في الماضي كانت رسائل الكراهية تصلني بتواتر ثابت هزيل، قطرة فأخرى، لتنتقدني بشدة على التقارير الصحفية التي اعدها عن قتل الابرياء اللبنانيين في الغارات الجوية الاسرائيلية، او لاشارتي الى ان العرب ـ شأن الاسرائيليين ـ يريدون السلام في الشرق الاوسط. ثم بدأت الحال تتغير في أواخر التسعينيات. وخير نموذج لتلك الانتقادات التوبيخية الرسالة التي وصلتني بعد ان كتبت ما شاهدت بأم عيني عن المجزرة التي قتل فيها رماة المدفعية الاسرائيليون 106 لاجئين في قاعدة الأمم المتحدة ببلدة قانا اللبنانية. بدأت الرسالة كالآتي: «أنا لست معجبا بأعداء السامية ولا أحبهم. كان هتلر واحدا من اشهرهم في التاريخ الحديث» لكن هذه كانت معتدلة ولطيفة نسبيا بالمقارنة مع سيل رسائل التهديد الضارية والعبارات العنيفة الصريحة التي نتلقاها نحن الصحفيون في الوقت الحاضر. فشبكة الانترنت على ما يبدو حولت اولئك الذين لا يحبون سماع الحقيقة حول الشرق الاوسط الى جماعة منظمة من الحاقدين الذين تجمعهم كراهيتهم المشتركة، اذ يبعث هؤلاء برسائلهم الحقودة، ليس لي وحدي بل لأي مراسل صحفي يجرؤ على انتقاد اسرائيل ـ او السياسة الاميركية في الشرق الاوسط. في الماضي كان هناك دائما حدود لهذه الكراهية. فالرسائل كانت تحمل عنوان المرسل. واذا لم يكن الامر كذلك، كانت العناوين تكتب بخط سييء جدا بحيث تكون غير مقروءة. لكن الوضع تغير الآن. فأنا أكتب عن الشرق الاوسط منذ 26 عاما، ولم يسبق لي أبدا ان تلقيت هذا الكم الهائل من الرسائل الوضيعة وعبارات التهديد، العديد من الاشخاص يطالبون الآن بموتي. وهذا بالضبط ما عبر عنه ممثل هوليوود جون مالكوفتش الاسبوع الماضي أمام اجتماع لاتحاد كامبروج انه يؤد لو يطلق علي الرصاص فيرديني قتيلا. اسأل نفسي، كيف وصلت الامور الى هذا الحد؟ لقد تحول الحقد تدريجيا الى تحريض، وتحول التحريض الى تهديدات بالقتل. لقد اصبحت جدران الأداب والقانون منخفضة جدا لدرجة انه اصبح بالامكان شتم الصحفي وتشويه سمعة عائلته، وعندما يتعرض للضرب على ايدي حشد غاضب، تستقبل صحيفة اميركية النبأ بالهزل والاهانات وتصبح حياته رخيصة ومهددة من قبل ممثل يقول انه يريد قتلي من دون ان يوضح السبب في ذلك. معظم هذا الهراء المثير للاشمئزاز يأتي من رجال ونساء يقولون انهم يدافعون عن اسرائيل، وان كان علي ان اقول انني لم اتلق قط رسالة وقحة او مهينة من اسرائيل ذاتها. فالاسرائيليون يعبرون احيانا عن انتقادهم لتقاريري وأحيانا عن امتداحهم لها لكنهم لم ينزلوا الى مستوى القذارات والبذاءات التي اتلقاها الآن. جاء في احدى احدث تلك الرسائل: «امك كانت ابنة الزعيم النازي انجمان» والدتي بيجي، التي توفيت بعد صراع طويل مع داء باركنسون قبل ثلاثة اعوام ونصف العام، كانت في الواقع تعمل مع سلاح الجو البريطاني في أوج معركة بريطانيا عام 1940. لقد جعلت احداث سبتمبر رسائل الكراهية شديدة الاتقاد والهيجان. في ذلك اليوم ومن مقعدي في طائرة ركاب تحلق عاليا فوق الاطلسي، كتبت مقالة لصحيفة «الاندبندنت» تشير الى ان الأيام التالية ستشهد محاولة لمنع اي شخص من السؤال عن الاسباب وراء حدوث الجرائم ضد الانسانية في نيويورك وواشنطن كتبت عن تاريخ الخداع في الشرق الاوسط والغضب العربي المتنامي ازاء موت آلاف الاطفال العراقيين في ظل العقوبات الاقتصادية المدعومة اميركيا والاحتلال المتواصل للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة من قبل اسرائيل واشرت ان ابن لادن يتحمل مسئولية ما حدث. لكن الرسائل الالكترونية التي تدفقت الى صحيفة الاندبندنت على مدار الايام القليلة التالية كانت ملتهبة الى ابعد الحدود. وجاء في رسالة بعث بها البروفيسور يهوذا بيرل من جامعة كاليفورنيا ان السبب وراء الهجمات على أميركا هو «الكراهية بحد ذاتها»، الكراهية نفسها المفرطة عديمة الانسانية التي ينشرها روبرت فيسك وابن لادن وادعى بيرل ان السم يسيل من لعابي وأنني «بائع متجول» محترف للكراهية. كما صرحت رسالة خطية اخرى موقعة باسم الين بوبر بانني على تعاون وثيق مع الارهابي الأكبر ابن لادن. وغيرها الكثير من الرسائل التي وصفتني بالاضطراب النفسي والخبل ودعم الارهاب. وازدادت الامور سوءاً بعد ذلك ففي برنامج اذاعي على الراديو الايرلندي أدانني بروفيسور من هارفرد بالكذب وقال انني رجل خطير واعلن ان معاداة اميركا توازي معاداة السامية ، كل ذلك لان الرجل كان مستاء جدا من الاسئلة التي اثرتها عن الدوافع وراء فظائع 11 سبتمبر. وكان من الفظاعة، ان اشير الى ان احدا ما ربما يكون له اسبابه ـ مهما كانت جنونية ـ لارتكاب هذا القتل الجماعي. والأكثر فظاعة وشرا ان اشير الى الاسباب المحتملة برأيي. وهكذا فإن انتقادي للولايات المتحدة حولني الى شخص عنصري ونازي وحاقد على اليهود. وتوالت الأمور على هذا المنوال. ففي أوائل ديسمبر الماضي، تعرضت لضرب مبرح كاد يودي بحياتي على ايدي حشد من اللاجئين الافغان الساخطين بسبب مقتل اقاربهم في الغارات التي شنتها قاذفات «بي 52» الاميركية. كتبت وقتها توصيفي لقصة تعرضي للضرب. مضيفاً اني لا استطيع لوم الاشخاص الذين هاجموني، وانني لو عانيت الاسى الذي مروا به، لفعلت الشيء ذاته. ولم يكن هناك حدود للشتائم والاساءات التي وجهت لي بعد نشر المقالة. مارك شتاين، في صحيفة «وول ستريت جورنال» كتب مقالة بعنوان «متعدد الثقافات ينال ما يستحقه». وتلقى موقع صحيفة «الاندبندنت» على الانترنت رسالة تشير الى انني منحرف جنسياً. وورد العديد من بطاقات التهنئة الشنيعة بأعياد الميلاد كان بينها واحدة مرفقة مع ورقة كتب عليها: «روبرت فيسك! سيد العواء في الشرق الأوسط، معادي السامية محب المسلمين ومناصر الفاشية. امنيتي لعام 2002 ان اجدك في جهنم، على يمينك اسامة بن لادن وعلى يسارك الملا عمر». منذ هجوم أرييل شارون على الضفة الغربية مستفزاً بالتفجيرات الانتحارية، بزغ للعيان موضوع جديد. فالمراسلون الصحفيون الذين ينتقدون اسرائيل تشار اليهم اصابع الاتهام بتحريض اعداء السامية على حرق المعابد اليهودية. اذن فوحشية اسرائيل واحتلالها للاراضي الفلسطينية ليس لها ما يحرض بعض الاشخاص غير الاسوياء لحرق المعابد والمعاهد اليهودية. بل نحن الصحفيين من يتحمل مسئولية التحريض. وتقريباً كل من ينتقد الولايات المتحدة أو السياسة الاسرائيلية في الشرق الأوسط تفتح عليه النيران بالطريقة ذاتها. هذا ما حصل مع زميلي فيل ريفز في القدس ولمراسلين الـ «بي.بي.سي» في اسرائيل وكذلك سنوزان جولدنبرج في صحيفة «الجارديان». ولنأخذ مثال جنيفر لوينستاين، عاملة حقوق الانسان في غزة التي هي نفسها يهودية، والتي كتبت شجباً لأولئك الذين يدعون ان الفلسطينيين يتعمدون ارسال التضحية بأطفالهم. وسرعان ما تلقت لوينستاين هذه الرسالة الالكترونية: «عاهرة. استطيع ان اشم رائحتك عن بعد. انك ساقطة وفي عروقك يسيل دم عربي. أمك عربية لعينة. غيري اسمك على الاقل. المرسل: بن أفيرام». هل يترك هذا النوع من القذارات اثراً على الآخرين؟ اخشى انه يفعل. فبعد ايام معدودة فقط من اعلان مالكوفتش انه يتوق لقتلي، ادعى موقع على الانترنت ان كلمات الممثل كانت محاولة وضيعة من جانبه لتجاوزه دوره في الطابور. ونشر الموقع رسما كاريكاتيرياً يصورني بطريقة مهينة. وهكذا فإن تعليقاً مثيراً للاشمئزاز يتلفظ به ممثل في اتحاد كامبردج جعل موقع الانترنت يشير الى ان هناك أشخاصاً آخرين أكثر توقاً وتلهفاً لقتلي. الشرطة لم تستجوب مالكوفتش. وأظن انه لم يمنح أي تأشيرة دخول الى بريطانيا حتى يفسر أو يعتذر عن تعليقه التافه الوضيع، لكن الأذيّة حصلت. ونحن الصحفيين اصبحت حياتنا الآن لعبة في أيدي حاقدي الانترنت، وإذا اردنا ان نعيش حياة هادئة، علينا ان نلتزم بالقواعد بالتوقف عن انتقاد اسرائيل أو أميركا أو ببساطة نتوقف عن الكتابة تماما. عن «اندبندنت»