عندما وصل زوجها الى المنزل حاملاً معه لعبة حاسوبية اخرى قبل عام ونصف العام لم يخطر ببال دنيس ديتوري ابداً ان تلك اللعبة ستحولها الى «لورلانا»، كاهنة «الارواح الخفية» ولم تكن ديتوري التي تعمل مديرة لاحدى المحطات الاذاعية ، في كاليفورنيا وهي أم لثلاثة أطفال، لم تكن يوماً من هواة الخيالات الفانتازية لكن شيئاً ما جعلها تقع في غرام هذه اللعبة التي تحمل اسم «ايفركويست» والتي كانت مختلفة بطريقة او بأخرى عن بقية الألعاب ذات الموضوعات الخيالية ولم يمض وقت طويل حتى اصبحت دنيس تعكف على هذه اللعبة 18 ساعة اسبوعياً والمفارقة الكبيرة هي انها اصبحت تمضي مع عائلتها وقتاً اطول من اي وقت مضى حيث تقول: «اطول حديث يدور بيننا على العشاء في البيت» هو حول ما فعلناه في «نوراث» الخيالي في ذلك اليوم. ومنطقة «نوراث» هي منتصف الارض في عالم «ايفركويست» واللاعبون من مختلف انحاء العالم، كل منكب على شاشة كمبيوتره، يتجمعون على الخارطة الرقمية ثلاثية الابعاد نفسها تربطهم ببعضهم شبكة الانترنت في آخر احصاء وصل عدد المستوطنين في ارض «ايفركويست» الى 433 ألفا و445 نسمة، ينضم اليهم نحو 12 ألف مهاجر جديد في كل شهر. وقد تحولت رسوم الاشتراك في هذه اللعبة الى منجم ذهب لصاحبتها شركة سوني، والاسبوع الماضي اتاح معرض اكسبو للتسلية الالكترونية في لوس انجلوس لنخبة منتقاة من الشخصيات البارزة فرصة القاء نظرة خاطفة على الجزء الثاني «ايفركويست 2» والذي يرجح ازدهاراً آخر في تعداد سكان نوراث لقد اصبحت هذه اللعبة موضع ادمان عالمي واسع النطاق حتى ان الاشخاص المنخرطين في هذا النشاط اصبحوا يسمونها على سبيل المزاح لعبة «الجنون الدائم». لكن هذه النكتة لم تعد مضحكة كثيراً ففي شهر نوفمبر الماضي اقدم شاب مكتئب في الحادي والعشرين من عمره على الانتحار حين أطلق النار على نفسه في شقته في مدينة هدسون بولاية مينسوتا، وكان ذلك الشاب الذي يدعى شاون وولي قد مارس لعبة «ايفركويست» طيلة عامين قبل موته وتعتزم والدته التي اكتشفت جثته عندما جاءت لاصطحابه لصلاة عيد الشكر رفع دعوى قضائية ضد شركة سوني ويقول محاميها ان اللعبة صممت لتكون «ادمانية قدر الامكان» وكان ينبغي ان تحمل علامة تحذير من هذا التأثير الجانبي القوي. من جانبها ترفض شركة سوني التعليق على القضية. وبالنسبة لمن لم يمارسوا هذه اللعبة، يصعب فهم دوافع هذا الكم الكبير من الناس لانفاق المال وهدر الوقت في مجرد لعبة حاسوبية خيالية، فالبرنامج الذي يمكنك من دخول اللعبة يكلف 40 دولاراً. وكذلك الامر بالنسبة للبرامج الاضافية الثلاثة التي تتيح لك بعد ذلك استكشاف القارات المختلفة في نوراث وفضلاً عن ذلك هناك رسم اشتراك شهري قدره 13 دولاراً لخدمة اللعب على الانترنت ومع ذلك فإن مئات الآلاف من الناس لا يترددون في دفع هذه المبالغ وهؤلاء ليسوا من الصبية المراهقين فحسب فمتوسط اعمار لاعبي «ايفركويست» 31 عاماً من بينهم المحامي وربة المنزل والطالب والخبير في وادي السليكون وما الى ذلك من شرائح المجتمع المختلفة. واذا سألتهم عما يفعلونه في نوراث يحدثونك عن قتل الوحوش وجمع قطع البلاتين (أعلى فئات العملة النقدية في نوراث) والانضمام الى لاعبين آخرين لتشكيل جماعة منظمة وهنا يكمن سر الجاذبية فادمان «ايفركويست» هو في جوهره مرض اجتماعي، ينطوي على قدر من المتعة ويقول ويل رايت، مبتكر لعبة «عائلة سيم» الحاسوبية الاكثر مبيعاً في العالم: «ان سر جاذبية ايفركويست يكمن فيما يضيفه إليها اللاعبون انفسهم» ويمارس رايت لعبة ايفركويست مع ابنته البالغة من العمر 15 عاماً، وينكب حالياً على تطوير لعبة مشابهة من النمط نفسه. وبالنسبة لمجتمع متفكك يمضي في المنزل الآن وقتاً اطول من اي وقت مضى، تقدم لعبة «ايفركويست» للأسر طريقة للبقاء سوياً من خلال القتال سوياً ولنأخذ عائلة ديتوريس كمثال حي على ذلك فدنيس (صاحبة شخصية لورلانا) وزوجها جاري (المحارب تيتانيوم) انضما ذات مرة في جماعة منظمة مع صديقيهما المقربين بيل وسيندي وهم يتحدثون الى الآن عن ذلك اليوم عندما سهر اربعتهم في مناوبات طوال الليل بانتظار مهاجمة احد الوحوش الشرسة وتمكنوا اخيراً من القضاء عليه في الساعة السادسة صباحاً. وفي وقت لاحق انضم هؤلاء الى مجموعة «الارواح الخفية» المؤلفة من خمسين عضواً وسرعان ما اصبحت المغامرات الافتراضية في عالم الفنتازيا اساساً لسهرات حقيقية في عالم الواقع ويقول جاري: «صدق او لا تصدق، فقد اصبحت لعبة ايفركويست محور حياتنا الاجتماعية البعض يقول انها مكلفة لكنها اشبه بناد اجتماعي، يدفع اعضاؤه 13 دولاراً كرسوم شهرية للاشتراك». احياناً قد تبدو «ايفركويست» مجرد حجرة دردشة فسيحة مع بعض الرسومات المثيرة لكن هناك شيئاً ما في هذه الحجرة يفتح قنوات الاتصال حتى بين الابوين وابنائهما ويقول جاري انه في الشهور الـ 18 الماضية، عرف عن ابنه ديريك الذي يشترك في حرب ايفركويست، اكثر مما عرفه عنه في 15 عاماً مضت ويشير منتج اللعبة رود هامبل ان الانخراط في ذلك العالم الافتراضي الذي يحفز العقل والحس الاجتماعي افضل من هدر الساعات امام شاشة التلفزيون في مشاهدة افلام الرسوم المتحركة. علي محمد