بيان 2: يحتار الناس عادة في نوع الهدية التي يقدمونها الى اقرب المقربين اليهم في المناسبات المختلفة، ولكن هذه الحيرة لا يكون لها وجود لو مر أحدهم على محل لبيع الزهور لأنه سيجد نفسه يدلف الى ذلك، المكان ليشتري باقة أو حتى وردة واحدة، والسبب في هذا التصرف العفوي يرجع الى ايماننا ويقيننا بأن أوراق زهرة واحدة تحمل من كلمات العشق والغرام ما لا يمكن ان يتصوره المرء، لذا فاننا وجدنا انفسنا في محلات الزهور وقد شخصت ابصارنا وارهق تفكيرنا في محاولة منا لوصف ما هية الزهرة وماهية العواطف التي من الممكن ان نكتب عنها، تلك العواطف التي تكاد أوراق الزهرة تنطق بها دون أن نتمكن من قولها أو كتابتها، وعلى ذلك فقد ارتأينا ضرورة التحدث مع بعض اصحاب المحلات ومنسقي الزهور ومع بعض افراد المجتمع من الجنسين نسألهم خلالها عن ذلك السحر الغامض في الوردة وعن رأيهم في مسألة التهادي بالزهور، لتكون المحصلة في النهاية تحقيقا يفوح منه أريج الزهر وعطر الندى. بداية التقينا عددا من اصحاب محلات الزهور وبعض المنسقين الذين اخذوا على عاتقهم مسئولية تنسيق الزهور للزبائن، حيث يقول أحمد نابلسي: أعمل في مجال الزهور منذ حوالي 15 سنة وهذا مجال فيه الكثير من التجديد والتحديث وقراءة افكار الزبائن، فبمجرد أن يدخل احد الاشخاص الى المحل اسأله عن المناسبة التي لأجلها يود تقديم الزهور ثم فكرته عن شكل الباقة ولونها، وبعد ذلك أجد نفسي في بعض الاحيان اتدخل في الاختيار عن طريق طرح شكل آخر والوان اخرى، لنتفق في النهاية على الشكل الختامي، والحقيقة أن هنالك الوانا غريبة بدأت تدخل في عالم الزهور وهي الوان غير طبيعية وانما صناعية تتم اضافتها لحظة زرع البذر كي يخرج الينا لون غير مألوف كالازرق أو الكحلي، وبالاضافة لغرابة الالوان فان هنالك طلبات غريبة نستقبلها ومن أمثال ذلك ان تقدم الي صاحب مصنع لانتاج الخضار والفواكه وطلب مني باقة ورد تكون عبارة عن سلة فواكه وخضار وبالفعل قمنا بصناعة الباقة مثلما طلب وأضفنا عددا من الفواكه والخضار كالخس وغيرها ووضعنا الباقة في قاعة الاستقبال نظرا لان صاحب الشركة كان قد دعا عددا من الوفود الاجنبية لزيارة مصنعه وهكذا لاحظنا ان الباقة باختلاف اشكالها تعتمد اعتمادا كبيرا على المناسبة كما ان الزهور ليست مجرد أداة للتعبير عن العواطف بل انها قد تستخدم في اغراض الدعاية ايضا. اقبال متزايد وكذلك يقول مهاب بيطار والذي يعمل في المحل ذاته منذ قرابة السنتين واقبال الناس على التهادي بالزهور في تزايد مستمر وهذا ما لاحظته من خلال طبيعة عملي، كما أن من الأمور الاخرى الملاحظة هو اقبال المرأة على اهداء الورود اكثر من الرجل وهذا بطبيعة الحال يعود الى طبيعتها الحساسة فهي حين تقدم وردة لزميلاتها أو زوجها فانها تفكر في القيمة المعنوية لها، بينما الرجل فان تفكيره المادي يدفعه الى شراء هدايا ثمينة كالذهب وغيرها، ومع ذلك فان الامر لا يخلو من الورد بأي حال من الاحوال، بمعنى ان الرجل حين يشتري طقما من الذهب او حتى خاتما صغيرا فانه يفضل في احيان كثيرة تغليفها بسلة صغيرة من الزهور، اما فيما يتعلق باختيار لون الباقة فان هذا يرجع للمناسبة أولا واخيرا، وللشخص الذي تهدى له، وفي حال اختيار الوان غير مألوفة فان ذلك يرجع في الغالب الى ان الطرف الذي سيتلقى الوردة يفضل هذا اللون عن غيره، وهذا ما دفع الى زرع ورود بألوان صناعية او تهجين الوان وكل ذلك يصب في النهاية في مصلحة الزبون الذي يرغب دوما في الجديد ويبحث عن كل ما هو ملفت للنظر وغريب. وعموما فان اختيار لون دون اخر او شكل دون اخر يرجع الى طبيعة المشاعر بين الهادي والمهدى اليه، فمتى كانت المشاعر متقدمة كانت الالوان صارخة ومتى ما كانت المشاعر دافئة كانت الالوان المستخدمة بنفس دفء المشاعر، والحقيقة ان تقديم وردة قد يعفي المرء من ألف كلمة قد تنطق بها الشفاه. مفارقات وغرائب وفي المقابل يرى خالد شعبان ـ منسق زهور ـ ان الناس حين يتهادون الزهور فان اول ما يخطر ببالهم هو قيمتها المعنوية والعاطفية بغض النظر عن سعرها المادي، فالزهرة بها العديد من المعاني السامية التي لو قارناها بقيمة الذهب لوجدنا الزهرة اغلى واقيم، وخاصة عند النساء، فالمرأة بانوثتها ومشاعرها الحانية تشعر بقيمة الوردة وتقدرها اكثر من الرجل، ولكن هذه النظرية لا تعني بالضرورة ان الرجل لا يحب الزهور بل انه يعتبرها من أرق الهدايا التي تقدم للمرأة، ومن خلال عملي الممتد لحوالي ثمانية اعوام فانني واجهت طلبات غريبة جدا لأناس يبتكرون فكرة معينة تنطبع في اذهانهم ويطلبون مني تجهيزها، وهذا ما نحاول قدر المستطاع القيام به ارضاء لزبون، ومن المفارقات الغريبة والطريفة التي تمر بنا اننا في بعض الاحيان نكون قد وضعنا تخطيطا مسبقا لشكل احدى الباقات، ولكن بمجرد البدء في انجاز الشكل المطلوب نجد افكارا اخرى تخطر ببالنا لتكون المحصلة النهائية شكلا مغايرا للمخطط الذي كنا قد وضعناه، والحقيقة ان التحكم في شكل الباقة يعتمد على عناصر متعددة منها نوعية الورود المستخدمة وكميتها وحجمها، لذا فمن غير المستغرب ان نستخدم انواعا عديدة في باقة واحدة لأن النتيجة النهائية هي المطلوبة والمهمة فطالما ان التنسيق الجيد متوفر فان الباقة لابد ان تكون رائعة. ألوان ودلالات وحسبما تقول جنيورا «منسقة زهور» فان اختيار الباقة يعتمد بشكل أساسي على ذوق الزبون والمناسبة والطرف المهدى اليه، فمتى ما عرفنا هذه الاشياء استطعنا مساعدة الزبون في اختيار ما هو مناسب، فباقة اعياد الميلاد تختلف عن باقة الافراح والمواليد الجدد، كما ان الاخيرة تختلف في شكلها ولونها اذا ما كان المولود صبيا او بنتا، فمن المعروف ان المولود الذكر باقته لا بد وان يكون بها اللون الازرق بعكس المولود البنت التي تتميز باقتها باللون الزهري، والحقيقة ان العمل في عالم الزهور يشعر المرء براحة نفسية، فهو في النهاية يتعامل مع شيء يحوي بين اوراقه عاطفة جياشة ومشاعر حانية، ولذا فان الزبون لابد وان يشعر بالراحة بمجرد دخوله لمحل الزهور، لدرجة اننا نلاحظ ان بعضهم يحتار في اختيار ما يرغب فيه وهنا يأتي دورنا في المساعدة بابداء رأينا الذي يتقبله الزبون في النهاية، لاننا نسعى الى التطوير والابتكار المستمر وارضاء كافة الاذواق والطلبات. ويشاركها الرأي «جون» الذي يعمل معها في نفس المحل حيث يقول ان هدفنا الأول هو ايصال مشاعر الزبون للطرف الذي يرغب في ارسال الورد له، وهكذا فاننا نحرص على سؤاله عن المناسبة وبمجرد ان نعرف ذلك نعرض عليه خياراتنا المتعددة وهو بالتالي ينتقي منها ما يتماشى مع ميوله ورغبته، مضيفا ان هنالك فئة غير قليلة ممن يأتون للمحل بغرض أخذ وردة واحدة فحسب ومع ذلك فانهم يحتارون في اختيار اللون المناسب، وبالحديث عن الألوان فاننا نستطيع القول ان اللون الاحمر هو تعبير عن الحب، والاصفر رمز للغيرة والابيض دليل نقاء وصفاء والوردي هو عنوان الرومانسية الهادئة، وهكذا نجد ان الورود على اختلاف اشكالها وألوانها فانها تخفي بين طيات اوراقها مزيجا من المشاعر التي قد يعجز اللسان عن البوح بها، لذا فاننا لا نستغرب ان تظل الوردة أروع هدية تقدم على الاطلاق نظرا لما تحويه من أريج عاطفي خاص. نقاء ورومانسية عقب الاستماع لآراء الذين عايشوا عالم الزهور لأزمنة متفاوتة، قمنا باجراء لقاءات متعددة مع افراد المجتمع لنقف على آرائهم، حيث التقينا أولا عائشة الهاشمي ـ موظفة ـ والتي ابدت لنا رأيها في مسألة التهادي بالورود فتقول: ان الوردة لها مفعول السحر في افئدة الناس، لذا فاننا كفتيات نتسابق الى التهادي بالزهور فيما بيننا في المناسبات المتعددة كأعياد الميلاد وغيرها، بل واننا في أحيان كثيرة نتهادى الزهور بدون مناسبة ولمجرد التأكيد على مشاعر الصداقة والاخوة التي تربطنا كصديقات او زميلات عمل، وعن نفسي فانني افضل الوردة الحمراء لأنني اعتبرها مزيجا لكافة المشاعر التي قد تختلج الفؤاد، وقد لاحظت في الفترة الاخيرة وجود ألوان مدمجة ببعضها البعض واخرى غريبة لم نعهدها من قبل كاللون الازرق الداكن مثلا، وفي تصوري ان ظهور ألوان صناعية غريبة يدل على ان عالم الزهور هو كغيره من العوالم التي بها الكثير من التجديد والابتكار، والحقيقة ان الحياة بروتينها اليومي الممل تشعر المرء بحاجته لشيء من الرومانسية ونقاء الروح وهذا ما يدفع بالبعض الى وضع باقات بسيطة من الزهور على مكاتبهم كي يعيدوا الروح والانتعاش الى أذهانهم. وردة لأمي وفي الاطار ذاته يتحدث سعود محمد ـ طالب ـ ليقول ان المرأة عادة تفضل الزهور اكثر من الرجل لذا فاننا نراها حين نتحدث عن الزهور فانها تستخدم الكثير من العبارات الانشائية، وهذه النظرية يعرفها الجميع، ولكن الذي يجهله البعض هو ان الرجل هو الآخر يشعر بقيمة الزهرة، فهو يرى فيها التعبير عن الحب او الصداقة أو الوفاء، لذا فانني احرص في اغلب المناسبات على أن اهدي والدتي وردة بسيطة في شكلها الخارجي، عميقة في فحواها العاطفي، فالام انسانة جليلة ضحت لأجل الابناء بالكثير ولا تزال، وفي تصوري ان لحظة صفاء مع أبنائها تنسيها التعب والألم، لذا فانني ولحرصي الشديد على ارضائها اقوم باعطائها وردة ما بين الفينة والاخرى، ولا تتصوروا كم ان ابتسامتها تكون نابعة من القلب بمجرد رؤيتها للوردة، فرؤية هذه الابتسامة تعني لي الكثير وكذلك فان وردة واحدة بدراهم قليلة تعني لها الشيء الكثير وعن اللون الذي يفضل تقديمه لوالدته يقول: اقوم باختيار الوان متعددة في كل مرة، ولكنني احرص على اللون الأحمر والوردي الفاتح، فهي تفضل هذين اللونين، واتمنى ان اتمكن من تقديم باقة كبيرة لها تشكل حروف اسمها في يوم من الايام، لأن كل حرف من اسمهما هو كنز ثمين لي، ولا أتصور ان هنالك اغلى من الأم كي نهديها وردة. .. واخرى لزوجتي اما عارف البلوشي فيقول لقد صادفت منذ فترة وجيزة يوم ميلاد زوجتي فاحترت في الهدية التي اقدمها لها هذا العام، لذا فبينما كنت اتجول في احد المراكز التجارية لفت انتباهي محل لبيع الزهور فتوجهت اليه وقلت في نفسي لن اجد هدية ارق من الزهور كي اقدمها لزوجتي، وبالفعل دخلت المحل وطلبت من صاحبه باقة جميلة مبتكرة، والحقيقة انني لم اتخيل ان الباقة ستكون بهذه الروعة والتناسيق، وقد كانت هدية رائعة اعجبت زوجتي كثيرا وسعدت بها وقد قالت لي ان هذه الباقة من الورود هي اغلى واثمن هدية تلقتها منذ زواجنا، وهكذا فقد عقدت العزم على ان تظل الورود رمزا للحب والعاطفة بيني وبين زوجتي التي تبذل كل ما تستطيعه في سبيل ارضائي وراحتي، والحقيقة انها لا تنتظر مني ردا على ما تبذله ولكن الرجل الذي يحب زوجته بصدق واخلاص عليه ان يسعى لكل ما تحبه زوجته، وان تقديم وردة واحدة حتى ولو في الشهر مرة سيزيد من تقدير الزوجين لبعضهما وسيعيشان معا حياة سعيدة ومليئة بالرومانسية والحياة الهانئة الدافئة، ولا اتصور ان مثل هذه الامور تقلل من هيبة الرجل او شخصيته امام زوجته بل على العكس فانه بهذه الطريقة يشعر زوجته بأن الرجل انسان مليء بالعاطفة الجياشة والاحساس الصادق فبدونها تحول الرجل الى جماد بلا شعور أو حس. رسالة حب وكذلك ترى علياء المزروعي ـ موظفة ـ ان الوردة عبارة عن رسالة حب عميقة المعاني رغم عدم وجود كلمات او احرف تقرأ بها، وقد صادف ان رأيت وردة على مكتبي في احدى المرات مقدمة من صديقة عزيزة ارتأت ان تجعل الأمر برمته مفاجأة، وقد كانت مفاجأة حقيقية وهدية ثمينة جدا من الصعب تقييمها، لذا فانني احتفظ لنفسي بكتيب خاص اضع فيه كل الورود التي اتلقاها واعمل على تجفيفها، والصاقها بالكتيب، مع تدوين اسم الشخص المرسل وتاريخ تلقي الوردة، لذا فانني في اوقات الفراغ اقوم بتصفح هذا الكتيب، ومع كل اسم وتاريخ ووردة اجدني استرجع الذكريات واعايش اللحظات الماضية وكأنها حاضرة امام عيني، وهكذا فقد عرف عني عشقي الشديد لمسألة التهادي بالورود فالوردة تغني عن الف كلمة قد تنطق بها الشفاه، انها رمز للأصالة والحب، بل وقد يستغرب البعض قولي انها ايضا تعبير عن القوة، قوة العاطفة وقوة العلاقة بين طرفين جمعتهما اوراق زهرة فشعرا بأريج فواح يملأ المكان الذي التقيا فيه، واننا اليوم في أمس الحاجة للتهادي بالورود كي تتعافى القلوب وتجتمع، ولا اعتقد ان هنالك اشخاصا واناسا مما ينكرون مفعول الزهرة السحري في اضفاء جو من المحبة على المكان الذي يجتمعون فيه، فكم من وردة كانت السبب في التصالح بين شخصين لم تنفع معهما الكلمات