة على تأثير هجرة العمال والصناع والحرفيين من وسط آسيا غرباً الى ايران والعراق (شمال الجزيرة) وسوريا ومصر في الشرق، ثم غرباً الى تونس والمغرب وايطاليا والاندلس، امام غارات المغول الثلاث في عهد جنكيز خان سنة 1220م، ثم في عهد هولاكو الذي استولى على عاصمة الخلافة الاسلامية العباسية بغداد سنة 1258م، ثم استولى على مدينتي الرقة والرصافة في السنة التالية 1259، ثم غارة تيمور لنك الذي اطلق عليه مؤرخو العرب وصف الاعرج سنة 1400م، التي دمّر فيها مدينة دمشق تدميراً شبه كامل وهدّم مساجدها ومدارسها واستولى على نفائسها مثل المشكاوات الزجاجية المزخرفة بالميناء الملوّنة والتذهيب، وسجاجيدها ذات الشهرة الكبيرة ليس في امصار العالم الاسلامي فقط بل وصلت شهرتها وعرفت من سجلات قصور «دوقات» مدينة البندقية وغيرها من المدن الاوروبية عن طريق سُبُل التجارة. كذلك اشار الباحث الى الهجرة المعاكسة من الغرب الى الشرق عندما حل الضعف بالدول الاسلامية في المشرق والمغرب العربي، وعندما آلت دولة حكم المسلمين للأندلس في عهد بني الاحمر. ومثل هذه الاضافة الاخيرة، ولاسيما هجرة الصنّاع خلال العصر الايوبي (من سنة 1171 ـ 1250)، تنسب الى اجتهاد خالص للمؤلف وتعتبر ابتكاراً غير مسبوق في دراسات الفنون الاسلامية. كما نوه د. عكاشة بفضل المؤلف في استقصاء المعلومات التي اوردها بهذه الدراسة من المصادر الاصلية والمراجع المختصة في اللغة العربية واللغات الاجنبية، مشيراً الى ان مراجعه لم تقتصر على الكتالوجات والدورات الرسمية المتخصصة في الفنون التطبيقية والزخرفية التي اصدرتها الجامعات، والمتاحف في البلاد العربية، والاجنبية فحسب، بل تعدّى ذلك الى دراسة هذه المباحث في الدوريات والمجلات المختصة بالآثار والفنون في جميع البلاد، وبجميع اللغات العربية والاجنبية تلك الدوريات الرسمية للجامعات والمتاحف والمجلات الشهيرة ونصف السنوية والسنوية. ويؤكد الباحث في التمهيد التاريخي لكتاب، ان جميع الفنون الاسلامية اتسمت بوحدة الاسلوب والتقاليد، وبوضوح شخصيتها وعبيرها الشرقي ورونقها وجاذبيتها، رغم تعدد المدارس الفنية واختلاف الاشكال. فلم يكن مستغرباً آنذاك ان ترى اسلوباً جديداً في احد الفنون، منبته في مصر مثلاً، قد جرى اتباعه في الآن نفسه في الاندلس او في ايران، ويرجع ذلك الى خضوع العالم الاسلامي لحكومة واحدة يرأسها الخليفة، والى وحدة العقيدة وتقارب التقاليد وحرّية الانتقال والاقامة بين بلاد العالم الاسلامي، وما يصحب ذلك من سهولة انتقال الثقافات وتقاربها. كما ويوضح الباحث بأن الفن القبطي والفن الساساني يختلف عن الفن الاسلامي في نوعيته، ففي الاولين يوجد فن ديني من شأنه تزيين الكنائس وتصوير القديسين والبطاركة وسائر احتياجات الكنائس، وهو فن يقوم على ابراز العقيدة المسيحية وتقديمها للمسيحيين، وفن دنيوي من شأنه خدمة الاحتياجات الدنيوية من زخارف وزينة، اما الفن الاسلامي فهو فن دنيوي عام، فالزخارف والحليات التي نراها في المساجد، والكتب الدينية، هي نفسها التي نراها على جدران القاعات والفسقيات والاسبلة، وعلى ذلك يمكن القول ان الفن الاسلامي لم يكن له اي اتجاه ديني او تاريخي، وان كان يعبّر احياناً عن مظاهر الحياة الاجتماعية السائدة. ويستعرض الباحث ايضاً في تمهيده التاريخي لنشأة الفنون الاسلامية البدايات الاولى للفن عند الانسان البدائي، ثم في الحضارات القديمة المصرية والسومرية مشيراً الى ان الحكام المسلمين بعد ظهور الاسلام وانتشاره اهتموا كثيراً في فنون البلاد التي فتحوها من خلال رؤية اسلامية صهرت تلك الفنون في الدول التي انضمت الى الاسلام حديثاً فنتجت عن ذلك اساليب فنية جديدة تختلف عن الفنون المحلية الاصلية لتلك البلدان. وتوضح الدراسة كذلك امراً في غاية الاهمية، وهو ان العرب لم يكونوا مجرد مقلدين للزخارف والفنون القبطية واليونانية والساسانية التي كانت سائدة، بل استفادوا من بعض هذه الاساليب الزخرفية وادخلوا عليها قدراً من التحوير يتناسب مع ذوقهم الخاص وبقدر اعجابهم بالفن والزخرفة المستعارة. عبدالرزاق المعاني