بيان الكتب: قسمت الميتافيزيقا العالم إلى أنوات وفق أقطاب ثنائية، متقابلة ومتعارضة، وفرّقت ما بين مختلف شعوب الأرض. ونشأت، تاريخياً، المفاهيم الداعمة لتمركزاتها ومختلف افرازاتها، حيث وُضعت الذات في قمة الهرم بوصفها قطبه الموجه والمحدد له، بينما أخذ الآخر في التواري والغياب، ملعوناً وهامشياً. وعلى خلفية المتخيل والميتافيزيقي نشأت مقولات، مثل الغرب والشرق، الحضري والبربري، وسواها كثير. وهي مقولات تضليلية، تكشف عن متخيل لصور مرسومة، نمطية ومشوشة، تستهلك بلا حدود في سياقات غامضة، بعيدة عن واقعية كل منهما ووجوده المتعين. وبغية الكشف عن بعض آليات اشتغال الخطاب الغربي في عملية تمثله للآخر بصفة عامة، والعمل على إبراز الأبعاد المتخيلة في هذا التمثيل، من حيث هي صور نمطية وأحكام ومواقف، بقدر ما تنهل من خزان رمزي يكثّف الوجداني والعقدي والقدسي، فإنها تتبلور في شكل تدخلات وإجراءات ومعارك، فإن هذا يقتضي الوقوف عند ما أنتجه الخطاب الغربي الوسيط من طرق لإدراك وتمثل الآخر، والتساؤل عما عبّر عنه من إرادة للمعرفة بالآخر، في مختلف التمثيلات، والعمل على صياغة ما لوّنه الخطاب من صور نمطية عن الآخر. وفي هذا السياق يأتي كتاب جان جبور الذي بين يدينا «النظرة الى الاخر في الخطاب الغربي» كي يلقي المزيد من الضوء على هذه الإشكالية، ويضاف الى الجهود التي أسهم بها عدد من الكتاب والمفكرين، خصوصاً ادوارد سعيد في كتابه ـ المفصل «الاستشراق» (1987). ويتبع جبور في كتابه هذا منهجية تعمد إلى تحليل أعمال أدبية كاملة لكتاب فرنسيين معروفين، أمثال «بوستيل» و«راسين» و«فولتير» و«فولناي» و«شاتوبريان» و«هوغو» و«لامارتين» و«فلوبير» و«برتران» وغيرهم. وتكمن قوة هذا الكتاب في تناوله لهذا الطيف الواسع من الأعمال الأدبية، معتمداً على تسلسل زمني، يبدأ من القرون الوسطى، وهي الفترة التي بدأت فيها تتشكل صورة الشرقي في المخيلة الغربية، وصولاً الى بداية القرن العشرين، حيث تتوقف دراسته عشية الحرب العالمية الأولى وتفكك السلطنة العثمانية، مقدماً بذلك كتاباً يتسم بالثراء والنضج الفكري، ويحاول الجمع فيه ما بين تحليل الأعمال الأدبية وبين الكشف عما يسكت عنه الخطاب الأدبي، الأمر الذي يطرح أسئلة محرجة أمام الفكر الغربي، وخطابه المهيمن، خصوصاً في هذه المرحلة التي تختلط فيها الرؤى والتصورات بالمصالح والرغبة في السيطرة على العالم. وتتناول محطته الاولى القرون الوسطى وبدايات النهضة الأوروبية، وهي الفترة التي شهدت الحروب الصليبية، وشكلت صورة الآخر. ويبدأ بدراسة «أنشودة رولان» التي تعدّ من أقدم «أغنيات المآثر» الفرنسية، والتي يرجع تاريخ كتابتها المختلف عليه الى الأعوام 1086 و1120. وينهض موضوع الأنشودة على حدث تاريخي محوّر. إذ تحور الأنشودة حادثة مقتل أحد القادة ويدعى «رولان» في معركة بين جيش «شارلمان» وجماعة مسلحة من الباسك، وتتفنن في سرد بطولات «رولان» وصديقه «أوليفييه» قبل أن يقتلا في المعركة. ويعتبر جبور أن أنشودة رولان هي «أول عمل أدبي متكامل في أوروبا القرون الوسطى»، وتتلخص فكرتها في أن «الكفار على خطأ والمسيحيين على صواب» كما تقول الأنشودة، ويعتبر أن «الضدية تشكل قاعدة ثابتة في كتابات القرون الوسطى»، حيث تقسم العالم وفق منطق ميتافيزيقي الى قسمين متقابلين، أحدهما يمثل عالم الخير والآخر عالم الشر، والصراع بينهما هو صراع «بين عالم الظلمة وعالم النور، عالم الحقيقة وعالم الضلال، عالم الإيمان وعالم الكفر». وتلصق الأنشودة وأغنيات المآثر الأخرى التي تلتها كل الصفات السلبية بالسرزانيين، حتى ليبدو العربي فيها وكأنه وحش كاسر ليس لديه قيم انسانية، فالمسلمون في الأنشودة هم عبدة أصنام، «يوزعون أدعيتهم على آلهة ثلاثة: محمد وأبولان وترفاغان، إضافة الى أنهم يتقنون أعمال السحر والشعوذة. ويغلب عليها الطابع الملحمي المتسم بالمبالغة لجهة أعداد المقاتلين ولجهة طبيعة القتال، حيث تظهر الفرسان وكأنهم عمالقة، إضافة الى تدخل القوى الخارقة التي تقف الى جانب الإفرنج. ويخلص جبور الى أن هذه الأنشودة تمثل نموذجاً للجهل الناجم عن الوهم والتخيل، وتقترح «العماد» كحل تبسيطي لإخضاع الآخر واحتوائه، و«هو توجه سوف يترسخ في الوعي الأوروبي في العصر الوسيط». وتفترق «أنشودة أنطاكية» عن أنشودة رولان في أنها تتفق في جملتها مع المدونات التاريخية، وجمعت أبياتها التسعة الاف للمرة الأولى عام 1848. ويبدو أن أحد المقاتلين في الحملة الصليبية الأولى هو كاتبها، ومؤكد أنها تعرضت لتعديلات وإضافات، وتتناول موضوعات تجمع بين «أصل الفكرة المسيحية ودور بطرس وأعمال مجمع كليرمون وتفاصيل الأحداث العسكرية». وتتداخل فيها الوقائع التاريخية مع الأسطورة والملحمة، فالعالم الذي تصوره هو عالم ملحمي، يحتل الصراع بين الخير والشر الموقع الرئيس فيه، ويحلل جبور أبيات الملحمة التي تصور الأخيار وتلك التي تصور الأشرار، وكذلك الأبيات التي تصور صراع الكفر مع الإيمان، حيث الصراع هو بين «رفاق يسوع» وبين «أوغاد المسيح الدجال» أو «أبناء الشيطان»، ويعتبرها على المستوى الأدبي من أهم الأعمال الأدبية في القرون الوسطى، حيث «يمكن تصنيفها كوثيقة مكملة للمدونات التاريخية التي تروي أحداث الحملة الصليبية الأولى»، لكنها تكشف الذهنية السائدة، من حيث أنها تكرر الأحكام المسبقة عن الاخر ـ الخصم، وهي أحكام تنمّ عن جهل بمعتقداته، إذ تصوره كافراً وملعوناً وعبداً للشيطان ومشعوذاً. وفي الجانب الآخر، تقدم رواية «صلاح الدين» المجهولة الكاتب نموذجاً مختلفاً، حيث أن صورة هذا الرجل الذي ألحق الهزيمة بالصليبيين وقهر ملوكهم، تتحول بالتدريج من نظرة يحكمها العداء والتشويه الى نظرة أسطورية تلبسه أبهى الصفات. فالخيال الغربي حوله الى بطل ينحدر من أصول غربية، وهذا التحول كما يراه جبور دلالة على رغبة في الاحتواء لهذه الشخصية الفذة بواسطة الأدب بعد ان تعذر قهرها بواسطة السلاح. وتقول الرواية ان «مولانا السلطان» ملك عمورية تزوج من فتاة افرنجية، وقد تركته بعد ان رزقا بفتاة تدعى «النحيلة الجميلة» التي تزوجت من أمير دمشقي يدعى «ملكان دوبوداس»، وقد رزقا بدورهما فتاة دُهش من جمالها سلطان دمشق فتزوجها ورزقت منه بولد بهي الطلعة أسماه صلاح الدين. هكذا وبعملية مختلقة يتحول صلاح الدين الى سليل أسرة افرنجية. ثم تبالغ الرواية في إطلاق الصفات الحميدة عليه، كالشجاعة الخارقة المقترنة بالمروءة والتسامح والكرم، وهي صفة ظلت لقرون عديدة حكراً على الأبطال الصليبيين. وهذه الصفات هي التي دفعته الى العماد واعتناق المسيحية. وتذهب الرواية الى حد تتحول فيه معركة حطين الى معركة واهية على مشارف دمشق، استبسل فيها الافرنج وطاردوا فلول المسلمين. ويعزو جبور هذه الرواية الى «الحالة النفسية التي سادت في بلاط ملوك الافرنج بعد خسارة القدس»، حيث أصبح شعار استرجاع هذه المدينة عبئاً قام أهل الأدب بترجمته في مخيلتهم وصورهم البلاغية. وفي سياق دراسته كتاب «جمهورية الأتراك» لـ «غليوم بوستيل»، يرى جبور أن اعتماد الأخير الموضوعية منهجاً يبدو وكأنه إعادة اعتبار للأتراك، لكن الأمر ينطوي على شيء آخر، حيث يعتبر مؤلفه ان دراسته «تؤمن المعلومات الضرورية وتعطي ارادة وحافزاً للشعوب والأمراء المسيحيين لإيجاد الوسيلة الفضلى لاحتلال هذه البلاد والسيطرة على غناها»، ومع ذلك قدم بوستيل نظرة جديدة للأتراك هدفها هو «إعطاء درس أخلاقي للمسيحيين الأوروبيين لحثهم على وقف الاقتتال الداخلي». وقد هوجم من قبل معاصريه على آرائه رغم تراجعه عنها، ثم سجن وأعلن معتوهاً، ويرد ذلك جبور الى أن النظرة الإنسانية التي كانت أساس فكر النهضة لم تستطع تحرير صورة الشرق في المخيلة الغربية من دوائر الجهل والعداء. وفي المحطة الثانية التي تشمل المرحلة الكلاسيكية وعصر الأنوار، يتناول جبور بعض أعمال التيار الأدبي الذي عرف بـ «التغرّب»، ونشأ على خلفية كتابات الرحالة الذين تدفقوا في القرن السابع عشر الى الشرق، وراحوا يتبارون في الكتابة عن غرائبية الشرق والحياة الشرقية. وتقاطع ذلك مع مشاريع السيطرة وبداية مرحلة الاستعمار الأوروبي. ويختار للدراسة كتاب «رحلة الى الشرق» للرحالة «جان تيفينو»، الذي أدخل في مؤلفه كماً هائلاً من المعلومات عن الشرق، خصوصاً عن تركيا وعن مصر. وقد أبدى بعض التسامح تجاه الأتراك، مظهراً بعض صفاتهم الحسنة، لكنه رسم صورة هجائية للمصريين، وألصق بهم أبشع الصفات، مبدياً عنصرية قل نظيرها، «فالعرق ولون البشرة يصبحان موضع اتهام ومصدراً لكل العيوب كالخسة والدناءة والكسل والانحراف الخلقي». ويعتبر جبور ان هذه النظرة تعد مقدمة لنظرية تبلورت في القرن الثامن عشر، وترى «أن وضع اليد على الشرق يعتبر عملاً مشروعاً، وذلك لنقله من براثن التخلف الى طريق التقدم. لكن الشرق تحول مع النهضة الأوروبية الى موضوع ادبي، اسهم في استنزافه بعض الكتاب المعروفين، أمثال «موليير» في مسرحيته «البورجوازي النبيل» و«راسين» في مسرحيته «بايزيد». ومهدت مثل هذه الأعمال لنظرية «التسلط الشرقي»، نظراً لما أبرزته من صور القهر والخداع والقتل والمكر، لتكوّن الصورة العنفية للحياة الشرقية. فـ «راسين» صور الشرق في مسرحيته المذكورة، التي تدور أحداثها في سرايا اسطنبول، على أنه بلد لمختلف أشكال العنف العسكري والسياسي. لكن راسين لم يتخل مع ذلك عن رصانة رجل المسرح، حيث رسمت عبقريته إطاراً للحياة الشرقية دون اللجوء الى الابتذال، بل قدم «صورة نابضة بالحياة»، روى فيها «قصة يستحيل تصورها إلا في السرايا: إنه الشرق». لكن المسرحية الهزلية «السلطانات الثلاثة» لـ «شال سيمون فافار» تسرف باصطناع المواقف المثيرة عن السرايا او الشرق، وتعلن عن انتصار القيم والمفاهيم الغربية، حين تتمكن فيها فتاة عادية من تقويض قيم السلطان الشرقي القائمة على التسلط والعنف والاستعباد ولا تقوى على الصمود أمام قيم البطلة الغربية القائمة على العدالة والحرية والمساواة. ولم تقتصر النظرة المنقوصة الى الشرق على الأدب، بل امتدت الى الفلسفة، حيث قدم الفيلسوف «لايبنيز» الى لويس الرابع عشر مشروعاً يقضي بالسيطرة العسكرية على الشرق انطلاقا من مصر. ثم تتكثف الصور النمطية عن الشرق في القرن الثامن عشر على يد مفكرين كـ «مونتسيكو» الذي روج لفكرة الشرق ـ التسلط التي عزاها للمناخ الشرقي، و«فولتير» الذي كتب مسرحية «التعصب او محمد الرسول»، وحاول فيها الصاق تهمة التعصب بالعرب والإسلام. ثم يأتي كتاب «رحلة الى مصر وسوريا» لـ «فولناي» ليشكل «مدخلاً لفهم الروحية التي ستسود العلاقات بين الشرق والغرب»، حيث يركز فيه على الجوانب السياسية والاجتماعية ليخلص الى أن الشرق مريض بالتسلط، وهو بحاجة الى الغرب كي ينقذه من التخلف، ويرى جبور ان هذه النصيحة وجدت «آذانا صاغية» اذ لم يتورع بونابرت الذي قرأ مونتسيكو وفولناي بتمعن من اللجوء الى مغامرة عسكرية فكانت الحملة الفرنسية على مصر. اما محطته الثالثة من كتابه فيخصها لـ «عصر الرومانسية بين احلام الشعراء والاطماع الاستعمارية»، ويتناول فيها كتابات ومراسلات بعض الكتاب الرومانسيين الذين زاروا الشرق في القرن التاسع عشر، ويبدأ بتحليل كتاب «رحلة الى باريس لـ «شاتوبريان» الذي ذهب الى الشرق مشدوداً مثل باقي ابناء جيله الرومانسيين الى سحره وذكرياته العاطفية، وبعد ترحاله خرج بفكر مشحون بالعدائية، حيث صور كل من صادفه من عرب واتراك على انهم اعداء ولم يلحظ اية ايجابية في رحلته، وكان ذلك اسير أفكاره المسبقة، اذ انه قبل ان يصل اسطنبول يقول عنها «عاصمة الشعوب المتوحشة» وقبل ان تطأ قدماه الاسكندرية حكم على مصر بأنها بلد «الجهل والبربرية»، ثم جاءت مشاهداته لتطابق الاحكام وزاد من نمطية صوره، وعليه يعتبر جبور ان رحلته لم تستطع سبر اغوار الشرق، كونه كان اسير انحراف ايديولوجي املي عليه تلك المواقف العدائية، وفي ذات السياق جاء ديوان «الشرقيات» لـ «فكتور هوغو» وعكس الصور السلبية عن الشرق التي كانت سائدة في عصره مما اسهم في دغدغة احلام الغربيين بالاستيلاء على الشرق، غير ان تعاطي الفونس دو لامارتين مع الشرق تحير جبور ،ويعتبره فريداً في نوعه، حيث انتقل سريعا من موقف الاشادة والتعاطف الكلي معه الى الترويج لافكار الهيمنة والتملك، ويرد ذلك الى روحية العصر، حيث كانت فرنسا في تلك الفترة تستذكر بفخر امجاد حملة نابليون على مصر وفي الوقت ذاته كانت تخوض تجربة الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، وعليه اتت افكاره استجابة للتوجهات السائدة وتكبر المشكلة مع ما كتبه «لويس برتران» في كتابه «السراب الكبير» اذ ان الشرق بالنسبة اليه «أرض متوحشة» لا تنبت فيه نبتة غربية لذا على الغرب ان يدير ظهره للشرق، ودون اي شعور بالشفقة أو الاسف، ويتركه الى تخلفه وجهله وتوحشه، حتى يقضي بذاته. اخيراً يشكل كتاب جبور اضافة الى الدراسات الاستشراقية سعى فيه الى تقديم دراسة هامة للاعمال المدروسة دون اتهامات وحذر فيه من الوقوع في فخ ما يسمى بـ «الاستشراق المعكوس» على حد تعبير سمير امين أو الاستغراب حسب تعبير حسن حنفي، لكن قول الكتاب سار في طريق اعتبار الغرب كتلة صلبة، او كيانا موحدا، رغم تناول كتاب ومفكرين فرنسيين فقط، ومرد ذلك هو اقتصاره على الاعمال التي سارت في ركب التمركزية الاوروبية ومختلف تمظهراتها، ومحاولته ربط بعضها بهذا الركب، فالرابط بين هذا الحشد من الادباد والرحالة والمفكرين هو رابط ضعيف ومتغير ويعكس ما بدا من قوة في هذا الكتاب، فضلا عن ان الثقافة الفرنسية ليست كتلة متجانسة وموحدة وعلى مر العصور بل هي مستويات متعددة ومختلفة ومتغيرة وسيكون لكتابه وقع خاص في ايامنا هذه، كوننا نشهد مرحلة يشتد فيها اشتغال الصور النمطية بين الغرب والشرق وتزدهر فيها افكار الصراع على حساب التفاعل وامكانيات العيش في الفضاء العالمي المشترك الذي يتسع للجميع. عمر كوش