بيان الكتب:الى الآن وكلمة المخابرات إذا قيلت في أي وسط كان سواء في مصر أو في أي قطر عربي تثير الرعب حتى أن المثقفين يتزعمون ـ أحيانا ـ حملات لتشويه هذا الجهاز على الرغم من أن المنطق يقتضي ضرورة وجوده في أي دولة صغيرة كانت أو كبيرة لتحقيق أمن الدولة، الداخلي والخارجي. محمد عبدالفتاح أبو الفضل في الطبعة الجديدة من كتابه «كنت نائبا لرئيس المخابرات» والصادر مؤخراً بطبعة جديدة عن دار الشروق بالقاهرة يحاول أن يوضح تجربة مصر في حقل المخابرات وأعمالها بل وريادتها لهذا المجال في المنطقة العربية بعد أن كان مقصورا على الدول العظمى الغربية فقط مشددا على أهمية وخطورة هذا الجهاز بغض النظر عما شابه في بعض الأوقات من سلبيات. بدأ المؤلف العمل السياسي في مرحلة مبكرة من حياته عندما اشترك مع طلبة المدرسة الخديوية الثانوية وطلبة المدارس الأخرى والجامعات وجموع غفيرة من الشعب في المظاهرات التي طالبت باعادة دستور 1923 وبعد التحاقه بالكلية الحربية وتخرجه فيها عام 1942 عين ملازما ثانيا بالكتيبة الرابعة مشاة بالقنال وذلك بعد أحداث 4 فبراير 1942. وتتوالى الأحداث السياسية الساخنة بمصر في تلك الفترة. وبدأ المؤلف عمله في جهاز المخابرات بعد ثلاثة أيام فقط من نجاح الثورة تحديدا في 26 يوليو 1952 حيث عمل في فرع الأمن الداخلي - قسم مكافحة الشيوعية - ولعل اختيار عبدالفتاح أبوالفضل للعمل في جهاز المخابرات يرجع الى علاقته السابقة بالتنظيمات الوطنية في الجيش قبل قيام الثورة وهو ما يشير اليه ضمن معلومات أخرى هامة عن الجيش المصري في فترة ما قبل 23 يوليو إذ شكل المؤلف مع آخرين ـ من بينهم عبدالرحمن فهمي، رشاد مهنا، ابراهيم بغدادي، حسن التهامي، تنظيما سريا كرد فعل لممارسات الانجليز وفساد القصر وتعاون الملك مع السفارة البريطانية. حسب ما يورده المؤلف في مذكراته فالمخابرات المصرية كان لها الدور الرئيسي في الضغط على القوات الانجليزية وارغام البريطانيين على الدخول في مفاوضات الجلاء حيث بدأ عمل المخابرات ضد الانجليز بتجنيد الفدائيين الذين عملوا بعد معاهدة 1936 في المنطقة والاستفادة من خبرات وعناصر الاخوان المسلمين كما تم الاتصال بعناصر من الفسطينيين والأجانب العاملين داخل معسكرات الانجليز والأهم تنظيم عدد من اللصوص الذين يقومون بسرقة مخازن الانجليز والدور الذي لعبه صبري السروجي زعيم العصابة التي تخصصت في نهب معسكرات الانجليز. عملت المخابرات في منطقة القنال وتضمن أيضا اعتقال جواسيس جيش الاحتلال الانجليزي وتقديمهم للمحاكمة مثل «كينج صبري» الذي حكم عليه بالاعدام و«مكسيموس» الذي كان يعمل بادارة بحوث التطورات الحربية وقام بتسريب عدد من المستندات والوثائق المصورة لجيش الاحتلال وصدر عليه حكم الاعدام واستمرت عمليات المخابرات من اقتحام المعسكرات والاستيلاء على عتاد ومهمات الانجليز وخطف وقتل الجنود والحصار النفسي واقتحام نادي الضباط الانجليز، ومهاجمة مكتب المخابرات البريطاني في السويس والاستيلاء على محطة توليد كهرباء متنقلة والاستيلاء على قطارات كاملة وتجنيد المندوبين وعملية خطف العسكري البريطاني ريجدن حتى تم توقيع معاهدة الجلاء عام 1954. وربما كانت عمليات المقاومة أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أهم أنشطة المخابرات في تلك الفترة من عملها اذ يشير المؤلف الى عدد من العمليات التي قامت بها المخابرات لهزيمة الدول المعتدية بعد تأميم قناة السويس بدأت هذه العمليات بتنظيم مجموعة من ضباط الجيش والشرطة للتحضير والاشراف على أعمال المقاومة التي قام بها تحت اشراف الجهاز جماعات المقاومة الشعبية الذين عملوا من قبل ضد الجيش البريطاني قبل اتفاقية الجلاء لايقاف المعتدين حتى أسر المؤلف من قبل القوات البريطانية في 15 ديسمبر أثناء عودته لبورسعيد للاشراف على عمليات المقاومة اثناء انسحاب القوات. وبعد جلاء القوات البريطانية سافر أبوالفضل الى تركيا في مهمة جديدة في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للسياسة المصرية آنذاك لأنها إحدى دول حلف بغداد الذي يتبناه الغرب وأمريكا في الشرق الأوسط بغرض الانفراد به بعيدا عن سياسة التحرر التي كانت تحرض عليها مصر باقي الدول العربية وكانت مهمة المؤلف في تركيا تتطلب العمل داخل اسرائيل نفسها عن طريق العلاقات المفتوحة بين تركيا واسرائيل ومراقبة النشاط الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي الاسرائيلي في تركيا ومدى علاقة اسرائيل العسكرية بحلف بغداد وأيضا مراقبة نشاط حلف بغداد وبخاصة ما له من تأثير على سياسة مصر ومدى علاقة حلف بغداد بالسياسة العربية ونشاط وتفاصيل قواعد الحلف العسكرية وبالذات سكرتارية الحلف الدائمة في تركيا. وعن طريق الجمعيات المناهضة للصهيونية أمكن تجنيد عدد لا بأس به من الشباب التركي كانوا يقومون لحسابنا بالسفر الى اسرائيل ويحصلون لنا منها على المعلومات أو يجيبون لنا على الاحتياجات التي كانت تطلب منا من رئاسة المخابرات في مصر ويقومون بمأمورية سرية كذلك عن طريق البلاد التي لها تمثيل دبلوماسي في اسرائيل وتركيا تعاونت مع كثير من العناصر الدبلوماسية الأجنبية في مثل هذا العمل كما تم تجنيد بعض الصحفيين الأتراك والمصورين الصحفيين الذين يقومون بتصوير العروض العسكرية الاسرائيلية وحددت لنا ـ هذه الصور ـ جميع المواقع الدفاعية الاسرائيلية! وبعد تركيا قام المؤلف بمهام عمل أخرى في السودان بالاضافة الى بعض المهام الأخرى السريعة في عدد من دول أوروبا وأفريقيا من بينها سوريا وغرب افريقيا، مقر الأمم المتحدة بجينيف بعدها انتقل المؤلف من العمل السري الى الجماهيري باختياره عضوا بالأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي هذا الاختيار كان مفاجأة لعبدالفتاح لأنه يتناقض تماما مع طبيعة عمله السري وأيضا لعدم اقتناعه بأسلوب هذه التشكيلات منذ هيئة التحرير التي فقدت اجماع واقتناع الجماهير برغم أن الثورة أقامتها أساسا لتكون معبرة عن الجماهير. وأصبح عمل المؤلف هو توصيل رأي الجمهور للقيادة العليا فقام بزيارات متعددة لأغلب محافظات مصر وبرفقته نخبة من المتخصصين والصحفيين على أثر تلك الزيارات تم حل العديد من التشكيلات الجماهيرية. بقى أن نشير الى أن المؤلف أشار في مؤلفه الى أكثر الشخصيات التي عملت في السياسة المصرية غموضا وهو حسن التهامي.. ويقول عنه انه وصل الى أعلى المناصب في عهد السادات حتى أنه كان يملك صلاحيات تجاوز صلاحيات وزير الخارجية آنذاك بدأ التهامي من جهاز المخابرات حيث عين في نفس دفعة المؤلف ولم يكن له مكتب خاص أو عمل محدد سوى الاتصال بضباط المخابرات الأمريكية للاستفادة من خبراتهم كما يتذكر المؤلف وبشكل غامض استولى «التهامي» على الطابق الأول من برج القاهرة بعد بنائه وأحاطه بسور عال لمنع الاقتراب حتى أن جهاز المخابرات نفسه لم يكن على علم بما يقوم به داخل البرج بل أطلق ضباط الجهاز عليه برج الأسرار أما السبب في طرده بقوة مسلحة من مقره كان بسبب تسجيل التهامي لمكالمات عبدالناصر السرية! علامات التعجب السابقة وضعها المؤلف في تساؤله بعد كشف عملية تجسس التهامي على الرئيس.. لمصلحة وحساب من كانت تسجل مكالمات رئيس الجمهورية! لكن هذه الحادثة لم تعق التهامي من مواصلة رحلة صعوده المريبة بل كوفئ عليها بنقله للعمل في رئاسة الجمهورية! حتى وفاة عبدالناصر وبتولي السادات الحكم قربه منه لدرجة أنه كان يعامل معاملة نائب رئيس الجمهورية! ومن القصص التي يرويها المؤلف على لسان أحد المقربين جدا من السادات أن حسن التهامي دخل على السادات مرة وكان يرأس المؤتمر الاسلامي وأخرج له مسدسه الذي يتباهى دائما بحمله وهدد به أنور السادات فما كان من السادات ـ كما يروي المؤلف ـ إلا أن نظر اليه في هدوء واستهزأ وقال له: «اجر يا ولد العب اللعبة دي مع أحد غيري لأنه فاتك انني أتقن هذه اللعبة أكثر منك». هذه الواقعة وغيرها - مثل تسجيل مكالمات عبدالناصر - أحاطت التهامي بعلامات استفهام في علاقته برئاسة الجمهورية في عهدي عبدالناصر والسادات الذي اختاره كمندوب له للتقارب مع حكام اسرائيل بل أنه هو الذي قابل موشي ديان في قصر الملك الحسن للتمهيد لزيارة السادات للقدس لاعلان مبادرته واستمر التهامي في الرئاسة الى أن أحيل للمعاش! القاهرة ـ اسلام الشيخ