بيان2:اعتقد جازما ان وقت عرض فيلم بركان الغضب قد خان مخرجه مازن الجبلي، اذ وصل شعور الشارع بالقضية الفلسطينية، الى اعلى وأرقى درجات الوعي بها، وهو ما لم يتنبه اليه القائمون على هذا العمل السينمائي، حيث اخفقوا في القبض على مدى احتياجنا الى المعنى الانساني والوجودي والسياسي للقضية،خاصة، في ظل شلالات الاغاني الوطنية، والاصوات الخشبية، والبلاستيكية التي اتخمتنا بها فضائياتنا، حتى كدنا نشعر ان فلسطين قد تحولت الى «سوبر ماركت» بضاعته معروضة على الارصفة، وان في مقدور كل من هب ودب ان يكون زبونا، بائعا كان، ام مشترياً (!). وهذا ما حدث بالضبط في فيلم «بركان الغضب» حيث لا بركان سوى مفرقعات تذكرنا بليالي الموالد، ولا غضب يرقى لرمية حجر. بداية الفيلم توحي بأمل في وجود عمل راق واننا سوف نشاهد فيلما تلعب فيه الصورة دور البطولة، فلا ثرثرة، ولا كلام، بل صمت جليل، ورؤية تتوهج.. «فخالد شبيب» احد نشطاء المقاومة والذي يلعب دوره «تامر هجرس» يقوم باغتيال الجنرال شيمعون بأحد الفنادق في اسرائيل، ثم يتمكن من الهرب، فتثور ثائرة اسرائيل، وتحشد كل قواتها ورجال مخابراتها للقبض عليه، ومن هنا تحديدا يتلاشى الامل، و تبدأ الثرثرة، حيث المطاردات للنيل من «خالد» ولكنهم يفشلون. ثم تظهر «مريم» الفدائية الفلسطينية ضمن مجموعة «خالد» لتقتل في معركة مع الصهاينة حين يحاولون خداع المجموعة بارتداء الكوفية الفلسطينية، فيبكيها شقيقيها «جورج» في اشارة من المخرج وكاتبه الى الوحدة الوطنية، وهي اشارة تنقصها الدقة المعرفية، فالذي يتربص بالقضية ليس اختلاف الديانات، بل تباين الانتماءات الفضائلية. ويستشعر خالد ورفاقه بخطورة الموقف، وبضرورة هروبه الى لبنان عبر «بالون هوائي» ليقع المخرج في مأزق استخفافه بعقلية المشاهد، فهل يعقل ان يعبر بالون هوائي الى حدود لبنان المتاخمة لحدود اسرائيل، دون ان تكشفه الرادارات الاسرائيلية، وهي التي ترصد كل عصفورة في هذه المنطقة الحساسة، ألا وهي من ذلك اننا رأينا طائرة هليكوبتر اسرائيلية بالقرب من البالون، دون ان تعترضها «تصوروا». وعبر عدة مطارات يصل «خالد» الى القاهرة، لمقابلة ابو أدهم «احمد فؤاد سليم» لعقد صفقة اسلحة وادخالها الى ارض فلسطين، ويقوم بدور تاجر السلاح غسان مطر «الخواجة روستي» الذي بدا مشغولاً ومعجباً بصوته الخشن، وملامحه القاسية، وكأننا اما تاجر مخدرات، وليس تاجر سلاح. امام تمويل الصفقة فقد جاء على يد رجل خليجي الذي نوه الى وقوف الخليجيين الى جانب «أبوعمار»، في اشارة من كاتب السيناريو الى مساندة الجميع للقضية، لكن المخرج والسيناريست فاتتهما معلومة يعلمها الجميع وهي ان التمويل من هذا النوع لا يتم الا عبر «ياسر عرفات» شخصياً خاصة ان الذي قبض المبلغ لا نعرف مدى صلته بأبي عمار، لكنهما أي المخرج والسيناريست انتابتهما حالة من «الرومانسية القومية»، الا اذا ارادا الاشارة الى دور أبوعمار في كافة العمليات الفدائية، وهي مسألة تحتاج الى الكثير من البراهين والادلة. وتتابع الاحداث، ولا اقول تتنامى، حيث يجد ابو أدهم ضالته في بيت صديقه ضابط المباحث «حسين شاكر» شريف عبدالمنعم لايواء الفدائي «خالد» دون ان يعمله بأية تفاصيل. ولا يفوت المخرج ان يظهر لنا اخت الضابط «سارة» مرح، ذات الموقف النضالي، ليمهد لعلاقة عاطفية مغلفة بمشاعر وطنية، وإن كان يحسب للمخرج عدم ابتزال هذه العلاقة أو «تجنيسها». وحين تتعطل الصفقة بسبب احداث سبتمبر، يبدأ الخواجة «روستي» بالمطالبة بثمن الصفقة، فهو قد وفّر الاسلحة، وعليه اخذ الثمن، وصارت المعضلة في كيفية توصيلها «لخالد» لإرسالها لفلسطين، لتفاجأ بأجواء أفلام جيمس بوند، مطاردات في شوارع القاهرة، واحتجاز أبو أدهم لحين قبضه السبعة ملايين دولار، ويتم له ما اراد، ثم يكتشف الضابط حسين انه تم استغفاله، وانه كان يؤوي مجرماً، لا مناضلاً.. فينطلق ببطولة زائفة الى عرض البحر للقبض على خالد ورفاقه وصفقتهم، فمصر ليست مرتعا لهذه الصفقات المشبوهة (!!) حسب رؤيته. وعندما يصل الى الباخرة «سارة» والتي سميت تيمنا بحبيبة قلب المناضل خالد، نفاجأ بمشهد النهاية، وهو من اتفه وأسخف المشاهد وأسطحها، فبقدرة قادرة تحول الضابط «حسين» الكاره لهذا النوع من الصفقات، الى مناضل شهم مستعد للاستقالة لتمرير الباخرة والصفقة لاخوانه في فلسطين، اما رئيسه فقد عبر في بلاهة شديدة عن رغبته في ترقيته الى وزير داخلية، لو افشل هذه الصفقة، لكن حمى الوطنية المجانية انتابته في ثوان معدودة لينتهي الفيلم، دون ان نعرف لمن الواقع اليوم؟ اخيرا. لقد تعمدنا عدم ذكر مواقف كثيرة، فيكفي ما قلناه من «كي.جي.وان» سينما. الفيلم لا يستحق سوى الشفقة والرثاء، لأناس ارادوا ركوب موجة فلسطين وابنائها، فسقطوا في مستنقع العبارات الانشائية، والاكليشيهات الجاهزة، والجمل الرنانة. ليتأكد لنا جميعاً ان الواقع أفدح من نياتنا، وان دماء الشهداء لا يسعها اي كأس، أو شفاه لا تقدر على بلع ريقها. مجدي أبوزيد