بيان الكتب:400 رواية مجموع ما كتبه جورج سيمنون المولود في بلجيكا سنة 1903 بعد أن تخطى الستين من عمره بقليل، وكل رواية يحتاج إلى 11 يوما لكتابتها. لماذا 11 يوما لكتابة أي رواية ؟ لأن كل رواية من 11 فصلا، وكل فصل يكتب في يوم واحد. تبدأ الكتابة بعد أن تُعلن حالة الطواريء في البيت، حيث لا زيارات ولا رسائل أو برقيات أو هواتف خلال هذه الفترة. وحتى الطبيب عليه أن يقدم تقريره بشأن جورج سيمنون وأسرته بعد الكشف الطبي وأن كل شيء على ما يرام وألا أحد يشكو من أية علة يمكن أن تعيق العمل. قالت زوجته «دينيس سيمنون»: هنالك نمطان من الحياة يعيشها سيمنون، إما أن يكون قد ابتدأ بكتابة رواية، أو أنه قد انتهى من كتابة رواية ولم يبدأ بعد بكتابة الرواية الجديدة. ويشعر سيمنون خلال فترة الكتابة بالتوتر والمزاجية وهي حالة تصاحب الكثير من كتّاب الرواية خلال فترة الكتابة وتظهر منهم موجات من الغضب والفظاظة التي تبدو للآخرين غير مبررة.. بل إن بعضهم تتغير حتى فسيولوجية أجسامهم، ناهيك عن إرتفاع في ضغط الدم ونسبة الكولسترول وما إلى ذلك. يبدأ سيمنون العمل في الساعة السادسة صباحا كأنه في ورشة منطلقا بعد فنجان القهوة في ظل إضاءة محسوبة داخل غرفة كبيرة مجهزة بالكتب وآلة الطباعة وأدوات الكتابة مع جو خاص فيما يتعلق بمحاكاة القضايا الإجرامية. فضلا عن وجود خريطة للمدينة التي تدور فيها أحداث الرواية، كل ذلك من أجل ضبط حركة الشخصيات التي تتنامى مع فصول الرواية التي يجب أن تكتمل في اليوم الحادي عشر بالضبط، وهي، أي الشخصيات خليط من شخصيات عرفها سيمنون في فترة ما من حياته وأحيانا يدمج أكثر من شخصية واقعية في شخصية أحد أبطال رواياته، أو يجري إسقاطات من شخصية على أخرى، كيف لا وهو قد كتب أكثر من 400 رواية! وفي البانسيون الذي كانت تديره أمه بعد وفاة أبيه كان سيمنون يختلط بالأجانب الذين يحطون ويرحلون سراعا من مختلف الجنسيات خاصة من دول المعسكر الشرقي السابق ومن شريحة الطلبة بالذات، من أولئك سمع عن الروائيين والمسرحيين الكبار أمثال ديستويفسكي وموباسان وتولستوي وشكسبير، ثم تعرف عليهم من خلال القراءة. ولكنه عندما بدأ الكتابة إختار الكتابة الصحافية. وكما خُلقت شخصية شيرلوك هولمز في روايات السير آرثر كونان دويل أو شخصية بوارو في روايات أجاثا كريستي، خلق سيمنون شخصية الكوميسار «جول ميغريه»، رجل الشرطة العادي وبطل رواياته العديدة ذو البصيرة الحادة حيث إمتازت هذه الشخصية بالواقعية والعقلانية والمباشرة في الوصول إلى فك ألغاز الجريمة التي يمكن أن يقترفها أي من المشتبه بهم إلا المجرم الحقيقي التي تظهر حقيقته في النهاية! وطبعا يكون كل ذلك على يد ميغريه، واشتهرت هذه الشخصية إلى الدرجة التي بات فيها سيمنون يحّيا في الشارع بإسم «ميغريه ـ Maigret». وشخصية «ميغريه» مارست «فعل الجبر» على سيمنون عندما أراد أن يقتل ميغريه ويستمر في الكتابة بدونه، فوجد نفسه غير قادرعلى قتله بعد أن أحيا حفلة خاصة من أجل التخلص منه، لكنه في النهاية آمن بأن الشخصية التي خلقها أزلية. وقد اخترنا في بحثنا اليوم رواية «الكلب الأصفر»، واذا تساءلنا لماذا رواية الكلب الأصفر ؟ ذلك أننا يمكن أن نختار أي من روايات سيمنون لتمثل قالب رواياته التي تتعلق بحدوث جريمة غامضة تحتاج إلى فك رموزها على يد الكوميسار ميغريه، ولأنها حدثت لرجل ليس له أعداء. ونظرا لأن سيمنون يكتب رواياته من 11 فصلا فقد آثرنا أن نحاكي سيمفونيته بالارقام: 1 ـ يبدأ الفصل الأول بعنوان «الكلب الشارد». حيث كان رجل الجمرك يراقب من مكانه عن بعد الرجل السكير وهو يحاول اشعال سيجارته مترنحا قرب المسكن الشاغر قبل أن يسقط دون حراك. وبعد فترة اقترب منه كلب أصفر. ولما طال انتظاره لعل السكير يقوم بحركة ما، اقترب منه ليجده جريحا. وفيما بعد كان تقرير الطبيب يشير إلى أن رصاصة أطلقت من مسافة قريبة، أصابته في بطنه. لقد كان السيد موستاغين أحد كبار تجار النبيذ، ولا يُعرف له أعداء. دخل الكوميسار ميغريه المقهى القريب من مسرح الجريمة، وهناك تقدم منه رجل قدّم نفسه على أنه صحافي يدعى جان سرفيير، ثم قدّم له رفاقه الجالسين إلى الطاولة. شك الدكتور ميشو بالشراب الذي يدور بينهم، وطلب الكشف الفوري عليه، واكتشف وجود مادة الاستركين السامة موضوعة في شراب البرنو. 2 ـ كان المفتش الوروا في مهمته الأولى، مكث يراقب ميغريه أسفا. قام ميغريه بتحرياته في المنطقة وفي بيت الدكتور ميشو، ولاحظ وجود الكلب الأصفر الذي أَلِفَ المنطقة والناس. 3 ـ اختفى جان سرفيير، وكان اسمه الحقيقي «غويار». وكان عمدة المدينة غاضبا وهو يتابع كيف أن الصحافة تهول الجريمة وتشيع حالة من الذعر في «كونكارنو» التي راح سكانها يتساءلون بقلق: ترى من ستكون الضحية التالية ؟ وبعد أن وفد عدد من الصحافيين لتغطية الأحداث.. في تلك الفترة جرت محاولة لاغتيال الكلب الأصفر. 4 ـ تجمهر جمهور غفير حول الكلب الجريح، معظمهم من الفتيان الذين لم يتوانوا بقذفه بالحجارة رغم جراحه، قبل أن يحضر ميغريه ويفرقهم ثم يحمله إلى الفندق لعلاجه. وعبر الهاتف جاء خبر وفاة لو بومّيري بالسم. ثم اختفى الكلب الأصفر في ظروف غامضة تاركا أكثر من سؤال خلفه. 5 ـ كان العمدة يحث ميغريه على إعتقال أحد ما لتهدئة الحالة، فما كان من ميغريه إلا أن اعتقل الدكتور ميشو.. صديق العمدة! 6 ـ قال الدكتور ميشو مخاطبا ميغريه: لقد تنبأ أحدهم لي قبل خمس سنوات أني سأموت ميتة بشعة وعنيفة وعليّ أن أحترس من الكلاب الصفراء. ثم أخبره أنه خائف وكاد أن يطلب الحماية قبل أن يعتقل. 7 ـ اختفى ميغريه ثم ظهر فوق سطح فندق أميرال مع مساعده لوروا وهما يراقبان المسكن الشاغر، فشاهدا ضوءا خافتا ينبعث من الطابق الثاني، واستطاعا بصعوبة تمييز وجود رجل ضخم قرب الشمعة كانت تحرياتهما السابقة تشتبه به وتدلل أنه يعيش في عزلة قرب الشاطيء. ثم لاحظا قدوم عاملة المقهى ايما حاملة له الطعام، وبدا المشهد وكأنه لفيلم صامت عندما ثار الرجل الضخم في وجه ايما دون أن يدركا حقيقة لازمة حوارهما المؤثر، في الوقت الذي تظهر صورة الرجل وتختفي بين الضوء والعتمة.. ثم أنهيا المشهد بعناق طويل. في تلك اللحظات حدثت جريمة اخرى بحق الجمركي الذي اكتشف الجريمة الأولى. 8 ـ كان جميع المشتبه بهم في أماكن معروفة ومحددة بالنسبة إلى ميغريه لحظة وقوع الجريمة الأخيرة عندما سمع باطلاق النار وهو يراقب من فوق الفندق. لذلك فإن ميغريه حلل الموقف إلى العمدة وأخبره أن الجاني يمكن أن يكون أي شخص، ثم خاطبه قائلا: حتى أنت! 9 ـ بعد أن فتش ميغريه غرفة ايما وعثر فيها على رسائل قديمة باسمها أخذت صورة الجرائم تتكشف في عقليته، فأمر بجمع المشتبه بهم في مكان واحد وزمن واحد تمهيدا لاجلاء الحقيقة، وفي مقدمة هؤلاء جان سرفيير الذي هرب إلى باريس بعد أن ترك آثارا في سيارته تضلل العدالة على أنه مقتول. 10 ـ تحدث الرجل الضخم المتشرد «ليون» أنه كان ينوي الزواج من ايما قبل أن يصبح ضحية محاولة تهريب مخدرات لا علم له بها بعد أن أفهمه الدكتور ميشو ورفاقه أن البضاعة ما هي إلا خمور تهرب إلى أميركا كما يفعل الجميع، وأن الدكتور ميشو وأحد ألامريكيين كانا وراء الوشاية به، فصودر مركبه وسجن ولم يكن له رفيق في السجن سوى الكلب الأصفر. وأنه بعد اطلاق سراحه جاء لينتقم، لا بالقتل وإنما بطريقته الخاصة. 11 ـ ثم جاء دور الكوميسار ميغريه لفك ألغاز الجرائم، فالجريمة الأولى لم يكن المقصود بها غوستاف الذي ليس له أعداء، فبعد أن علم الدكتور ميشو بقدوم الرجل الضخم «ليون»، ضحيته السابقة، استدرجه إلى البيت المهجور للتخلص منه بواسطة رسالة على أنها مرسلة من ايما تطلب لقاءه، وشاء حظ غوستاف أن يكون في المكان الخطأ وأن يصبح الضحية الأولى. والضحية الثانية لو بومّيري كان خوفه وراء مصرعه مسموما بيد الدكتور ميشو حتى لا يفشي سرهم. أما الجريمة الثالثة بحق الجمركي فقد افتعلها الدكتور ميشو وهو معتقل عن طريق أمه حتى يبعد عن نفسه الشبهات، وكان يمكن أن تكون بحق أي واحد متواجد في الطريق ساعتها. أما الكلب الأصفر الذي اختفى فقد كان ضحية خلافات البشر لأنه مات ودفنه ليون سرا وفاءً لوفائه