منذ اكثر من ثلاثين عاما والفنان السوري عباس النوري يقدم فنه للجمهور الذي تابعه منذ بدايته على خشبة المسرح الجامعي في بداية السبعينيات مروراً بمشاركاته المتعددة في اعمال تلفزيونية هامة وصولاً لتقديمه العديد من البرامج واتجاهه اخيراً الى مهنة الاخراج حيث استطاع تقديم رؤية اخراجية متميزة في سهرات تلفزيونية ناجحة. عباس النوري الذي تابعه الجمهور العربي خلال موسم رمضان الماضي في عملين مختلفين الاول في مسلسل «الارواح المهاجرة» والثاني في المسلسل الكوميدي «فرصة العمر» مع سوزان نجم الدين يطل علينا في هذا الحوار الخاص مع بداية السنة الجديدة حيث يقول: ـ لا أحب بداية حديثي بالامنيات والتهاني التقليدية للجمهور العربي حيث مازلت اعتبر فرصة العيد لاتزال بحاجة لكثير من الانتظار خاصة وان هناك الكثير من افراد الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة يعانون القهر والحرمان.. لذلك اتمنى ان ينال كل مظلوم حقه ويعم السلام الحقيقي ارجاء الارض دون تعسف أو ظلم. ـ وقد بدأت الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني كيف ترى دور الفن في الوقوف الى جانب الانتفاضة الباسلة؟ ـ هناك الكثير من الاشياء التي يستطيع الفن القيام بها الى جانب دوره التثقيفي والترفيهي.. صحيح ان الفن لا يستطيع ان يقدم حلولاً فورية لكثير من المشاكل والقضايا لكنه يستطيع كشف الكثير من الخبايا والامور التي لا يعرفها الجميع وبالنسبة للانتفاضة هناك الكثير من الاشياء والتي يستطيع الفن تقديمها وذلك من خلال فضحه لوسائل الارهاب الصهيونية اليومية وممارساته غير الانسانية تجاه شعب اعزل.. كذلك يمكن للفن ان يكون حافزاً ومنشطاً لحملات تبرعات مادية وتظاهرات معنوية واجتماعية لدعم الانتفاضة.. الفن ببحثه الدائم عن الجمال يرفض القبح بكافة اشكاله ويسعى دائما نحو الخير والعدالة والمساواة. ـ ضمن هذا الاطار هل ترى في مسيرات الفنانين والمثقفين العرب دوراً في استمرار هذه الانتفاضة؟ ـ بدون ادنى شك هناك الكثير من الاسباب التي تدفع الجميع لتبني مساندة وتأييد لتلك الانتفاضة الشعبية والتي ارى ان من واجب الفنانين والمثقفين العرب الوقوف الى جانبها دائما لانهم في النهاية يشكلون الاداة الاكثر تحفيزاً في هذا المجال.. وهنا لا يمكن اغفال الدور الكبير الذي يلعبه المواطن عبر تأييده العضوي والصادق الذي يعبر في النهاية عن الشارع العربي بكافة فئاته وشرائحه. ـ لو انتقلنا للحديث عن ادوارك الاخيرة هل ترى ان دورك في مسلسل «الارواح المهاجرة» من أهم الادوار التي قدمتها في الفترة الاخيرة؟ ـ بالفعل خاصة وانني قدمت شخصية قاسية بعض الشيء فيها الكثير من الصفات الاستثنائية هذا الرجل الصارم النشيط والذي يعتبر حاد الطبع نزقاً سريع الغضب ويعتقد بأن تفوقه على بقية من حوله بدمه الارستقراطي وقوة ذكائه وصلابة ارادته فهذا التفوق يمنحه السلطة على الآخرين مؤقتا بأن كل ما يفعله هو عين الصواب. وبالنسبة لي كنت سعيداً لاداء هذه الشخصية مع كل ما تحمله من صفات القسوة لكنني ابرر لـ «مهران الاشهب» ما قد فعله خاصة ان تركيبة مسلسل «الارواح المهاجرة» يعتبر بانوراما تاريخية لمصير عائلة ارستقراطية تعيش في سورية بين عامي 1900 ـ 1950 وهي فترة غنية بالاحداث والانقلابات الاجتماعية والسياسية. ـ برأيك هل نال «مهران الاشهب» جزاءه في نهاية المسلسل؟ ـ بالتأكيد فلكل بداية نهاية كما يقولون وما فعله هذا الاقطاعي المتسلط في بداية حياته جناه في النهاية حيث مات وحيدا بعد سلسلة من الفجائع التي مر بها والتي كان آخرها موت ابنه الطبيب تميم تحت التعذيب. ـ لو تحدثنا اكثر عن تفاصيل الشخصية من الناحية الخارجية كيف قدمت لكل مرحلة مر بها «مهران الاشهب»؟ ـ هذا الموضوع تم بالتنسيق مع المخرج شوقي الماجري والماكييرة بشرى حاجو بالاضافة الى وضعي الدائم في التصور الذي ستمر به هذه الشخصية عبر مشوارها الحافل.. وبالنسبة لي لا انكر انني شعرت ببعض الخوف خاصة وان الجمهور سيتابع كل هذه التغيرات من خلال شخصية واحدة لممثل واحد وعبر ثلاثين حلقة تقريباً. ـ وما رأيك بما يقال عن الهدف من تعريب روايات عالمية؟ ـ هذا الموضوع شائك فعلاً وكلا الطرفين له حججه المقنعة في هذا الاطار حيث يرى معارضون لهذا الاسلوب ان النص الاصلي يعبر عن بيئته وبالتالي فإن تصرفات شخصياته تعتبر منطقية من هذه الناحية. في حين يرى مؤيدون أن تعريب النصوص والروايات العالمية ضروري كنوع من الاسقاط وعلى اعتبار ان هموم الانسان ومشاكله تكاد تتشابه في العالم مع بعض الفروقات الصغيرة والبسيطة في كل مجتمع، وبالنسبة لي لا ارى مشكلة في تقديم نص عالمي بمواصفات وشروط عربية لان ذلك لا ينفي عنها صفة المتابعة والنجاح. ـ أليس غريبا تقديمك لشخصية كوميدية في مسلسل «فرصة العمر» بعد هذا الدور الجدي؟ ـ وما الغريب في ذلك مادام الفنان مطالباً دائما بالتنويع في ادواره وشخصياته؟! بالعكس انا مستغرب عندما ارى فناناً ما يصر على تقديم ادوار متشابهة متعللاً بعدم وجود شخصيات وادوار جديدة.. المسألة برأيي تعتمد بالدرجة الاولى على خيارات الفنان ومفهومه للانتشار وحب الجمهور له.. ومن هذا المنطلق وبمجرد ان انتهيت من قراءة سيناريو مسلسل «فرصة العمر» وافقت على اداء شخصية شفيق التي اراها كوميدية لدرجة واقعية. ـ وهل كان احد اسباب موافقتك على اداء هذا الدور مشاركة الفنانة سوزان نجم الدين في بطولة هذا المسلسل؟ ـ اعترف ان ذلك سبب مغر للعمل مع فنانة كبيرة لم يتابعها الجمهور في عمل كوميدي بهذا الشكل من قبل كذلك غيابها لفترة عن الشاشة مما يعني انها ستقدم اشياء جديدة بعيدة عن التكرار، وبالفعل استطعت مع سوزان نجم الدين الوصول الى صيغة جميلة لتقديم «ثنائي شقيق ونظيره» بهذا الاسلوب الكوميدي الذي يجمع بين الطرافة والبعد عن المبالغة والتهريج. ـ وهل هناك نية لتقديم جزء ثان لهذا المسلسل؟ ـ لا اعتقد ذلك خاصة وان العمل مكتوب في الاساس دون التفكير بتقديم حلقات جديدة وفي هذا المجال احب ان اوضح نقطة هامة وهي ان موضة الاجزاء المتعددة التي تنفذ بعد نجاح الجزء الاول أو العمل يدفع بالكثير من هذه الاعمال الناجحة للسقوط في هاوية التكرار. ـ ولهذا السبب اخترت مجال الاخراج في الفترة الاخيرة؟ ـ ايام المسرح الجامعي قمت بذلك وانا ادرك تماما انني سأعزز في هذه الرغبة في مجال فني اكثر انتشاراً لذلك لم اتردد مؤخراً في تقديم نفسي كمخرج لسهرات تلفزيونية اعتقد انها كانت ناجحة لدرجة لا بأس بها. ـ ولماذا تخصصت في مجال السهرات التلفزيونية؟ ـ لانني اعتقد ان المستقبل لهذه النوعية من الاعمال، خاصة في زمن اصبح فيه كل شيء متسارعاً ولم يعد بالامكان متابعة مسلسل تلفزيوني مدة ثلاثين يوما واكثر لمعرفة احداثه وشخصياته. ـ ولماذا لا نقول ان زمن السينما بدأ يعود؟ ـ في التلفزيون الامر مختلف نوعا ما لان ما نقدمه في التلفزيون من سهرات تلفزيونية لا يمكن اعتباره بأي حال من الاحوال افلاماً حتى تلفزيونية لان طريقة التقديم والطرح والاخراج تختلف بدرجة كبيرة ومع ذلك فأنا متفائل بأنه سيعود للفن السابع ألقه لان الجمهور مازال يحن الى الشاشة الذهبية التي تعبر عن كثير من آماله واحلامه وتطلعاته في حين يبقى التلفزيون عاجزاً عن تحقيق نجاحات وانتشاراً للسينما بأي حال من الاحوال. ـ في سهرتك الاولى «حب على طريق الكمبيوتر» انتقدت الكثير من المفاهيم المتعلقة بهذه المشاعر الانسانية فإلي ماذا كنت ترمي من هذا النقد؟ ـ الى اشياء كثيرة اولها ان العلاقات الانسانية لا يمكن قولبتها وتعليبها وحفظها عبر «ديسكات» لحين الطلب والاستخدام، كما انه لا يمكن للآلة مهما توقفت واستخدمت بشكل كبير ان تحل مكان الاشياء الاكثر رومانسية في حياتنا.. بصراحة هي دعوة للحياة داخل حدود الانسانية بكل ما فيها ونبذ للعلاقات الجامدة المقولبة. دمشق ـ محمد عبدالعال