في ضوء ما حدث في قمة كامب ديفيد في يوليو 2000 والاشهر التي اعقبتها من المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، غالباً ما نسمع عن عرض ايهود باراك غير المسبوق، ورفض ياسر عرفات المتصلب لهذا العرض. ويتردد أن اسرائيل تقدمت بعرض تاريخي سخي انتهز الفلسطينيون الفرصة مجدداً لإهدار فرصة حياله. وباختصار فإن عدم الوصول الى اتفاق نهائي يعزى من دون اعتراض ملحوظ على ذلك إلى ياسر عرفات. وفيما يتعلق بالآراء المستقيمة، فإن هذا الرأي خطير، حيث تترتب عليه نتائج منداحة التأثير، وتنبني خلاصات أوسع نطاقاً. ومن هذه الخلاصات انه ليس هناك شريك سلام، وهناك خلاصة أخرى قوامها أنه ليست هناك نهاية محتملة للصراع في وجود عرفات. وبالنسبة لعملية على مثل هذا القدر من التعقيد، فإن هذا التشخيص يعد سطحياً على نحو ملحوظ، فهو يتجاهل التاريخ وديناميات المفاوضات والعلاقات بين الأطراف الثلاثة المعنية. و في غمار هذا التجاهل فإنه لا يوضح السر في أن ما نظر إليه الكثيرون على أنه عرض اسرائيلي سخي نظر إليه الفلسطينيون باعتباره أبعد ما يكون عن العرض أو الاتسام بالصفة الإسرائيلية أو الاتصاف بالسخاء، وما هو أسوأ من ذلك أنه يشكل كابحاً للسياسة الأميركية من خلال تقديمه لمتهم واحد مناسب يتم تحميله مسئولية الفشل، هو عرفات، بدلاً من تقديم تحليل واقعي وأكثر تحديداً لظلال الفروق بين المواقف. مبادئ باراك الثلاثة لقد جاء كل جانب الى كامب ديفيد بمنظور مختلف كأشد ما يكون الاختلاف، وهو ما أدى الى مناهج شديدة التباين في التعامل مع المحادثات. كانت هناك ثلاثة مبادئ يسترشد بها باراك. الأول هو عداء عميق لمفهوم الخطوات التدريجية الكامن في قلب اتفاق أوسلو 1993 بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، فهو يرى أن عمليات سحب القوات الإسرائيلية من أجزاء من غزة والضفة الغربية خلال السنوات السبع الماضية قد أجبرت اسرائيل على أن تدفع ثمناً باهظاً من دون الحصول بالمقابل على أي شيء ملموس ومن دون معرفة نطاق المطالب الفلسطينية النهائية. والمبدأ الثاني بالنسبة لباراك هو ان القيادة الفلسطينية ستعتمد حلاً وسطاً تاريخياً ـ اذا ما اعتمدت شيئاً على الاطلاق ـ بعد ان تكون قد استكشفت جميع الامكانات الأخرى ووجدتها غير مواتية فحسب. قاد تحليل للحياة السياسية الاسرائيلية الى مبدأ باراك الثالث، فقد كان فريق باراك مقتنعاً بأن الرأي العام الإسرائيلي سيصدق على اتفاق يبرم مع الفلسطينيين، حتى إذا كان اتفاقاً تترتب عليه تنازلات واسعة النطاق انه اتفاق نهائي ويجلب لإسرائيل السكينة والطابع العادي للحياة. لكن باراك وشركاءه شعروا كذلك بأن أفضل طريقة لطرح هذا الاتفاق على الرأي العام الاسرائيلي هي تقليص أي احتكاك سياسي على امتداد الطريق الى الحدود الدنيا. وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين قد دفع ثمناً سياسياً (وعضوياً) باهظاً بالتخلي عن الجناح اليميني الاسرائيلي وعدم اصطحاب أعضاء هذا الجناح معه خلال عملية أوسلو. وقد صمم باراك على عدم تكرار هذه الغلطة. ومن المثير للحيرة أن حكومة اعتقدت انها تحظى بقدر يعتد به من حرية الخيار فيما يتعلق بشروط الصفقة النهائية قد ساورها الشعور بأنها مقيدة بصورة ملموسة فيما يتعلق بالخطوات التي بمقدورها القيام بها للوصول الى ابرام تلك الصفقة النهائية. ومن شأن أخذ هذه المبادئ في الاعتبار ان يساعدنا على تفهم تصرفات الحكومة الاسرائيلية خلال هذه الفترة. نلاحظ، ابتداء، ان باراك قد أهمل اتخاذ عدد من الخطوات المؤقتة، حتى تلك الخطوات التي كانت اسرائيل ملزمة بها رسمياً بمقتضى اتفاقات مختلفة، بما في ذلك إعادة انتشار ثالثة جزئية للقوات في الضفة الغربية، ونقل ثلاث قرى مجاورة للقدس الى السيطرة الفلسطينية، وإطلاق سراح فلسطينيين كانوا قد سجنوا لاتهامهم بالقيام بعمليات قبل اتفاق أوسلو. ولم يرغب في إبعاد اليمين عنه قبل الأوان أو أن يكون «مغفلاً» (أو يبدو كذلك) بتسليم أصول لها قيمتها لا لشيء إلا ليحظى بالرفض والصد عندما يتعلق الأمر بصفقة الوضع النهائي. وفي تحليل باراك الثنائي للتكلفة والعائد، فإن مثل هذه الخطوات لم تبد مواتية، فمن ناحية إذا وصل الاسرائيليون والفلسطينيون الى اتفاق نهائي فإن كل هذه الخطوات الصغيرة (وربما بعضها في ذلك الوقت) سيتم اتخاذها. ومن ناحية اخرى اذا لم يصل الطرفان الى اتفاق نهائي فإن هذه الخطوات ستكون قد ذهبت هباء وهدراً. ويتمثل ما هو اكثر من ذلك في ان تقديم تنازلات للفلسطينيين من شأنه ان يكلف باراك ثمناً باهظاً يخصم من الرأسمال السياسي الثمين الذي عقد العظم على الاحتفاظ به حتى لحظة الذروة النهائية. وقد ظن ان الطريق الأفضل هو تقديم كل التنازلات والمكافآت كافة في اطار صفقة واحدة شاملة سيطلب من الرأي العام الاسرائيلي قبولها في إطار استفتاء قومي. كان ما يجري هو قلب أوسلو رأساً على عقب. كان رهاناً على النجاح، شيكاً على بياض وقعه جانبان على استعداد لاتخاذ الخطوات الصعبة الأولى توقعاً للوصول الى اتفاق. وقد كان منهاج باراك تحوطاً من الفشل، ترددا في تقديم التنازلات الأولية خوفاً من أن الجانبين قد لا يكللا بالنجاح. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن قيام اسرائيل بتوسيع نطاق مستوطنات الضفة الغربية، الذي انطلق بإيقاع سريع. ولم ير باراك مبرراً لإبعاد الناخبين من المستوطنين عنه من دون أن يكون هناك ما يدعو لذلك. وفضلاً عن ذلك، وفيما يتعلق بإنشاء وحدات اسكانية جديدة على أرض ستقوم اسرئيل في نهاية المطاف بضمها في كل صفقة دائمة، على الأقل أي صفقة دائمة سيوقعها باراك، فإنه لم ير أن الفلسطينيين سيلحقهم ضرر من جراء السماح بمثل هذا البناء. وبتعبير آخر فإن تركيز باراك الأحادي على الصورة الشاملة وحدها قد عظّم في ناظريه أهمية ـ وتكلفة ـ الخطوات الصغيرة. ولأنه على وجه الدقة كان على استعداد لقطع شوط طويل في إطار اتفاق نهائي (فيما يتعلق بالأراضي او فيما يتعلق بالقدس على سبيل المثال، فإنه لم يكن على استعداد للتحرك بوصة واحدة في الاستهلال (السجناء، المستوطنات، اعادة انتشار القوات، قرى القدس). ألقت مبادئ باراك الضوء كذلك على منهاجه القائم على الحصول على كل شيء او لا شيء، ففي ذهن باراك يتعين جعل عرفات يدرك انه ليس هناك «طريق ثالث» ليست هناك اعادة صياغة للمنهاج المؤقت لضمان تأييد الولايات المتحدة والدول الاوروبية لخطته طلب منها تهديد عرفات بعواقب عناده وبأن اللوم سيقع على كاهل الفلسطينيين وأن العلاقات معهم سيتم التدني بمستواها وبالمثل وعلى امتداد قمة كامب اهاب باراك بالولايات المتحدة مراراً وتكراراً تجنب ذكر اي خيارات احتياطية او امكانية مواصلة المفاوضات في حالة فشل القمة. وقد تتابع بصورة طبيعية اصرار رئيس الوزراء الاسرائيلي على عقد قمة وتوقيت محادثات كامب ديفيد وكان باراك على استعداد لجعل مفاوضيه ينغمسون في المناقشات التمهيدية، التي جرت في حقيقة الامر على امتداد عدة اشهر قبل كامب ديفيد، ولكن هذه المناقشات بالنسبة له لم تكن قنوات يمكن من خلالها تحقيق التقدم الحقيقي، فمن خلال الاصرار على قمة واحدة ذات مستوى رفيع يمكن توفير جميع مكونات النجاح الضرورية، دراما اقتراح صارم قوامه نيل كل شيء او لا شيء، احتمال ان عرفات قد يفقد دعم اميركا، تعرية عدم فعالية التكتيكات الاسرائيلية التي تعتمد اسلوب شرائح السجق (امتصاص التنازلات الاسرائيلية التي تصبح منطلقاً في الجولة التالية) واخيراً القدرة على كشف كل الانجازات والتنازلات الخاصة بالصفقة في انقضاضة واحدة للشعب الاسرائيلي. الرسائل التي أسيء توجيهها قوبل انتخاب باراك في غزة والضفة الغربية بمزيج من الانفعالات المتضاربة وكان سلفه المباشر بنيامين نتانياهو قد امتنع عن تنفيذ العديد من التزامات اسرائيل المنصوص عليها في الاتفاقات، ولذلك السبب وحده كانت هزيمته في الانتخابات موضع ترحيب ولكن باراك لم يقدم خلال حملته الانتخابية مؤشراً الى انه على استعداد للوصول الى حلول وسط كبرى مع الفلسطينيين وكانت عودة حزب العمل الى السلطة تعني كذلك عودة تل ابيب لتحتل مكانة الحظوة عند واشنطن وبالمقابل كانت فترة تولي نتانياهو لمنصب رئيس وزراء اسرائيل قد شهدت فتوراً تدريجياً في علاقة اميركا باسرائيل ودفئاً مصاحباً في علاقاتها بالسلطة الفلسطينية. كان الفلسطينيون يتطلعون الى مؤشرات مبكرة من باراك تدعو للاطمئنان، وكانت خطواته الاولى ابعد ما تكون عن تقديم هذه المؤشرات فالائتلاف الحكومي العريض الذي شكله (تشكيلة من دعاة السلام والمتشددين) وموقفه المتشدد ازاء قضايا مثل القدس وتردده في مواجهة المستوطنين، كل ذلك ساهم في ايجاد مناخ مبكر من عدم الثقة وكان مما اثار الضيق بصفة خاصة تلكؤه في التعامل مع الاهتمامات والمخاوف الفلسطينية الجوهرية مثل تنفيذ اتفاق واي ريفر لعام 1998 (الذي اختار باراك اعادة التفاوض بشأنه) او بدء محادثات الوضع الدائم (وهو ما اجله باراك انتظاراً لاختيار كبير المفاوضين وذلك في ضوء المناخ النفسي المفعم بنفاد الصبر السائد في الاراضي المحتلة. ومن منظور غزة والضفة الغربية، فإن تراث اتفاق اوسلو بدا اشبه ما يكون بركام من الوعود التي لم تحقق او جرى تأجيلها وبعد ست سنوات من الاتفاق، كان هناك المزيد من المستوطنات الاسرائيلية، وقدر أقل من حرية الحركة، واوضاع اقتصادية اكثر ترديا وكانت الشرائح الفلسطينية القوية وفي مقدمتها المثقفون والمؤسسة الأمنية واجهزة الاعلام ومجتمع رجال الاعمال، وبيروقراطيو «الدولة» والناشطون السياسيون، التي كان تأييدها مهما لأي جهد يبذل في سبيل السلام تشعر بخيبة الامل حيال نتائج عملية السلام، ويساورها الشك في استعداد اسرائيل لتنفيذ الاتفاقات الموقعة، وقد غدت الآن تشعر بالضيق حيال خطاب باراك وتصرفاته. ربما كان العامل الاكثر اثارة للمخاوف هو قرار باراك المبكر بالتركيز على الوصول الى اتفاق مع سوريا وليس مع الفلسطينيين وهو قرار تلقاه عرفات باعتباره ضربة ثلاثية ونظر إليه الفلسطينيون على انه اداة للضغط عليهم، قصد بها عزلهم، وتكتيك تعطيلي سيهدر شهوراً ثمينة، واذلال علني، قصد به تحجيمهم، وعلى امتداد السنين لم تفعل سوريا شيئاً لمخاطبة الاهتمامات الاسرائيلية، فليس هناك اعتراف، ولا اتصالات ثنائية، وليس هناك حتى ايقاف للمساعدة المقدمة للمجموعات الدائبة في محاربة اسرائيل وخلال ذلك الوقت كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد اعترفت باسرائيل، واجريت مفاوضات لا حصر لها وجها لوجه، وعملت اجهزة الامن الاسرائيلية والفلسطينية معاً يدا بيد وعلى الرغم من هذا كله فإن حافظ الاسد ـ وليس عرفات ـ كان الزعيم الاول الذي تخطب وده الحكومة الاسرائيلية الجديدة. في مارس عام 2000 بعد ان اوضحت قمة جنيف التي توجت بالفشل بين كلينتون والرئيس الاسد ان المسار السوري قد استنفد اغراضه، اختار باراك ان يمضي بالطاقة القصوى للأمام مع الفلسطينيين محدداً موعداً نهائياً لا يتجاوز اشهر قلائل للوصول الى اتفاق دائم ولكن بحلول ذلك الوقت، كان الاطار الذهني على الجانب الآخر ابعد ما يكون عن الاستعداد للتلقي. كان ذلك الجدول الزمني هو جدول باراك الذي تم فرضه بعد اخفاق رهانه السوري، وقد املته استراتيجيته الماثلة في ذهنه، ولم يكن عرفات على وشك الاذعان. قراءة عرفات لباراك لقد اعتقد عرفات ان بمقدوره ان يرصد وراء كل تحركات باراك، على وجه التقريب، الهدف المتمثل اما في اجباره على ان يبتلع صفقة غير معقولة، او حشد العالم لعزل الفلسطينيين واضعافهم، اذا رفضوا الاستسلام واوجدت وجهة نظر باراك المعلنة التي قوامها ان البديل للتوصل الى اتفاق سيكون موقفاً اكثر جهامة من الامر الواقع مناخاً من الضغط لم يؤد الا تأكيد شكوك عرفات، وكلما تزايد الضغط ترسخ الاعتقاد في صفوف الفلسطينيين بأن باراك يحاول خداعهم. فضلاً عن ذلك، فإن الخطوات التي اتخذها باراك لادخار موارده بينما هو يتفاوض على صفقة نهائية تاريخية فسرها الفلسطينيون على انها جهود تبذل لاضعافهم في غمار فرض صفقة غير منصفة عليهم. وكان من المثير للقلق بصفة خاصة من هذا المنظور موقف باراك حيال الالتزامات المؤقتة القائمة على اساس اوسلو ووادي ريفر والاتفاقات التي تلتهما. ومن زعموا ان عرفات كان يفتقر الى الاهتمام بصفقة دائمة انما يغيب عنهم جوهر المسألة. فالزعيم الفلسطيني، شأن عرفات، شعر بأن مفاوضات الوضع النهائي آن أوانها منذ وقت طويل، وهو خلافا لباراك لم يعتقد ان التغافل عن الالتزامات المؤقتة أمر مبرر. وبالنسبة لعرفات فان القضايا المؤقتة والدائمة متداخلة على نحو لا سبيل معه الى الفصل بينهما، وهي حسبما ابلغ الرئيس الاميركي تعد «:كلاً لا يتجزأ» ويرجع ذلك على وجه الدقة الى انها ينبغي ان يتم ابقاؤها منفصلة بمزيد من الحرص. والالتزامات المؤقتة التي لم يتم الوفاء بها ترتب عليها ما هو اكثر من القاء ظلال الشك على عزم اسرائيل انجاز ما تعهدت به، ومن منظور عرفات فقد اثرت بشكل مباشر على توازن القوى الذي من شأنه ان يسود لدى بدء مفاوضات الوضع الدائم. واذا اريد ضرب ابسط مثال في هذا الشأن، فانه اذا كانت اسرائيل لا تزال تتشبث بأرض كان يفترض ان تتم اعادتها خلال المرحلة المؤقتة، فان الفلسطينيين سيضطرون للتفاوض حول تلك الارض كذلك خلال مفاوضات الوضع الدائم. وبينما زعم باراك ان الالتزامات المؤقتة ستنسى سريعا في حالة نجاح القمة، فان عرفات تخوف من انها قد تنسى بالسرعة نفسها في حالة اخفاق القمة. وبتعبير اخر فان باراك بدا كما لو كان يطرح اقتراحا قوامه اما اخذ ما هو مطروح وإما تركه، وهو اقتراح يعف الترك في اطاره لا التخلي عن اقتراح الوضع الدائم فحسب وانما الاكثر من ذلك التخلي عن المزيد من انسحاب القوات الاسرائيلية وقرى القدس والافراج عن السجناء والتزامات مؤقتة اخرى، اما ما هو اسوأ من ذلك فان هذا الاقتراح كان معناه مواجهة المزيد من الوحدات الاستيطانية الجديدة في مناطق افترض باراك من خلال ثقته في نفسه انها ستضم الى اسرائيل في ظل الصفقة الخاصة بالوضع الدائم. في العديد من الجوانب فان تصرفات باراك افضت الى حالة كلاسيكية من الرسائل التي اسيئ توجيهها، ذلك ان المتلقين المقصودين بتصريحاته المتشددة، اي الناخبين الاسرائيليين الذين كان يسعى الى اصطحابهم في مسيرته لم يصغوا لما يقوله الا بالكاد بيد ان المتلقين غير المقصودين لهذه الرسائل، اي الفلسطينيين الذين سيستقطبهم بعرضه النهائي، اصاغوا السمع جيدا، ولم يكن الفلسطينيون قد اقتنعوا من قبل قط بأن باراك على استعداد لقطع الشوط كاملا على الاطلاق، ولم يصدقوا انه يتشبث بأصوله لكي يذهب بعيدا الى حد كاف. وبالنسبة لهم كانت اهدافه الضغط عليهم وخفض سقف توقعاتهم وجعل البدائل المتاحة لهم سيئة. وباختصار فان كل شيء نظر اليه باراك على انه برهان على جديته اعتبره الفلسطينيون دليلا على انه غير جاد. لهذه الاسباب فان قمة كامب ديفيد بدت لعرفات تجسيدا لاسوأ كوابيسه، فقد كانت قمة معزولة، اعدت لزيادة الضغط على الفلسطينيين للوصول الى اتفاق سريع مع التصاعد بالاعباء السياسية والرمزية التي ستقع على كاهلهم اذا لم يوافقوا. وقد كانت القمة بجلاء من بنات افكار كل من كلينتون وباراك سواء من حيث المحتوى او التوقيت، و لهذا السبب وحده كانت موضع تشكك الى حد بعيد، ولم يؤد قيام الولايات المتحدة بتوجيه الدعوة لعقدها على الرغم من رفض اسرائيل تنفيذ التزاماتها السابقة وعلى الرغم من النداء الذي اصدره عرفات من أجل المزيد من الوقت الذي يكرس للاعداد الا الى دعم الشعور بوجود تواطؤ بين الولايات المتحدة واسرائيل يصل الى حد المؤامرة. وفي 15 يونيو خلال اجتماع عرفات الاخير مع كلينتون قبل قمة كامب ديفيد ، طرح عرفات قضيته على الطاولة ذلك ان باراك لم ينفذ الالتزامات المترتبة على اتفاقات سابقة، ولم يتم احراز تقدم في المفاوضات ورئيس الوزراء الاسرائيلي كان يمسك بكل اوراقه من دون ان يلقي شيئا منها على المائدة، والنتيجة الوحيدة المحتملة للمضي الى اجتماع قمة حسبما قال لوزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت هما جعل كل شيء ينفجر في وجه الرئيس. اما اذا لم تعقد القمة فسوف يكون هناك أمل على الاقل، ذلك ان القمة هي ورقتنا الاخيرة وقال عرفات: هل تريدون حقا حرق هذه الورقة؟ وفي نهاية المطاف مضى عرفات الى القمة، ذلك ان عدم القيام بذلك كان من شأنه ان يجلب عليه غضب أميركا، ولكنه مضى اليها عاقداً العزم على النجاة منها باكثر مما عقد العزم على الاستفادة منها. ارتباك وغياب للثقة في ضوء الارتباك وغياب الثقة الذي اتسم به الجانبان، فان الولايات المتحدة واجهت تحديا هائلا. وعلى الرغم من ذلك فان مسئولي الادارة الامريكية قد اعتقدوا في ذلك الوقت ان هناك فرصة تاريخية للوصول الى اتفاق. وقد كان باراك حريصا على ابرام صفقة، واراد ان يتم انجازها خلال رئاسة كلينتون واحاط نفسه ببعض من اكثر السياسيين الاسرائيليين ميلا الى السلام. ومن جانبه اتيحت لعرفات الفرصة لتولي رئاسة اول دولة فلسطينية، وقد كان يحظى بارتباط خاص بكلينتون، الذي كان اول رئيس اميركي يلتقيه ويتعامل معه. اما فيما يتعلق بكلينتون فقد كان على استعداد لتكريس ما يكفي من رئاسته لتكليل المفاوضات الاسرائيلية ـ الفلسطينية بالنجاح. ومن شأن قرار بعدم انتهاز الفرصة ان يفرز مشاعر ندم تعادل ما يفرزه قرار انتهازها من اتهامات وتجريم. ولم يكن الرئيس الأميركي ولا مستشاروه غافلين عن عدم الثقة المتفاقم بين الجانبين ولا عن عثرات باراك التكتيكية، وقد اثار قلقهم قراره بتحبيذ المفاوضات مع «المرأة الأخرى» اي مع المفاوض السوري الذي شوش عنه «عروسه الفلسطينية المقبلة» حتى وان كانت هذه الاخيرة اقل جاذبية.. واعرب الكثيرون في الادارة الأميركية عن اسفهم بعجز رئيس الوزراء الاسرائيلي عن الوصول الى علاقة عمل مع عرفات، وتم الى حد كبير تجاهل مناشداته للاميركيين بـ «فضح» و«تعرية» عرفات. عن « نيويورك ريفيو أوف بوكس »